"بتسيلم": روتين العنف اليومي للاحتلال.. اقتحام منازل الفلسطينيين وضربهم وتدمير ممتلكاتهم واعتقالهم

القدس- "القدس" دوت كوم- محمد أبو خضير- "روتين الاحتلال: جنود يقتحمون منازل الفلسطينيين لاعتقال مطلوبين، أو لتنفيذ مهام قد تكون تدريبية، وما جرى في منزلين في مخيّم الفوّار للّاجئين في محافظة الخليل، يضربون ويعتدون على أفراد العائلة ويفجّرون خزانة كهرباء في مصلحة تجاريّة، هذا روتين العُنف الذي يمارسونه منذ احتلال الضفة عام 1967"، هذا ما جاء في تقرير موسع لمركز (بتسليم) لحقوق الإنسان حول اقتحام مخيم الفوار بمحافظة الخليل.

وحسب التقرير الذي حصل "القدس" دوت كوم على نسخة منه في ساعات الفجر من يومي 25/ 6/ 2020 و-7/ 7/ 2020، "اقتحم عشرات جنود الاحتلال منزلين لعائلة أبو هشهش في مخيّم الفوّار للّاجئين بحجّة البحث عن ثلاثة مطلوبين من أفراد العائلة. دخل الجنود إلى المنازل بدون كمّامات واقية. في المنزل الأوّل ضربوا ثلاثة من أفراد الأسرة، وفجّروا خزانة كهرباء في مصلحة تجاريّة لأحد أفرادها، وفي المنزل الثاني حرّضوا كلباً على ثلاثة من أفراد الأسرة وضربوا أحدهم".

وأشار التقرير إلى أنّه لا توجد أيّة شبهة ضدّ الأُسرتين نفسيهما، ورغم ذلك اتّصل بهما فور انتهاء الاقتحامين شخص من "الشاباك" يطالب بتسليم المطلوبين ويتوعّد إحداهما بصريح العبارة أنّ الجنود سوف يعودون إلى المنزل ويجعلونه "ساحة حرب" إذا لم يسلّم المطلوبون أنفسهم.

وأضاف التقرير: اقتحام الجيش الإسرائيلي منازل الفلسطينيّين في دُجى اللّيل وإفزاع الأسر من نومها، بما في ذلك الأطفال الصّغار والرضّع، أصبح منذ زمن بعيد جزءاً من الروتين الذي أنشأه ويديره نظام الاحتلال في الضفة الغربيّة. هذه الاقتحامات - التي اشتملت في الحالة التي أمامنا على ممارسة العُنف ضدّ أفراد العائلة وترهيبهم وإتلاف ممتلكاتهم -تحدث دون أن يحتاج الجنود إلى أوامر تفتيش أو حتّى تقديم أسباب أيّاً كانت. إنّه فقط مثال آخر على الطريقة التي يستغلّ بها الجيش الإسرائيلي قوّته حتى في أيّام الوباء العصيبة هذه، حيث يعمّ الحجر الصحّي معظم مناطق الضفة الغربيّة، وحيث الخوف والقلق لدى السكّان أعلى من أيّ وقت آخر.

وتضمن تقرير بتسيلم وصفاً للأحداث وأقوالاً من إفادات سجّلها باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش، الذي يصادف أنّه أحد أفراد العائلة الضحيّة:

20.

اقتحام منزل سناء ويوسف أبو هشهش

نحو الرّابعة من فجر يوم الخميس الموافق 25 /6/ 2020، اقتحم ما يقارب 30 جنديّاً مبنًى في وسط مخيّم الفوّار للّاجئين الواقع جنوب غرب الخليل تسكنه عائلة أبو هشهش. يقيم في المبنى سبعة إخوة، أربعة منهم متزوّجون يقيمون هناك مع عائلاتهم، ويبلغ مجمل عدد سكّان المبنى 25 شخصاً بضمنهم 12 طفلاً. زعم الجنود أنّهم أتوا للقبض على اثنين من الإخوة - سري (41 عاماً) ومحمد (50 عاماً)، وكلاهما كان غائباً عن المنزل في تلك اللّيلة.

وجاء في التقرير: في البداية اقتحم الجنود منزلاً في الطابق الأرضيّ يسكنه يوسف أبو هشهش (46 عاماً) وزوجته سناء (41 عاماً). أمر الجنود الزوجين وابنتهما جود (8 سنوات) أن يدخلوا إلى غرفة الصّالون. لدى دخول الجنود المنزل فرّ ابناهما، وهما ياسين (17 عاماً) وآدم (19 عاماً)، فيما بقي الابن إسلام (12 عاماً) نائماً. ابنهما الرابع محمود (20 عاماً) كان يبيت في تلك اللّيلة لدى أعمامه في الطابق الأوّل.

وأشار إلى أن ثلاثة جنود تولوا حراسة أفراد الأسرة واقفين عند باب الغرفة شاهرين أسلحتهم، فيما صعد بقيّة الجنود إلى الطابق الأوّل حيث يقيم ثلاثة من الإخوة العازبين. وحين فتح يعقوب (33 عاماً) باب المنزل عاجله جنديّ بضربة بعقب البندقيّة على أنفه تسبّبت في كسره ثمّ اقتادوه إلى صالون الطابق الأرضيّ مع أخيه إبراهيم (42 عاماً)، ومنعوا الأخير من ارتداء ملابس ملائمة. كذلك انتزع أحد الجنود محمد، وهو ابن يوسف وسناء، من فراشه حيث كان يبيت في منزل أعمامه، وجرّه من شعره إلى صالون الطابق الأرضيّ حيث منزل والديه.

وقال: واصل الجنود إلى الطابق الثاني حيث يقيم ثلاثة إخوة متزوّجين كلّ مع أسرته. أحد المنازل كان خالياً في تلك اللّيلة. في المنزل الثاني سأل الجنود إياد أبو هشهش (54 عاماً) عن مكان شقيقيه سري ومحمد. وفي المنزل الثالث حين قال زياد (58 عاماً) إنّه لا يعرف أين شقيقاه ركله جنديّ وصفعه مرّتين، ثمّ اقتاده الجنود إلى غرفة الصّالون نفسها في منزل سناء ويوسف أبو هشهش.

وأضاف التقرير: بعد مضيّ نصف السّاعة، أمر الجنود أفراد العائلة أن ينتقلوا إلى بيت الدّرج ثمّ فجّروا بموادّ متفجّرة خزانة كهرباء في ورشة حدادة في الطابق الأرضيّ يملكها يوسف أبو هشهش وغادروا. احتاج يعقوب أبو هشهش إلى عمليّة جراحيّة لمعالجة الكسر في أنفه، وقد أجريت له في 29/ 6/ 2020.

وحسب تقرير بتسيلم: "فورَ خروج الجنود اتّصل بمنزل عائلة أبو هشهش مسؤول من "الشاباك"، وتوعّدهم بأنّ الجنود سوف يعودون إليهم إذا لم يسلّم سري ومحمد أبو هشهش نفسيهما إلى الجيش. بعد ذلك، وعلى مدار ثلاثة أيّام، كان مسؤول "الشاباك" يتّصل بعدد من أفراد الأسرة عدّة مرّات ويكرّر التهديد والوعيد.

وتابع: في اليوم الثالث، سلّم سري أبو هشهش نفسه في حاجز الفوّار حيث اعتُقل وخضع للتحقيق لدى "الشّاباك"، ومن ثمّ صدر في حقّه أمر اعتقال إداريّ لمدّة ثلاثة أشهر. في الوقت الحاليّ يُمضي سري الاعتقال في سجن "عوفر".

وقال الجريح يعقوب أبو هشهش في إفادة أدلى بها في 26 /6/ 2020 لمركز بتسيلم: "تقريباً عند السّاعة 4:00 فجراً استيقظت على صوت جلبة في بيت درج البناية. فتحت باب غرفتي، وإذ بجنديّ يضربني على أنفي بعقب بندقيّته. عندما خرجت من الغرفة شاهدت عدداً كبيراً من الجنود قد اقتحموا البناية وانتشروا داخلها".

وأضاف: آلمني أنفي كثيراً، وقبل أن أستوعب ما يجري جرّني جنديّان إلى الطابق الأرضي وأدخلوني إلى غرفة الصّالون في منزل أخي يوسف. كان في الغرفة يوسف وسناء زوجته وابنتهما الصغيرة. وقف ثلاثة جنود عند مدخل الغرفة موجّهين أسلحتهم إلينا. بعد دقائق معدودة جلبوا إلى الصالون أخي إبراهيم وكان شبه عارٍ لا يرتدي سوى "بوكسر"، ثمّ بعد عدّة دقائق أخرى جلبوا أيضاً أخي زياد ثمّ محمود ابن أخي.

وضعت يدي على أنفي، وحاولت وقف النزيف وكنت أعاني ألماً شديداً. سناء كانت مذعورة وكذلك ابنتها. كانت الطفلة تمسك بأمّها وتبكي. بعد مضيّ نصف السّاعة تقريباً أخرجنا الجنود إلى بيت الدّرج ودخلوا إلى محددة أخي يوسف. سمعنا انفجاراً. بعد ذلك تبيّن لنا أنّهم قد فجّروا خزانة الكهرباء. قبل أن يغادر الجنود أمرونا أن نُبلغ أخوينا محمد وسَري أنّ عليهما تسليم نفسيهما.

وتابعت: في الصّباح ذهبت إلى المستشفى الأهلي في الخليل، حيث أجريت لي فحوصات وصور أشعّة تبيّن فيها أنّ هناك كسر في عظمة الأنف. قرّر الأطبّاء أنّني أحتاج عمليّة جراحيّة وتمّ تعيين الموعد في 29 /6/ 2020.

وأفاد أيسر أبو هشهش حول أحداث ذلك اليوم لـ"بتسيلم": "في ذلك الصّباح كنّا أنا وأخي محمد في الصّالون نلعب "ببجي" بواسطة الهاتف، سمعت جلبة في بيت الدّرج فظننت أنّه محمد. خرجت لكي أفهم منه لماذا عاد بهذه السّرعة ولكنّني فوجئت بجنود يصعدون إلى الطابق الذي نسكنه. أغلقت الباب وجلست على الكنبة، وتظاهرت بأنّني منشغل بالهاتف. بعد عدّة دقائق خلع الجنود الباب فانقض عليّ كلب بنّي للحظة ثمّ تركني وخرج من الغرفة، ثمّ عاد وهاجمني ثانية. أمسكت بالكلب من رأسه، وحاولت إبعاده عنّي، وعندئذٍ صرخ عليّ أحد الجنود يأمرني بأن أترك الكلب".

خرج الكلب من الغرفة، فأمرني الجنديّ نفسه أن أقف ووجهي للحائط وأن أرفع يدي إلى الأعلى. سمعت والدتي تصرخ خارج الغرفة، ولم أعرف ما الذي يجري في بقيّة أنحاء المنزل.

وأضاف: وقف أحد الجنود، وهو الضابط في اعتقادي، خلفي، وصفعني ثلاث مرّات في مؤخرة عنقي. أخذ يسألني عن أخي محمد، فأجيبه أنّني لا أعرف أين هو، وعندئذٍ أمسكني من خدّيّ، وقال لي إنّني أكذب، بعد ذلك تركني، وتوجّه نحو والدي، وسأله عن محمد، لكنّ والدي لم يُجبه.

بعد ذلك أخرجني الضابط من الصّالون، واقتادني إلى غرفة شقيقتي، وصار يدفن وجهي في فرشة سريرها، ويسألني مرّة أُخرى عن محمد -أين هو وأين يخبّئ السّلاح، وكلّما أجبته بأنّني لا أعلم كان يوجّه لكمةً إلى ظهري.

وتابع: بعد أن تكرّر ذلك عدّة مرّات، وواصلت أنا الإجابة بأنّني لا أعلم ضربني بعقب بندقيّته على ظهري، من أعلى، ثمّ رفعني عن السّرير وأعادني إلى غرفة الصّالون، وهناك أمرني بأن أقف ووجهي إلى الحائط.

وختم تقرير بتسيلم: "فقط مثال آخر على الطريقة التي يستغلّ بها الجيش قوّته حتى في أيّام الوباء العصيبة هذه، حيث يعمّ الحجْر الصحّي معظم مناطق الضفة الغربيّة، وحيث الخوف والقلق لدى السكّان أعلى من أيّ وقت آخر"، مؤكداً أن هذه الممارسات لا يمكن أن تحدث في أي مدينة سكانها إسرائيليون، أو مستوطنة، وإنما هو نظام الاحتلال بحق المدنيين الفلسطينيين الخاضعين لسياسة الاحتلال منذ عقود.