آلاف الفلسطينيين في رحلة استجمامٍ واستكشافٍ لبحرهم السليب

نابلس– "القدس" دوت كوم- تقرير عماد سعادة– تقاطر آلاف الفلسطينينن في شمال الضفة الغربية، شيباً وشباباً ونسوة وأطفالاً، خلال عطلة نهاية الأُسبوع إلى شواطئ المدن الساحلية في الداخل، منتهزين فرصة نادرة؛ إذ غضت سلطات الاحتلال النظر عن اجتيازهم بعض فتحات السياج العازل، والوصول الى الداخل، من دون الحاجة للحصول على أي تصاريح أو الخضوع لإجراءات تفتيش.

كانت الفتحة في السياج قرب قرية فرعون، جنوبيّ طولكرم، هي إحدى النقاط المرورية الأسهل للعبور إلى الداخل، وقد وثقت الكاميرات الأعداد الكبيرة من المواطنين من مختلف الأعمار وهم يحثون الخطى صوب الداخل محملين ببعض الأمتعة الشخصية وبعض الطعام والشراب لزوم الرحلة الاستجمامية والاستكشافية لبحرهم السليب.

كانت السيارات الفلسطينية تنقلهم إلى نقطة العبور، ومن هناك يواصلون المشي إلى الجهة الأُخرى دون عائق، لتقوم حافلات وسيارات أُجرة تنتظرهم في الجهة المقابلة بنقلهم إلى سواحل المدن القريبة مثل يافا، وتل أبيب التي يعرفها الفلسطينيون بـ "تل الربيع" ونتانيا "أُم خالد".

كان بين زوار الساحل شباب واطفال ربما يشاهدون البحر والسفن والقوارب لأول مرة في حياتهم، وأيضاً مسنون ومسنات لم تزدهم رائحة البحر سوى ألم وحسرة على ماضٍ سُرق منهم في غفلةٍ من الزمن. وقد وثقت الكاميرات أيضاً جدّات فلسطينيات كنّ أكثر إصراراً على زيارة البحر بلباسهن الشعبي التقليدي الذي كنّ يرتدينه حينما كن سيدات المكان والزمان يوماً ما.

هذا التدفق الكبير للمواطنين نحو الساحل أثار انقساماً في الرأي العام المحلي، عكسته وسائل التواصل الاجتماعي التي ضجت بالتعليقات، ففريق من الناس كان مشجعاً وبقوة لهذه الخطوة انطلاقاً من أن الناس في ضغط نفسي كبير، وأنهم بأمسّ الحاجة للتنفيس عن أنفسهم وترفيه أطفالهم بعد أشهرٍ من الضيق والإغلاق، وأن لا بدائل أمامهم في ظل إجراءات الإغلاق التي ما زالت الحكومة الفلسطينية تمارسها ضمن إجراءات مواجهة كورونا، ومنها الإغلاق الشامل يومي الجمعة والسبت.

كما اعتبر هذا الفريق أن من حق الفلسطينيين أن يزوروا بحرهم السليب تماماً مثلما يحق لأهالي الأسرى زيارة أبنائهم المسجونين لدى الاحتلال.

فريق آخر كان معترضاً تماماً، انطلاقا من أن المستفيد من ذلك هو الاحتلال فقط الذي يسعى لتحسين صورته، وتنشيط اقتصاده عبر استقطاب عشرات آلاف الزوار الفلسطينيين إلى الشواطئ التي يسيطر عليها ومطاعمه، وأن ما أنفقه الفلسطينيون خلال زيارتهم للداخل كان الأولى إنفاقه محلياً.

وفي عملية حسابية، قال البعض إن نحو 200 ألف فلسطيني قد تدفقوا إلى الداخل منذ عطلة عيد الأضحى المبارك وحتى اليوم، وعلى فرض أن كل واحد منهم قد أنفق 200 شيكل فإن المجموع يساوي 40 مليون شيكل خسرها الاقتصاد الفلسطيني لصالح الاقتصاد الإسرائيلي.

ومن هذا الفريق أيضاً من انطلق من منطلقات صحية بحتة والخوف من احتمالات تزايد تفشي وباء كورونا جرّاء ما حصل من اختلاط كبير دون أي إجراءات وقاية. وفي تصريح حديث لها حذّرت وزيرة الصحة الدكتورة مي الكيلة من الرحلات والزيارات التي يقوم بها أهالي الضفة الغربية إلى داخل الخط الأخضر، معتبرة إياها سببًا رئيسيًا وخطيرًا لتفشي فيروس كورونا بشكل كبير.

وأضافت أن المنحنى الوبائي شهد انخفاضًا قبيل عيد الأضحى، ولكن مع الرحلات والزيارات إلى مناطق الـ48 قد تزايد عدد الإصابات، خاصة أن إسرائيل فيها أكثر من 75 ألف مصاب.

كثيرون حاولوا الإجابة عن التساؤل القائل لماذا سمح الاحتلال للفلسطينيين هذه المرة بالوصول اإى الداخل من دون عوائق أو تصاريح مرور؟

وفي معرض إجاباتهم، رأى البعض أن الدافع الإسرائيلي لذلك كان اقتصادياً بالدرجة الأُولى، والهدف منه تحريك عجلة الاقتصاد الإسرائيلي الذي تضرر بفعل جائحة كورونا، في حين رأى آخرون أن الهدف كان إحراج السلطة الفلسطينية التي أوقفت التنسيق مع الاحتلال رداً على مشاريع الضم، وللإظهار للعالم أن السلطة في وادٍ وشعبها في وادٍ آخر.

وهناك من رأى أن الهدف كان حرف أنظار الناس عن مشاريع الضم والاستيطان، ففي الوقت الذي كان فيه آلاف الفلسطينيين يسبحون في بحر يافا كان الاحتلال يقتلع أشجاراً، ويهدم بيوتاً، ويتلف شبكات مياه في الأغوار. آخرون رأوا أن الاحتلال حاول أن يلعب على الوتر النفسي من خلال جلب الشباب الفلسطيني للاطلاع على مدى التقدم الإسرائيلي وكذلك الرفاه والنظام والترتيب، ومقارنة ذلك بالأوضاع التي يعيشونها في الضفة الغربية، والإيحاء لهم أنه كان من الممكن أن يكون لهم أفضل مما كان لو أنهم وقيادتهم سلكوا طريقاً آخر، وكذلك الإيحاء لهم أن إسرائيل باتت حقيقة فعلية وقوية فوق الأرض.