استشهد نجلها والمؤبد يكبل زوجها.. المحررة أسماء أبو الهيجاء فقدت بصرها ولم تفقد صبرها

جنين– "القدس" دوت كوم- علي سمودي– منذ شهر، تعيش الأسيرة المحررة أسماء أبو الهيجاء، طريحة الفراش، بعدما تعرضت لانتكاسة صحية مباغتة أدت لفقدانها البصر، بعد رحلة صبر وصمود منذ 18 عاماً، استشهد خلالها نجلها حمزة.

ومثلها لم يسلم أحد من الأبناء من الأسر الذي ما زالت قيوده تكبل رفيق دربها الأسير الشيخ جمال عبد السلام أبو الهيجاء، فهو يستقبل عيده الـ 36 بعيداً عن زوجته المريضة وأبنائه وبناته الذين كبروا خلال اعتقاله وتزوجوا وأصبح لديه 11 حفيداً، فيما تعاني العائلة الألم والحزن بعدما نال المرض من والدتهم الصابرة والمريضة وخطف بصرها.

تقول ابنتها: "طوال عمرها تمتعت والدتي بمعنويات عالية وإرادة قوية رغم إصابتها بمرض السرطان، حتى عندما اعتقلت صبرت وتحدتهم، وربتنا وضحت لنعيش كما يحب والدنا الذي قضى في السجن أكثر مما عاش في بيتنا".

وتضيف: "بشكل مفاجئ، استيقظت والدتي التي تجرعت كل صنوف البأس والألم فاقدة للبصر، نقلناها للأطباء الذين أبلغونا أن السبب يرتبط بورم السرطان، حيث أدى الضغط على عصب العين لهذه الكارثة المؤلمة لنا".

وتتابع حديثها: "يؤلمنا أن العيد القادم، لا فرحة فيه بمنزلنا، فوالدي غائب وشقيقي غائب ووالدتي فاقدة للبصر.. فمن أين يأتي الفرح والعيد؟".

كلمات مؤلمة

تنهمر دموع ابنة الشيخ جمال وهي تتحدث، وتتذكر كلمات والدتها التي ترددها دوماً في كل عيد، "الاحتلال يعتقل أفراحنا ويصادر سعادتنا، والعيد بدون الشيخ جمال وأبنائي كالأرض اليابسة التي لايوجد فيها الخضرة والماء". وتضيف: "العيد يشكل مناسبة للحزن والمآسي المستمرة بحياتنا في ظل غياب أخي الشهيد حمزة، واستمرار اعتقال والدي القائد في حركة "حماس " وشقيقي عماد "، وتضيف "طوال السنوات الماضية، أُمنيتنا الوحيدة في الحياة اجتماع شمل عائلتنا، ورغم محطات العذاب والمعاناة المريرة كلنا أمل أن يكون هذا العيد الأخير لوالدي خلف القضبان".

عيد مختلف

في منزلها الذي يتزين بصور زوجها وأبنائها، تختلف الصور عن باقي العائلات الفلسطينية التي تحتفي بالعيد، وتقول كريمة الأسير: " بحمد لله، نحن صابرون أمام هذه المحن، تعودنا على ظلم الاحتلال الذي لم يتوقف عن استهداف عائلتي، فمنذ زواجه، لم يفرح ووالدتي بإنجاب أي من إخواني وهو بجانب والدتي... عاش حياته مطارداً وأسيراً". وتضيف: "رغم الحزن، نفرح بالعيد على طريقتنا، منزلنا لن يغلق أبوابه، فالشيخ جمال حاضر بصموده وبطولاته وتضحياته التي نفخر بها دوماً، والأهل والأصدقاء لا ينقطعون عنا خلال العيد لمشاركتنا الدعاء والتضرع لرب العالمين لنتخلص من الاحتلال وسجونه ولم الشمل".

وتضيف: "اليوم يضاف لذلك كله، الدعاء لذكرى روح أخي الشهيد حمزة والصلاة معنا لرب العالمين لشفاء والدتي واستعادة بصرها".

لحظات صعبة

حرية زوجها واستعادة البصر لتراه وهو يحطم القيد ويعانق الحرية، هو الحلم والأمل الأجمل للمحررة أبو الهيجاء التي لم يشاركها زوجها العيد منذ سنوات بعيدة، وحتى بعد اعتقاله، حرمها الاحتلال من زيارته، وتقول كريمتها: "العيد صعب من كافة النواحي، تتفتح الجراح أمام صور الذكريات والأمنيات التي أصبحت أحلاماً موقوفة حتى إشعار آخر".

وتضيف: "قضى والدي 36 عيداً في السجون، وطوال فترة اعتقاله لم يسمح لوالدي بزيارته سوى مرات قليلة، ونتمنى أن يعود لها بصرها ونلتقي مع والدي وإخواني في العيد القادم لتكون فرحتنا فرحتين العيد ووالدي".

محطات من الذاكرة

في مخيم جنين، ولد وعاش ودرس وكبر الشيخ جمال، وخلال مسيرة نضاله، تزوج ورزق بخمسة أبناء، بينهم ابنتان، والتحق بصفوف حركة حماس في مرحلة مبكرة من عمره، وبعد نجاحه في الثانوية العامة، أنهى دراسته بتخصص اللغة العربية في معهد الأردن، وحالياً يدرس لشهادة البكالوريوس في جامعة الأقصى بغزة، تخصص التاريخ.

وتقول زوجته أم العبد: "بعد زواجنا، وتخرجه من الأردن، استقرينا في اليمن لفترة، وعمل واعظاً ومرشداً دينياً في مراكز تحفيظ القرآن، وعندما عدنا للوطن، أصبح موظفاً في لجنة أموال الزكاة في جنين، ومديراً لدائرة تحفيظ القرآن الكريم، وبرز دوره الوطني والديني والاجتماعي ونشاطه الفاعل في خدمة أبناء شعبه".

اعتقالاته

يعد الشيخ جمال من الرعيل الأول الذي ساهم في تأسيس حركة "حماس " في الضفة، وتقول زوجته: "حرص على مساعدة أبناء شعبه وخدمته، ولم يتأخر عن تأدية واجبه ودوره، فحمل رسالة وهموم وقضية شعبه، وتقدم الصفوف في مقاومة الاحتلال خاصة خلال الانتفاضة الأولى، فكان من مؤسسي "حماس".

وتضيف: "أول اعتقال للشيخ جمال كان في العام الثاني من انتفاضة الحجر، وبعدها لم يتوقف الاحتلال عن استهدافه، وتعرض للاعتقال الاداري مرات عديدة، ولم ينال ذلك من معنوياته وإرادته، فتحدى الاحتلال خلف القضبان".

الاعتقال الأخير

بعد اندلاع انتفاضة الأقصى، أدرج اسم الشيخ جمال على رأس قائمة المطلوبين، ونجا من عدة محاولات اغتيال، وخلال مشاركته في المقاومة أصيب بعيار ناري أدى لبتر يده.

وتقول زوجته: "عشنا دوامة قلق رهيبة في ظل استمرار استهداف زوجي، تعرض منزلنا للتدمير والحرق والتخريب، وحرمنا منه في كل المناسبات، ورغم بتر يده رفض التخلي عن واجبه".

وتضيف: "في عملية خاصة استمرت 20 ساعة، اعتقل مع رفيق دربه إسلام جرار بتاريخ 26/8/2002، وحوكم بالسجن المؤبد 9 مرات إضافة لـ80 عاماً، وتعرض للعزل الانفرادي 8 سنوات ونصف حتى خاض الأسرى معركة الكرامة ونقل للأقسام العامة".

استهداف العائلة

الحكم والعقوبات التي تعرض لها أبو الهيجاء لم تكن كافية للاحتلال الذي اعتقل زوجته إداريا لمدة عام رغم معاناتها من المرض الخبيث، وتعرضت ابنته المحامية بنان للاعتقال والتحقيق لمدة شهر، أما باقي الأبناء عبد السلام وعاصم وعماد وحمزة، فأصبحوا من زوار السجون الدائمين، وتقول أم العبد : "مارس الاحتلال بحقنا كل أشكال العقاب والانتقام، فقد حرمني من كل عائلتي طوال الأعياد الماضية، فباكورة أبنائي عبد السلام اعتقل مرات عدة".

وتتابع:" ابني عماد ما زال منذ اعتقاله الأخير موقوفاً، أما عاصم فتجرع نفس المعاناة، وتكررت اعتقالاته التي كان آخرها في 29/ 5/ 2014، وهو محكوم عام ونصف، والمؤلم أن الاحتلال كان يرفض جمع زوجي مع أبنائه".

أُمنيات العيد

لسنوات طويلة، كانت المحررة أسماء تستقبل عيد الأضحى المبارك قرب ضريح ابنها حمزة الذي استشهد على أرض مخيم جنين بتاريخ 22-3-2014، لكنها في هذا العيد، لن تتمكن من مغادرة سريرها بعدما خضعت لعملية جراحية.

تقول ابنتها:" كل عيد نواجه مآسي مستمرة، وهذا العام حياتنا أشد قسوة .. فشعائر العيد تقتصر على زيارة القبور، نقضي العيد عند ضريح أخي الشهيد حمزة، نتضرع لرب العالمين أن يصبرنا على وجع فراقه وألم حرماننا من زيارة والدي بسبب فيروس كورونا".

وتضيف: "في ظل الحديث عن صفقة تبادل جديدة، أتمنى عدم نسيان والدي الصامد والبطل رغم الجراح والحكم الظالم، لم يبق من العمر أكثر مما مضى، تزوجت ابنتي وابني البكر عبد السلام وأشقائه عماد وعاصم، وأصبح لدينا 11 حفيداً لم يعرف جدهم وجوههم إلا من خلال الصور، وأملي بالله أن يكون العيد الأخير له ولجميع أسرانا خلف القضبان".