الأسير المحكوم بالمؤبد أحمد مصطفى.. 34 عيداً خلف القضبان وزوجته لم تسلم من الأسر

تُوفي والداه حزناً على غيابه، وكبُر طفلاه وتزوج أحدهما

جنين– "القدس" دوت كوم- علي سمودي– "أملنا بالله كبير.. ونحن ننتظر صفقة جديدة.. ليتحرر زوجي ونحتفل بحريته بعدما طال غيابه"، تقول الأسيرة المحررة فداء شيباني في مستهل حديثها لـ"لقدس"، بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك في ظل استمرار اعتقال زوجها الأسير أحمد مصطفى أحمد الذي يستقبل عيده الـ34 خلف القضبان.

وتضيف: "عندما اعتُقل زوجي، ترك طفلينا حسن ومصطفى وهما بعمر الزهور، كبرا وأصبحا شابين بغياب والدهما وحرمانهما من حضنه، وقضيا سنوات عمرهما على بوابات السجون".

وتكمل: "بتاريخ 20/ 5/ 2018 عُقد قران ابني حسن بغياب والده، فشعرنا بغصة كبيرة في أعماقنا، وكانت فرحتنا منقوصة لعدم وجوده معنا في اللحظة الأجمل من عمر ابني وحياتنا جميعاً، في طفولتهما لم يتمكن زوجي من متابعتهما ورؤية مراحل نموهما وخطواتهما، وحتى عندما أصبحا شابين حرمتهما السجون من إتمام فرحتهما، ونتمنى اتحرره من المعتقلات قريباً".

قبل 48 عاماً، أبصر الأسير أحمد النور في بلدة عرابة، نشأ وتربى وسط عائلة مناضلة محافظة ومتعلمة، فقد كان والده مربياً للأجيال، عمل في مدارس دولة الإمارات.

وتقول أم حسن: "عاش حياته في بلدة عرابة، تميز ببر الوالدين والحنان والوفاء والمحبة والعطاء، على مقاعد الدراسة تمتع بالروح الوطنية والنضالية، فكان يشارك في الفعاليات والمسيرات، وكان من رواد المساجد وحفظة القرآن الكريم".

وتضيف: "تعلم في مدارس بلدتنا حتى أنهى الثانوية العامة بنجاح، وتعرض للاعتقال قبل الانتفاضة الأُولى، المرة الأولى عام 1985، وأمضى خلالها عاماً في السجون، كما اعتُقل عام 1995 لمدة سنة ونصف السنة، وأُفرج عنه".

نضال وتضحية ..

في ريعان الشباب، التحق أحمد في صفوف حركة "الجهاد الاسلامي"، وتميز بالنضال والتضحية، فتعرض لاعتقالات متكررة كان آخرها عام 1995، لمدة عام ونصف العام، وتقول زوجته: "تزوجنا في 15/ 8/ 1997، وأنجبنا الطفل البكر حسن في 18/ 10/ 1998، الذي شاركنا فرحتنا وسعادتنا الأولى، وأكرمنا الله بطفلنا الثاني مصطفى الذي أنجبته في 24/ 3/ 2000، لكن الاحتلال نغّص علينا الفرحة عندما أصبح والده مطلوباً".

وتضيف: "بسبب الكمائن والمداهمات والتهديدات بتصفيته، حرم الاحتلال أحمد طفليه، وعشنا كوابيس خوف وقلق على حياته، إذ نجا من عدة اغتيالات".

انتفاضة الأقصى

بعد تحرره، انتسب إلى جامعة القدس المفتوحة- تخصص تربية اسلامية، لكن الاحتلال قطع عليه الطريق، ولم يُكمل جامعته بسبب مطاردته في بداية انتفاضة الأقصى.

وتقول زوجته المحررة فداء: "بسبب الكمائن والمداهمات والتهديدات بتصفيته، حرم الاحتلال أحمد طفليه، وفرّق شملنا في ظل استهدافه وملاحقته وإدراجه على رأس قائمة المطلوبين بتهمة الانتماء لحركة الجهاد الإسلامي والمقاومة".

وتضيف: "واصل الاحتلال ملاحقته على مدار 3 سنوات، حتى اعتقلته الوحدات السرية الخاصة في كمين قرب مفرق قرية المنصورة على شارع جنين نابلس بتاريخ 24 /7/ 2003 ، وفور اعتقاله اقتادوه إلى أقبية التحقيق بزنازين سجن الجلمة التي احتُجز فيها عدة أشهر، محروماً من زيارتنا والتواصل مع المحامين".

الوفاء والتضحية

بوفاء وتضحية أكملت أم حسن المشوار، وعاهدت رفيق دربها على تحدي كل الصعاب في غيابه، وتقول: "عندما اعتُقل أحمد، كان حسن ومصطفى بعمر الزهور، فلم أستسلم، وقررت إكمال المشوار ورعايتهما وتربيتهما وتعليمهما كما يحب ويتمنى والدهما الذي كان يرفع معنوياتي ويشحنني بالأمل والمعنويات العالية في كل زيارة ورسالة".

وتضيف: "كبر وعاش طفلاي حياتهما مثلي، نتنقّل بين السجون لزيارة والدهما والاطمئنان عليه، وكرمني رب العالمين بالصبر والقوة على تحمل المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقي".

وتتابع: "الحمد لله، أديت واجباتي تجاه زوجي الذي نفخر به طوال سنوات اعتقاله، وكنت على قدر التحدي بمواصلة دوري وتربية ابنيَّ على أكمل وجه وأفضل صورة ليبقى والدهما يفخر بهما، وما زلت أتحمل تلك المسؤولية، لكن حسن ومصطفى يشعران دوماًَ بنقص كبير، فغياب والدهما يثير لديهما مشاعر ألم ووجع لا تنتهي".

الحكم ..

لم ينل التحقيق من الأسير أحمد، فصمد وتحدى الاحتلال ودوامة المعاناة على بوابات المحاكم التي استمرت عاماً.

وتقول المحررة أم حسن: "استمر الاحتلال بنقل أحمد بين السجون والمحاكم، حتى حوكم بالسجن المؤبد 3 مرات، إضافة إلى عشر سنوات، بتهمة الانتماء لسرايا القدس والضلوع في عمليات فدائية".

اعتقال الزوجة ..

تذوقت الزوجة فداء عذابات الأسر، بعد أعوام من اعتقال زوجها، فانتزعها الاحتلال من بين طفلَيها اللذين عاشا محطات معاناة مريرة في غياب الوالدين، ففي فجر 12/ 5/ 2014 فوجئت باقتحام جنود الاحتلال منزلها، وتقول: "قاموا بتفتيشه وتخريب وتدمير محتوياته، وعندما طلبوامني مرافقتهم لاعتقالي، غضب طفلاي وحزنا، وارتديا ملابسهما، وقالا للجنود: نريد الذهاب مع والدتنا، لكنهم حاصروهم واحتجزوهم في المنزل واقتادوني معهم".

وتضيف: "تعرضت للتحقيق في زنازين سجن الجلمة مدة 22 يوماً متواصلة، وفي كل يوم يتم التحقيق معي 7 ساعات، عدا الشبح على الكرسي والضغط النفسي باعتقال أشقائي".

وتكمل فداء: "بعد التحقيق تم نقلي إلى سجن هشارون، وكل أُسبوع أو أُسبوعين يتم إنزالي إلى المحكمة للتمديد، حتى حوكمت بالسجن 9 أشهر وغرامة مالية 80 ألف شيكل، وهي أعلى غرامة تُفرض بحق أسيرة".

صور أُخرى..

عانت عائلة أحمد الكثير خلال رحلة مطاردته واعتقاله، فكانت المحطة الأولى الأصعب وفاة والدته الستينية أم يوسف، التي تعرضت، كما تروي المحررة فداء، لعدة جلطات متتالية خلال فترة ملاحقة ابنها، وفقدت النطق، وتوفيت عام 2002.

وتضيف: "عمي والد زوجي تألم وحزن كثيراً بعد صدور الحكم القاسي بحق أحمد الذي كان يحبه كثيراً ويرتبط معه بعلاقة وطيدة، وقد أُصيب بمرض السرطان وتوفي عام 2004، ولم يتمكن من زيارة ابنه الذي حرمه الاحتلال وداعه".

التحدي بالتعليم..

بفخرٍ واعتزاز، تقول المحررة أم حسن: "استثمر أحمد مرحلة وسنوات اعتقاله، فتحدى الاحتلال والحكم بالتعليم، نجح في الثانوية العامة، وانتسب إلى جامعة الأقصى بغزة، تخصص علوم، وحصل على شهادة البكالوريوس فيها، ولديه عزم وإصرار على إكمال تعليمه ويستعد لدراسة درجة الماجستير، ونسأل رب العالمين أن يكرمه بالحرية ليكمل مشوار حياته وتعليمه ويعوض طفلينا عن سنوات الألم والوجع".

وتضيف: " في كل لحظة من سنوات زوجي الـ17 خلف القضبان نشعر بوجع وعذابات أسرانا وعِظَم ما يقدمونه من تضحية تعزز قناعتنا بأن النصر مقبل، ومهما مارس الاحتلال وأدوات قمعه في مصلحة السجون من جرائم لن تنال من عزيمتهم". وتضيف: "كل يومٍ أستعيد شريط الذكريات الجميلة مع أحمد التي كانت عامرة بالسعادة والحنان والفرح، ولاتخلو من المواقف الجميلة التي ما زالت تمر بذاكرتي، وأتمنى أن يعود وتعود تلك الذكريات الجميلة ويجتمع شملنا في العيد المقبل".