رسالة الى د. محمد اشتية

بقلم : ابراهيم دعيبس

من أسوأ أنواع الفساد السياسي هو اتساع الفجوة بين الناس والقيادات، بحيث يكون المواطنون في واد والحاكمون في واد آخر بعيد، وهكذا يتصرف كل طرف بما يرضيه ويراه مناسباً له، ونحن في العالم العربي عموماً، نشكل نموذجاً واضحاً لهذه الحالة. وسبب هذه الفجوة هو غياب الديموقراطية الحقيقية والانتخابات الحرة، حيث يظل الحاكم حاكماً الى ان يتوفاه الله أو ينقلب عليه الحاكمون بالسيطرة والحكم من امثاله، ويظل المواطن مستقلاً في تفكيره واعماله ولا يحسب حسابا إلا لمصالحه أو مخاوفه ولا يعود الحاكم يمثل له أي شيء سوى انه حاكم يبحث عن مصالحه ونفوذه ويلتف حوله المنتفعون والباحثون عن مراكز ومناصب وثروات ونفوذ، وهكذا تصبح القضية الوطنية أو القضايا العامة كلها بالدرجة الثانية أو الثالثة ان لم يكن أكثر.

ونحن اليوم نمر في أسوأ الاوضاع من النواحي السياسية والاجتماعية. سياسياً تبتعد قضيتنا حتى عن الاهتمام العربي ويواصل الاحتلال بناء المستوطنات ومصادرة الأرض والتهويد ونحن نواصل الاستنكار والتنديد والرفض دون ان يغير ذلك أي شيء عملياً. ونواصل، مثلاً، الحديث عن القدس بينما التهويد لا يتوقف في المدينة ومحيطها، ونواصل الحديث عن القانون الدولي وحقوق الانسان، بينما الاحتلال ينتهك كل الحقوق والقوانين ولا يجد من يوقفه.

ولعل من اكبر المفارقات التي حدثت وتحدث هذه الأيام، ان السلطة تفرض الاغلاق على معظم المدن تحسباً من تفشي الكورونا، ونجد عشرات آلاف الفلسطينيين يملأون السواحل والمدن في اسرائيل، وتغرق الكورونا وكل القرارات في أمواج البحر «وشمات الهواء».

التساؤل الكبير: ما هو الحل وكيف يمكن اغلاق هذه الفجوة بين الناس والقيادة وما هو المطلوب لمواجهة ممارسات الاحتلال المدمرة؟ والجواب لا يبدو سهلاً ولكن لا بد من البحث عن اجابات. وأنا أعتقد ان المطلوب أولاً وقبل كل شيء هو اجراء انتخابات حرة بالضفة وغزة معاً، حتى يختار الشعب من يمثله وحتى نتمكن من انهاء حالة الانقسام المستمرة والمخزية خاصة في الاوضاع التي نواجهها، وحتى نستعيد ولو قليلاً الاهتمام العربي والاحترام الشعبي.

والى ان نصل الى ذلك فإن المطلوب هو تعميق التواصل مع الناس، والاقتراح المنطقي ان يقوم كل المسؤولين وعلى اختلاف مراتبهم بزيارة المحافظات والمدن والالتقاء بالناس والاستماع الى مطالبهم بعيدًا عن الدوائر السياسية المغلقة والتقارير الرسمية المكررة.

وأودّ في هذا السياق تقديم اقتراح الى د. محمد اشتية رئيس الوزراء، بأن يبادر شخصياً الى عقد اجتماعات مع الناس البسطاء والمفكرين من رجال الصناعة والزراعة والتجارة ورؤساء وأعضاء المجالس البلدية وغيرهم والاستماع الى مطالبهم وأفكارهم واقتراحاتهم واحتياجاتهم. وأشير في هذا السياق الى اني تلقيت اتصالاً هاتفياً قبل أيام قليلة من د. اشتية، وكان الحديث مختصراً ولكن المكالمة كان لها أثر ايجابي في نفسي وتفكيري وتقدير كبير، وهكذا سيكون الحال مع الناس كلهم متى يلتقيهم المسؤولون ويستمعون الى طلباتهم.

واني ادعو د. اشتية الى أخذ زمام المبادرة رغم الحالة الصعبة التي نواجهها نتيجة وباء الكورونا الذي يفرض الاغلاق وعدم التجمع، ان لم يكن خلال الفترة القصيرة القادمة فليكن بعد ذلك، وهو قادر على تجنب هذه الجائحة التي تعصف بنا وبالعالم كله، إذا أراد.

خلاصة القول ايها المسؤولون اخرجوا من الدوائر الضيقة والمغلقة والتقوا الناس واستمعوا اليهم واستجيبوا لمطالبهم كلما كان ذلك ممكناً.