هل استنفذت حكومة د. اشتية مبررات وجودها

الأحد... وكل يوم أحد

هل استنفذت حكومة د. اشتية مبررات وجودها

بقلم:المحامي زياد أبو زياد

جاءت حكومة الدكتور محمد اشتيه على خلفية انتقادات وتذمر من أداء الحكومة السابقة والتي أمضت فترة طويلة في الحكم دون أن تقوم بأي عمل مميز يمكن أن يُسجل لصالحها.

وما أن تولت الحكومة الجديدة مسؤولياتها حتى تفجرت فضيحة قيام وزراء الحكومة السابقة بزيادة رواتبهم بنسبة عالية وبشكل غير قانوني مما فاقم من الانتقادات للحكومة السابقة ورفع سقف التوقعات من حكومة د. اشتية الذي استبشر الكثيرون بقدومه نظرا لأنه جاء الى حد ما من قاعدة شعبية سواء كأستاذ جامعي أو رئيسا لبيكدار التي هي على تماس مع محتلف طبقات المجتمع ومؤسساته، ولأنه شخصيا يتمتع بشخصية متواضعة اجتماعية مرحة ولبقة وديناميكية.

ومع أن حجم التوقعات كان عاليا ً الا أن هذه الحكومة لم تستطع منذ المائة يوم الأولى من أدائها إعطاء الانطباع بأنها أفضل من سابقتها إذ لم تجرؤ على فتح الملفات التي تحظى بالإهتمام والقلق الشعبي ومن بينها ظاهرة الفلتان الأمني والفساد وتثبيت مبدأ حكم القانون ، ولم تُجب على بعض التساؤلات التي ظلت معلقة بعد رحيل حكومة الحمد الله..

فحكومة اشتية لم تُعلن ماذا آلت إليه أعمال اللجنة الوزارية التي شكلتها حكومة الحمد الله للتحقيق في تسريب عقار آل جودة وهو واحد من أكبر العقارات في داخل أسوار البلدة القديمة بالقدس يتم تسريبه للمستوطنين اليهود في المدينة وسط إشاعات حول تورط بعض المسؤولين في عملية التسريب، ولم تتعامل بشفافية مع موضوع الزيادات غير القانونية في رواتب الوزراء والتي كانت بمثابة نهب علني للمال العام ولا أحد يعرف إلى أين آل التعامل مع هذا الملف.

وفي المقابل أطلقت بعض الشعارات البراقة مثل شعار الانفكاك من إسرائيل والذي جاء في سياقه قرار وقف استيراد العجول من إسرائيل والذي كشف مدى اعتماد المنتجين الإسرائيليين على السوق الاستهلاكي الفلسطيني ، ولكن الضجة التي قام بها هؤلاء والضغوط التي مارسوها على حكومتهم خلقت أزمة بين السلطة وإسرائيل ، وبالطبع تم التراجع من جانبنا عن تنفيذ هذا القرار.

ويسجل على هذه الحكومة أنها رفضت استلام العائدات الضريبية التي تخصمها إسرائيل على الواردات الفلسطينية المستوردة عبر الموانيء الإسرائيلية. فهذه هي أموال فلسطينية يجب أن تسترد بكل وسيلة ممكنة ، فهل يُعقل أن ترفض استلامها وتؤثر تدمير الوضع الاقتصادي الداخلي بالتوقف عن صرف رواتب الموظفين التي هي الرافد الرئيسي الذي يضخ المال في السوق المحلي ، في ظل الكساد والبطالة التي خلقتها بعض إجراءات الوقاية من كورونا.

وقد اتسم عمل حكومة الدكتور اشتية حتى الآن بأنه ليس سوى تسيير للعمل الروتيني الحكومي ولم تستطع هذه الحكومة ترك أية بصمات على الحياة العامة من خلال النجاح في التعامل مع أي من الملفات الساخنة التي يتوق الناس لرؤية من يتصدى لها ويعالجها .

فقد فشلت الحكومة في تكريس مفهوم سيادة حكم القانون وفشلت أجهزة الشرطة والأمن التي تأتمر بأمرها في تحقيق الأمن الاجتماعي والقضاء على ظاهرة انتشار الأسلحة بين الناس وارتفاع نسبة الجريمة وانتشار التعديات على الممتلكات الخاصة والعامة واستمر تداعي الجهاز القضائي وفقدان الناس ثقتهم في هذا الجهاز مما عزز ظاهرة انتشار الأسلحة واللجوء للعنف وأخذ القانون باليد.

وقد صدر مثلا قرار بقانون بتشكيل مجلس قضائي مؤقت لاصلاح الجهاز القضائي ولمدة عام فقط ، ومع التحفظ القانوني على الطريقة التي تم فيها تشكيل المجلس المؤقت ، إلا أنه لم يقم بالإصلاح المطلوب بل اتخذ قرارات خلقت إشكالية وبلبلة في عملية التقاضي وأربكت الجهاز القضائي ، وما زال بعد أن تم التمديد له لستة أشهر أخرى يراوح مكانه بينما وضع الجهاز القضائي لا زال كما هو.

ومن أمثلة انعدام المثابرة في عمل هذه الحكومة أنه كان قد تم في الماضي تشكيل هيئة لتسوية المياه والأراضي وباشرت هذه الهيئة عملها بنشاط ثم طرأ فجأة فتور في عملها وصل حد التجميد وخاصة في المناطق الحساسة المستهدفة أراضيها من قبل الاحتلال والاستيطان كمنطقة القدس. وقد تم مثلا مسح أراضي منطقة العيزرية وأبو ديس وتم إعداد جداول إدعاءات الملكية وإرسالها الى رام الله في تموز 2019 ثم توقف العمل منذ ذلك الحين ، أي منذ أكثر من عام ، بحجة أنه تم إرسال هذه الجداول للفحص الأمني فيما يتعلق بحملة الهوية الزرقاء وأن الأمر ما زال متوقفا ً عند فحص الأجهزة الأمنية !.. وهذا الأمر لا تفسير له ، ولكنه نموذج لطريقة الأداء الحكومي غير المثابر.

ثم جاءت جائحة الكورونا لتختبر جاهزية الحكومة وقدرتها على تحمل المسؤولية. وقد فوجيء الجميع بالإجراءات الوقائية التي أخذتها الحكومة في بداية الجائحة والتي أعطت الانطباع بأن الحكومة نجحت في الشهر الأول وبشكل لافت للنظر على مستوى الإقليم. ولكن وللأسف الشديد لم تستطع الحكومة المحافظة على هذا الانجاز واتخذت بعد ذلك عددا ً من الخطوات المتخبطة مما أربك الشارع والاقتصاد الوطني وانعكس سلبا ً على حياة الناس زاده سوءا ً وجود جماعات غوغائية استغلت الدين للتشكيك في وجود الوباء وخلق أجواء مناسبة للتمرد على قرارات الحكومة والمحافظين.

ولا يزال هذا التخبط قائما وكان آخره في نهاية الأسبوع حين قررت الحكومة إغلاق المحلات العامة خلال عطلة العيد والطلب من فلسطينيي الداخل عدم القدوم الى مناظق السلطة ، وأتبع ذلك قرار بالإغلاق خلال نهاية الاسبوع فرأينا تدفقا ً مذهلا للناس الى شواطيء يافا وحيفا ونتانيا بينما كانت مدن الضفة فارغة تتثائب من الركود والفراغ والملل.

والذي يبدو الآن أمام أي مراقب هو أن الحكومة لا تملك أية قدرة على التصور vision ولا تأخذ زمام المبادرة ولا تعيش هموم الناس وأنها وجدت في جائحة الكورونا موضوعا تشتغل وتنشغل به عن التفرغ للملفات الملحة الأخرى.

وأستطيع القول بأنه آن الأوان لإعادة تقييم أداء هذه الحكومة ووضع الأصبع على مواطن فشلها ووضع خطة عمل واضحة وقابلة للتنفيذ لإنقاذ الوضع المتردي قبل فوات الأوان.

لقد استنفذت هذه الحكومة أسباب ومبررات وجودها ولا بد من إحداث تغيير فيها يعيد الى جدول أعمال الحكومة الأولويات التي يجب أن تنشغل بها ويحقق الأمن والأمان والإزدهار الاقتصادي للناس ويضع حدا ًللوضع المتدهور نحو الهاوية بدون فرامل أو كوابح.

وإذا كانت هذه الحكومة قد استنفذت أسباب وجودها فإنني أعتقد بأنه لا بد من الاستفادة من الخبرة التي اكتسبها الدكتور محمد اشتية كرئيس للوزراء خلال الثمانية عشر شهرا الماضية وإجرا تعديل وزاري بتشكيل حكومة طواريء مصغرة برئاسته بتغيير عدد من الوزراء الذين أثبتوا بأنهم غير قادرين على أن يكونوا مبادرين ومنتجين في وزاراتهم ، وإلغاء الوزرات التي لا لزوم لها أو يمكن الاستغناء عنها في المرحلة الراهنة وفي مقدمتها ما استحدث تحت مسمى وزارة الريادة والتمكين ووزارات الإعلام ، والثقافة التي يمكن أن تعمل من خلال مجلس للإعلام والثقافة أو حتى من خلال مكتب رئاسة الوزراء ، ووزارة التعليم العالي التي يجب أن تستبدل بتشكيل مجلس للتعليم العالي من رؤساء الجامعات وممثلين عن وزارة التربية والتعليم والمجتمع المدني.

وإذا تم مثل هذا فإن الخطوة التي يجب أن تتبعه هي تغيير كافة رؤساء الأجهزة الأمنية مع تدوير البعض بنقله الى مواقع أخرى ، وترشيد الجهاز الإداري للسلطة من خلال ضغط حجمه وتحويل الصالح من موظفيه للعمل في مجالات حفظ النظام العام.

وعلى الحكومة الجديدة أن لا تنشغل بجائحة الكورونا التي بات من المؤكد أنها ستظل ترافقنا لفترة طويلة قادمة وأن تترك هذا الموضوع لجهة مختصة يتم تشكيلها تحت إشراف وزارة الصحة يمكن تسميتها (مجلس أو هيئة الكورونا ) وتضم ممثلين من وزارات الاقتصاد والتعليم والداخلية والأجهزة الأمنية وغيرها إن لزم الأمر بينما تتفرغ الحكومة للموضوع الأكبر وهو الفلتان الأمني وظاهرة انتشار الأسلحة وتدهور الوضع الأمني الاجتماعي وكيفية إنعاش الوضع الإقتصادي. فإذا نجحت هذه الحكومة في الحد من الفلتان وانتشار الأسلحة وإعادة هيبة واحترام القضاء وثقة الناس به ، ووضعت حدا ً للظواهر السلبية المتزايد مثل جرائم القتل واستخدام السلاح والألعاب النارية في المناسبات الاجتماعية فإنها ستدخل التاريخ الفلسطيني من أوسع أبوابه ، وأما إذا ما استمرت الحكومة تراوح مكانها واستمرت هذه الظواهر السلبية فإننا جميعا ً في الطريق الى الهاوية.

ولا بد هنا من التأكيد بأن استمرار الوضع السياسي الداخلي الحالي بتغييب المجلس التشريعي والتدخل في عمل السلطة القضائية واستحواذ السلطة التنفيذية على صلاحيات السلطات الثلاث هو وصفة أكيدة ليس فقط لفشل الحكومة بل والسلطة بكل مقوماتها والبرنامج الوطني الذي قاتلنا وقاسينا وضحينا من أجله ، لأن تكريس مبدأ الديمقراطية والفصل بين السلطات والشفافية في الحكم والمراقبة والمساءلة البرلمانية هي أهم مقومات الحكم الرشيد وبدونها لن تقوم للحكم ، أي حكم ، قائمة.