ماذا نتعلم من نيلسون مانديلا اليوم؟

بقلم: ريتشارد ستينجل*

عندما أصبح نيلسون مانديلا أول رئيس منتخب ديمقراطياً في تاريخ جنوب أفريقيا في العام 1994، بدا العالم حينذاك مكاناً مختلفاً تماماً. كان انتخابه رمزًا لميلاد جديد للحرية حول العالم.

وكان سقوط جدار برلين في العام 1991 ونهاية الحرب الباردة قد أديا إلى استنهاض ثورة ديمقراطية -ليس في جنوب إفريقيا فحسب وإنما في جميع أنحاء العالم. وبين بداية التسعينيات والعام 2005، ازداد عدد الديمقراطيات على الكوكب من حوالي ثلث دول العالم إلى ما يقرب من النصف. ولم يكن مانديلا نفسه رمزًا عالميًا للديمقراطية فحسب، وإنما كان رمزاً للتعددية أيضاً، وبدا انتصاره مثل إيذانٍ بنهاية حقبة الاستبداد والقومية العرقية.

وقد تزامن احتفالنا بيوم مانديلا في 18 تموز - وهو يوم دولي لتذكر المناضل الراحل- مع المعاناة في خضم جائحة عالمية سببها فيروس كورونا، وأصبحت الديمقراطية والتعددية تحت الهجوم في كل منطقة على وجه الأرض. من بولندا إلى تركيا، ومن روسيا إلى البرازيل، تتصاعد النزعات القومية العرقية، ويقوض القادة الاستبداديون والأنظمة الاستبدادية قدرة الناس على التصويت، ويعتدون على استقلال القضاء، ويحدون من حرية التعبير والصحافة.

ووفقًا لمنظمة “فريدوم هاوس” غير الربحية، فإننا في السنة الرابعة عشرة على التوالي من اتجاه عالمي لتراجع الحريات. وفي الولايات المتحدة، لا يقتصر الأمر على معاناتها من الوباء، وإنما هناك أيضاً حركة وطنية قوية ضد أوجه التفاوت العرقية والثقافية، في حين أن لدينا رئيس أقرب في الروح إلى قادة الفصل العنصري العنصري الذين اعتقدنا أن مانديلا أرسلهم إلى مزبلة التاريخ.

عندما عملت مع مانديلا في كتابة سيرته الذاتية “رحلتي الطويلة من أجل الحرية”، كانت في خاطري عبارة تشبه التعويذة، والتي كنت أرددها لنفسي: ماذا كان نيلسون مانديلا ليفعل؟ وهي دليل ممتاز للحياة، ولو أنه ليس من السهل أن يرتقي المرء إلى تمثُّلها.

لم يسلك مانديلا قط الطريق الأقل مقاومة. نعم، كان يمكن أن يتنازل، لكنه لم يتنازل عن مبدئه الأساسي المتمثل في تحقيق الديمقراطية لشعبه. كان نيلسون مانديلا بطبيعته متفائلاً، لكنه كان صعب المراس بقدر ما يقتضي الأمر. لم يعتنق النظرة الموازية للتاريخ التي عبر عنها مارتن لوثر كينغ (في عبارة كثيراً ما اقتبسها باراك أوباما)، “إن قوس العالَم الأخلاقي طويل، لكنه ينحني نحو العدالة”. بالنسبة له، لم يكن تحقق العدالة حتمياً مطلقاً. إذا كان العالم سينحني في اتجاه العدالة، فسوف يتعين عليه أن يقوم بصنع ذلك الانحناء بنفسه.

لم يكن مانديلا يرى أميركا أبداً مدينة مشرقة على تلة. في واقع الأمر، كان الرئيس الأميركي الذي استخدم هذه العبارة لأول مرة -رونالد ريغان- يعتبر مانديلا إرهابياً، ودعمت حكومته نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا خلال حقبة الحرب الباردة. (تمت إزالة اسم مانديلا رسمياً من القوائم الأميركية لمراقبة الإرهابيين فقط في العام 2008). وفي مجلة السجن غير المنشورة التي كتبها في السبعينيات أثناء وجوده في جزيرة روبن، قال مانديلا إنه بينما لديه أصدقاء ومؤيدون أميركيون، فـ”إنني أكره جميع أشكال الإمبريالية وأعتبر النسخة الأميركية الأكثر مدعاة للكراهية والازدراء”. وفي ساعات المقابلات العديدة التي أجريناها من أجل الكتاب، أخبرني مانديلا كيف أنه عندما كان يعمل سراً تحت الأرض في الستينيات، سعى للحصول على مساعدة لمنظمته، حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، من الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى، لكنه قوبل دائمًا بالصد والرفض.

وكان على دراية تامة بالإبلاغ في ذلك الوقت وعرف أن وكالة المخابرات المركزية كانت هي التي أبلغت شرطة جنوب إفريقيا بمكان وجوده عندما كان يعمل سراً. وأتذكر عندما كنت أعمل معه في العام 1993، أنه كان هناك حدث مسائي في جوهانسبرغ للاحتفال بنهاية الفصل العنصري، حيث حضر نائب الرئيس الأميركي آنذاك، آل غور، كضيف للشرف. يومها، ابتسم لي مانديلا وقال: “أنتم أيها الأميركيون تعتقدون أنكم أنتم الذين أنهيتم الفصل العنصري”.

أعجب مانديلا بالدكتور كينغ وتابع حركة الحقوق المدنية الأميركية عن كثب. وكان أحد الاختلافات الهائلة، والذي فهمه مانديلا بشكل أفضل من أي شخص آخر، هو أن السود في جنوب إفريقيا كانوا أغلبية مقموعة ومحرومة، وليسوا أقلية كما هو حال نظرائهم في أميركا. وقد رحب مانديلا بالاحتجاجات التي قادها الدكتور كينغ عندما كان بصدد تنظيم مظاهرات “حياة السود تهم”.

وقام مانديلا بتنظيم وقيادة العديد من حملات الاحتجاج بنفسه في الخمسينيات، لكن مظاهرة شاربفيل في العام 1960، التي قُتل فيها 69 متظاهراً من السود على أيدي الشرطة البيضاء، هي التي دفعته إلى الافتراق عن التزام الدكتور كينغ بتجنب العنف. وبعد وقت قصير من هذه المظاهرة، سافر مانديلا إلى ناتال للقاء الرئيس ألبرت لوثولي، الذي كان في ذلك الوقت رئيس حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، ليجادل بأن المنظمة بحاجة إلى اعتناق الكفاح المسلح. وقال لي مانديلا: “لقد عارض القرار بالطبع لأنه كان رجلاً يؤمن باللاعنف كمبدأ. بينما كنت أؤمن باللاعنف كاستراتيجية يمكن تغييرها في أي وقت تتطلب الظروف ذلك”.

بالنسبة لمانديلا، كان جلب الحرية والديمقراطية لشعبه الهدف الوحيد الأعلى الذي يبرر استخدام أي وسيلة تقريبًا للوصول إلى هناك. وعندما زار الولايات المتحدة في العام 1990، بعد وقت قصير من إطلاق سراحه -وإنما قبل أن يصبح رئيسًا، سألته الصحافة الأميركية مرارًا عما إذا كان سينبذ العنف في نضاله من أجل الحرية. لكنه رفض أن يفعل. وفي أتلانتا، استقبله حشد صغير من المتظاهرين من جماعة تفوق البيض والأعضاء السابقين في “كو كلوكس كلان”. وفي خطابه في أتلانتا، أنهى حديثه بالقول: “فليتردد صدى الحرية حيثما تُداس حقوق الشعوب”.

في العام 1995، أنشأ الرئيس مانديلا آنذاك “لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب إفريقيا”، وهي لجنة عامة للنظر في جذور الأبارتهايد والظلم العنصري. كان هذا هو الجزء الخاص بـ”الحقيقة”. أما الجزء الخاص بـ”المصالحة”، فهو أن الناس يمكن أن يتقدموا ويعترفوا بجرائمهم ويحصلوا على العفو. وقد فعل ذلك العديد من رجال الشرطة ومسؤولي الأمن البيض. وقد أضاءت تلك اللجنة جنوب إفريقيا وأصبحت وسيلة لتجاوز الانقسامات العميقة في البلاد. وبالنسبة لمانديلا، أكدت اعتقاده بأن التسامح يساعد كلاً من المغفور له والمسامِح. وفي الحقيقة، كان من المؤثر للغاية رؤية أقارب الرجال والنساء الذين قتلوا على يد حكومة الفصل العنصري القديمة وهم يغفرون للظالمين والمضطهِدين.

الآن، ثمة حفنة من المدن الأميركية مثل جرينسبورو، كارولاينا الشمالية، التي أنشأت لجاناً محلية للمصالحة والحقيقة، والآن تخطط بوسطن وفيلادلفيا وسان فرانسيسكو لتشكيل لجان مشابهة. ودعا عدد من المشرعين، بما في ذلك عضو الكونغرس، باربرا لي، من ولاية كاليفورنيا، إلى إنشاء لجنة وطنية للحقيقة والمصالحة للنظر في تاريخ الرق والتمييز.

ويشكل مثال جنوب أفريقيا سابقة قوية لأميركا. وسيكون إنشاء لجنة وطنية للحقيقة والمصالحة، مقروناً بإلقاء نظرة جادة على فكرة التعويضات، طريقة للسعي إلى إغلاق هذا الفصل المروع من تاريخنا. وكما كان مانديلا يقول، لم يفت الأوان لفعل الشيء الصحيح بعد.

قال لي الكثير من الناس على مر السنين إنه من الغريب أن يغفر مانديلا لمضطهديه. وكنت أبتسم دائمًا لنفسي لأنني كنت أعرف كم كان جرحه عميقاً بسبب ماضيه ومعاناته الخاصّين. لكنه أدرك أنه كقائد ورمز، يجب عليه دائمًا أن يسامح، ولم يفشل أبدًا في ذلك. لقد فهم أنه بينما يبقى من المستحيل نسيان الماضي حقًا، فإنه يجب علينا أن نرخي قبضته عنا.

أتذكر من العام 1994 ذهابي معه في السيارة إلى ما سيكون مكتبه في مباني الاتحاد في بريتوريا، التي كانت مقر حكومة الفصل العنصري القديمة. وبينما تدخل المجمع المهيب، كنت تمر بتمثال بارتفاع 10 أقدام لـ”جيه. بي. أم. هيرتزوغ”، الذي كان رئيس وزراء جنوب أفريقيا في الثلاثينيات. وقد ابتسم مانديلا عندما مررنا بالتمثال. وفي العام 2013، تم نقل تمثال هيرتزوغ إلى مكان بعيد، وحل في محله تمثال برونزي هائل لنيلسون مانديلا وقد رفع ذراعيه بانتصار.

يوم سعيد نيلسون مانديلا .

*المحرر السابق لمجلة “تايم” ومحلل في محطة “إم. إس. إن. بي. سي”.