الذكرى التاسعة والأربعون لاستشهاد القائد الكبير أبو علي إياد

بقلم : عباس زكي

عضو اللجنة المركزية لحركة فتح

المفوض العام للعلاقات العربية والصين الشعبية

في زمن الطهر النضالي ...زمن التضحية والفداء ...زمن الرواد الأوائل الذين آمنوا بالله والوطن .. ظهرت شخصيات قيادية فذة ... كان وليد أحمد نمر نصر الحسن " ابو علي اياد " من ابرز هذه القيادات بفعل ما قام به من عمليات عسكرية داخل الأرض المحتلة في فترة مبكرة من تاريخ الثورة الفلسطينية، وما خص نفسه من تربية عسكرية قاسية لدى انضمامه لحركة فتح مع البدايات... فقد كلف الشهيد الكبير بمهمة الإعداد للعمليات العسكرية في الأرض المحتلة عام 1966... وخاض العديد من العمليات العسكرية الناجحة في الداخل كان من أبرزها الهجوم على مستعمرة " بيت يوسف " والتي وصفها قادة الجيش الإسرائيلي بأنها أعنف ما تعرضت له المستعمرات الصهيونية في تلك الفترة ... كما قاد الهجوم على مستعمرات " هونين .. المنارة .. كفار جلعادي " . أذكر أثناء تدريبه للمقاتلين في معسكر الهامة في سوريا أن المقاتلين شعروا بقسوة وخشونة التدريب فرد بقوله " عليكم بالصبر ... وعليكم أن تدركوا أن المبالغة في قسوة المعاملة قد تنقذ حياتكم حين تعرضكم لخطر حقيقي وانتم في الطريق إلى النصر " فقد كان البطل أبو علي إياد يؤمن إيمانا راسخا بأن كل قطرة عرق تسقط أثناء التدريب توفر قطرة دم في المعركة .. وأذكر أنه أثناء تجهيزه لأحدى العمليات العسكرية في معسكر الهامة للعبور إلى الأرض المحتلة انفجر أحد الألغام وهو على مقربة منه وأحدث جرحا عميقا في نفسه وكان دائما يعتصره الألم لفقدانه رفيق دربه الشهيد منهل على الرغم من فقدانه عينه اليمنى ورجله نتيجة هذا الانفجار ...وقضى ابو علي اياد وقتا طويلا في مستشفى المواساة بدمشق .. وما أن دبت به الحياة حتى تحول المستشفى إلى خلية عمل للفدائيين الذين كانوا يرون في أبو علي أياد فلسطين بأجمل صورها... ولم تكسر إرادته .. فاستعاض عنها بعكازته المشهورة التي أصبحت ذات رمزية نضالية عرف قيمتها العالية كل من عاصره وكانت أداة لمدرسة تنظيمية في الحزم والإرادة والتصميم وعرفها كل من تخرج من معسكراته وأصبحت جنرالات عسكرية فيما بعد وسارت على دربه ونهجه... فقد كان عصاميا طموحا تملؤه الثقة بالنصر.. وكان يملك من الوفاء والزهد والمصداقية والمواصفات القيادية الجاذبة وممارسته الميدانية بين المقاتلين ووعيه لطبيعة الصراع ما أهله بأن يتم انتخابه عضوا في اللجنة المركزية لحركة فتح وعضوا في القيادة العامة لقوات العاصفة دون أن يشارك في أعمال المؤتمر الثاني الذي عقد في ضواحي دمشق عام 1968 باعتباره رجل المهمات الصعبة والحاضر دائما في ملأ دوائر الفعل بإبداع أيا كانت حجم الأخطار ..فكان ثورة في رجل وهالة من القيم مرتبطة بمنظومة أخلاقية والسلوك الثوري الحسن ... وبهذه المواصفات كانت له قدرة عالية بالتأثير على نفسيات الفدائيين الذين كانوا يشعرون وعم يقفون أمامه وكأنهم في محراب الصلاة... فهو الذي كتب بخط يده على ورقة صغيرة عبارته المشهورة بعد معركة الكرامة " لمن يهمه الأمر يرجى تسهيل مهمة المناضل ......... حامل هذه الورقة والسماح له بدخول سوريا أو العراق أو الكويت الخ ... لقضاء إجازته والعودة إلى قواعده " وبذلك حطمت حركة فتح اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت الوطن العربي وفتحت الحدود بورقة صغيرة بفعل تضحيات شعبنا الفلسطيني.

عملت تحت قيادته في أصعب الظروف .. فكان الأب الحاني للفدائيين والرجل القادر على فهم الآخرين .. لديه المشاعر الفياضة تجاه الجماهير التي تحتضن قواعد الفدائيين .. فكان الأمر اليومي بالنسبة له " أن الجماهير هم الماء والفدائيين هم السمك فاحرصوا على كسب الجماهير كي لا يجف الماء فتموت السمك " .. وكان قاسيا على مرتكبي الأعمال التي لا تليق بسلوك المتطهرين في العمل من اجل فلسطين .... كان لا يجامل في قمع مظاهر التسيب وبث الإشاعات والدسائس وإثارة الفتن ... يستخدم عصاه كيفما شاء في عقابهم... فكان يترجم عمليا " أشداء على الكفار رحماء بينهم " مما اكسبه هيبة ومكانة خاصة في قلوب أصحاب الوجدان النظيف الذين عاشوا للوطن ولم يعتاشوا عليه.. كان أبو علي ذو مسحة إيمانية وتصالح ... لم نجد له صورة وقت التشييع إلا صورة عن جواز سفره نظرا لإيثاره للآخرين على نفسه ... وبتلك الخصائص والسمات كان رحيله الأبدي مذهل ومفاجأة قاسية صادمة وصعبة وكانت طريقة استشهاده قد وضعت حدا لنموذج أسطوري في تاريخ الثورة الفلسطينية في إعداد الكوادر النظيفة والطاهرة والأكثر جذرية في النضال والأكثر وفاء وانتماء للوطن... أغبطه في عليائه يوم إعلان رحيله الأبدي بجنازة رمزية على عربة مدفع مع وداع رسمي وشعبي حاشد شهدته شوارع عاصمة العرب دمشق مع تدفق دموع الكبار قبل الصغار ..إنه الدلالة والمعنى أن الله يكرم من يحب وقت الرحيل.. كيف لا ؟ وهو الرجل العصامي المؤمن الذي وجه ندائه الأخير من أرض المعركة " قررنا أن نموت واقفين ولن نركع والله معنا " . لا أستطيع أن أصف حجم الجرح والألم الذي بدا واضحا على ملامح وقسمات رفاق المسيرة قيادة وأفراد ... باعتبارك أخي أبو علي إياد الفارس الذي ترجل مبكرا تعلقت عليه الآمال لبناء طراز جديد من المقاتلين الذين يسكنهم الوطن جغرافيا ومقدسات تاريخ وحاضر..

أخي القائد أبو علي إياد .. كل من عمل معك يحن إلى ذاك الزمن الجميل .. الذي يجسد المجد والقوة والتضحية بأعلى ما عند الإنسان من اجل الهم الجامع وعلاج الجرح الفلسطيني بفعل الاحتلال البغيض.. فالماضي رغم مرارته وقساوته كان أجمل مما نحن عليه اليوم ... يوم وداعك الأخير فاجأني الراحل الكبير والقامة العالية " صلاح خلف أبو اياد " بأن ألقي كلمة رفاق الشهيد.. فقلت في كلمتي مما أوصيتني به في اللحظات الأخيرة في ظل عنف القصف وعاهدت الله السير على خطاك مع حفظ الفارق بفعل المتغيرات في الجغرافيا والسياسات والمد والجزر .. وما استطيع قوله لك أيها الفارس بأن صرحك العالي في مدينة الكفاح العنيد " قلقيلية " هو عنوان الفلسطينيين في التحدي الذي لا يخاف من الصهاينة المحتلين...

عزاؤنا أن الكبار لا يموتون وإن رحلوا جسدا ... فقد انغرسوا في الذاكرة والوجدان... لروحك الطاهرة الرحمة وأنت الخالد في جنات الخلد والعلم الفلسطيني الذي يرفرف في سماء فلسطين .