متى يتوقف الجهلة عن الإفتاء بغير علم ؟!

بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

حفلت الساحة الفلسطينية بخاصة والعالم بعامة من شماله حتى جنوبه، ومن شرقه حتى غربه، بقوم يفتون في كل قضية وفي كل حادثة وفي كل أمر، ولا يتركون شأنا إلا ولهم فيه نصيب ومشاركة.

وكانت الكورونا وفيروسها ميدانا رحبا لنشر افكارهم وآرائهم وتخرصاتهم. وغدا الشأن الكوروني ملهاة يفتي فيه القاصي والداني، من يعرف حروف الهجاء ومن يجهلها. من يعلم أبجديات علم الطب ومن يجهل اصول فن الإسعاف والتمريض ومن لا يعرف دور الأسبيرين، فكل أبدى رأيا وأفتى بفتوى حتى ضاقت الدنيا بفتاويهم المسيرة والمقصودة. وغدا الباب مفتوحا على مصراعيه لإقحام فكرة المؤامرة والماسونية والإحتلال الإسرائيلي والهجوم على الدين الإسلامي والإقتصاد العالمي وبيل جيتس والشريحة الإلكترونية لحكم البشر. وبقي الأمر مجرد تحليل نظري يعتمد على اقتباس من هنا وهناك وتوفيق بين راي وآخر.

وتجاهل هذا الجمع الوقائع الراسخة على الأرض وعلى الكرة الأرضية بدون استثناء حيث انشغل العالم يمينه ويساره، وأيدولوجياته المتصارعة وألوانه المتعددة، والتي لا يمكن أن يتسرب الشك لها، بحيث فقدت البشرية مئات الألوف من البشر وانشغلت الدول في القارات الخمس، في صراع مرير مع هذا الفيروس الغازي الذي لم يترك للبشر مجالا للتفكير في كيفية مقاومته والإستعداد له وفي كيفية الشفاء منه. وكان كله اجتهاد في اجتهاد، وما دام الأمر اجتهادا فلم لا يساهم هذا الجمع الجاهل في الإجتهاد كغيره من المجتهدين؟!

وكان لانتشار وسائل التواصل الإجتماعي الدور الأكبر في نشر هذه الترهات وترسيخ هذه المقولات بين أفراد مجتمعات لا تهوى القراءة ولا الكتابة، وتعشق الإشاعة وتكررها وتنشرها. فكانت الأشرطة مناسبة للتعبير عن آراء فجة بكل اللغات وعن تجارب مزعومة تؤكد على حادثة شاذة موضوعة. وغصت حسابات التواصل الإجتماعي بكل هذه القصص المفبركة والحكايات المنمقة والشواهد المزورة تحت ستار حرية الرأي والكلام، رغم أنهم كانوا من دعاة إنكارها أو من غير الداعين لها. ودافع عنها أصحابها والقائلون بها بكل قوة وعنفوان حتى أنهم استعملوا ألفاظا جارحة بحق المنكرين لها، واتهموا غيرهم بالجهل والعنت ونسوا أنفسهم.

وقد راى الكثيرون من هؤلاء أن الفرصة سانحة للنيل من فريق سياسي أو فكري أو ديني، فكل فريق استخدم هذه المقولات والأشرطة وكررها ونشرها على نطاق واسع لخدمته، بل قام بليّها من أجل خدمة أغراضه المعلنة أو غير المعلنة. وغلفها بمسك وزعفران حتى تكون مقبولة وسائغة رغم بشاعتها ومرارتها.

وانعكس ذلك الأمر على الدول الكبيرة الغنية والدول الصغيرة الفقيرة وبخاصة الجنوبية من هذا العالم المثقل بالديون وخروقات حقوق الإنسان والحروب الأهلية والتنابذ الجمعي، وبالكاد يستطيع تغطية مصروفات وزارة الصحة .

ولنا في منطقتنا خير مثال على ما نقول، فسوريا وفلسطين والعراق ولبنان ومصر وليبيا تعاني بدون كورونا فما بلك بكورونا مختلطة بالأساطير والمؤامرات متبلة بالإشاعات والإرهاصات؟!

وكذلك الحال هو في دول أمريكا الجنوبية كالبرازيل والمكسيك وبيرو وتشيلي. ناهيك عما حصل في دولة غنية كالولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية جميعا.

هجوم فيروس الكورونا لجميع دول العالم بدون اي استثناء يهدم فكرة المؤامرة بكل تفاصيلها. فهي قد هاجمت الصين والولايات المتحدة الأمريكية واليابان والهند وبريطانيا وروسيا وألمانيا ومصر والسعودية والكويت والإمارات وقطر وكندا وإيطاليا وفرنسا، ولن أعدد جميع دول العالم التي أصيبت.

فقد صرحت منظمة الصحة العالمية أن فيروس الكورونا غطى جميع دول العالم بدون استثناء. والملاحظ أن هذه الدول مختلفة في الدين وفي اللغة وفي اللون وفي العرق وفي الثقافة وفي الثراء وفي الموقع الجغرافي وفي الآيدولوجيا لكنها تجتمع في عنصر واحد وحيد ألا وهو عنصر الإنسانية. وبالتالي تستبعد القصدية والتآمر ضد اية دولة على وجه محدد وعلى سبيل الجزم واتأكيد.

ردا على أفكار التآمر والمؤامرة والجهل بالفيروس، رد العارفون والعالمون ببواطن الأمور بدراسة الفيروس وحركته وتقلباته ونشاطه بطريقة علمية في مختبراتهم. وتنافس المتنافسون في اختراع لقاح يقي الإنسانية شر هذا المرض.

والطريف أن هؤلاء الدارسين لم يشغلوا أنفسهم ولم يبددوا وقتهم بسرد القصص وتخيل المؤامرات، بل وصلوا الليل والنهار في إجراء الإختبارات والفحوصات من أجل التوصل للقاح شاف قادم. بل إن كثيرا منهم عرضوا أنفسهم لخطر الموت أو أية أخطار غامضة وغير مرئية اثناء السعي الحثيث للقاح ممكن وليس بأكيد.

يجب أن يتوقف الفكر العشائري و/أو الفئوي و/أو الغيبي و/ أو القبلي و/ أو التآمري عن التعامل مع قضايا علمية صرفة تحتاج تأهيلا علميا، فمثل هذا الفكر المتدخل من غير أساس علمي، سيجر وراءه اذيال الضرر والخيبة والهزيمة، ويهدم المجتمع وصحته وقيمه الإنسانية.

مثل هذا الفكر يورد التهلكة، بحيث يصعب الخلاص من آثار هذا الفكر. ولو أننا في مجتمع منظم فسيسأل حتما هذا القائل براي ما وبخاصة إذا أدى إلى وفاة أو معاناة وسيطوله قانون العقوبات لأن الأمر جد خطير اجتماعيا ويجب أن لاتكون أرواح وصحة الناس محل هزل أو تحريض.

فإذا توطن الفيروس نتيجة الاستهتار أو الجهل يصعب محاربته ويصعب إخراجه، أو على الأقل تغدو محاربته أكثر كلفة على الصعيد الإنساني والمالي والصحي. فالأفضل أن يفتي الشخص بما يعلم وأن لا يمد اختصاصه لعلوم أخرى تحتاج إلى تأهيل علمي دقيق. الحديث هنا يدور عن علوم طبية متكاملة وليس عن تذوق نص شعري أو رواية أو قصة أو حكمة أو ما شابه ذلك.

الوقائع أمر مختلف عن الآراء. فالوقائع أمر تلمسه أو تراه أو تحسه أو تشمه بحيث لا تتمكن من إنكاره، أما الرأي فهو تفسير للحدث أو الواقعة وهما أمران مختلفان وهما يسيران بخطين متوازيين. فاالبشر تختلف اجتهاداتهم وتفسيرهم للاشياء تبعا لعلومهم ودراساتهم وبيئتهم ودينهم وخلفياتهم الثقافية وتخصصهم العلمي.

فلا تخلطوا الأشياء ولا تمزجوا العناصر فنحن لسنا في تركيبة دواء ولا إعداد طبق من السلطة. فلكل عنصر وحقل دارسه ولهذا كان العلم تخصصات متداخلة وغير متداخلة حتى نقيم نظاما سويا فالكلام المعسول لا يطهو الجزر الأبيض او كمن يدهن من قارورة فارغة!