الصبر في فقوعة.. زُرع أول مرة كسياج للبيوت وتطور لإنتاجٍ وفيرٍ بالمزارع المتخصصة

جنين– "القدس" دوت كوم- علي سمودي– لجودته وتميزه ونكهته الطيبة، شَقَّ صبر " فقوعة " لعقود طويلة طريقه للأسواق العربية والخليجية، حتى قيل أن بعض التجار كانوا ينادون عليه بسوق الكويت بـ "فقوعي يا صبر".

تتنوع المواسم الزراعية في فلسطين بشكل واضح على مدار العام، ومنها مواسم الفواكه، ففي كل فصل عدة أصناف من الفواكه؛ ففي الخريف التمور وفي الشتاء الحمضيات، وفي الربيع الفراولة واللوز الأخضر، وفي الصيف البطيخ والصبر، وكل صنف من هذه الأصناف له شهرة في مكان جغرافي معين في فلسطين، فيقول الفلسطينيون مثلاً: برتقال يافا، تمور أريحا، جوافة قلقيلية، وصبر فقوعة.

صبر فقّوعة

تعود شهرة قرية فقوعة لكثرة ما زرعه أهالي القرية من هذه الشجيرات في أراضيهم، فمعظم سكان القرية تقريباً يزرعون أجزاء من أراضيهم بالصبر، سواء على شكل سياج حول قطع أراضيهم أو بشكل مستقل كقطعة كاملة مزروعة به.

ويوضح الباحث في التاريخ والتراث مفيد جلغوم أن شجيرة الصبر في فقوعة ليست بالقديمة، مستشهداً بما ذكره علماء النبات الإنجليز الذين زاروا القرية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، إذ قالوا: "إن القرية لم يكن مزروعاً بها نبات الصبر"، وعليه فإنه ومن خلال رصد ومتابعة تاريخ قريته الحدودية شرق مدينة جنين، يرى أن زراعة الصبر دخلت فقوعة منذ 150 عاماً تقريباً.

ويوضح جلغوم أنه منذ ذلك التاريخ دخلت زراعة الصبر بشكل خاص داخل مركز القرية بين البيوت، فزُرعت كسياج نباتي طبيعي بين البيوت، مبيناً أن سهولة نمو الشجيرات والاستفادة من ثماره الصيفية، جعلت أهالي القرية يزرعونه كسياج حول حيازاتهم الزراعية، ويبدو ذلك واضحاً من خلال المتابعة اليومية للمزارعين، وحديثاً أوضحت الصور الجوية الملتقطة لأراضي القرية هذه الطريقة بشكل واضح، خصوصاً في المناطق الجبلية التي زرعت بها.

تطور وتنوع

نبات الصبر أنواع متعددة، فمنه الترابي الذي ينضج مبكراً، ومنه الجبلي وهو النوع الشائع، وهناك نوع ثالث خالٍ من الأشواك بدرجة عالية، وبحسب الباحث جلغوم، فإنه خلال العقدين الأخيرين بدأت تجربة جديدة لزراعة الصبر في الأراضي السهلية من خلال مزارع مخصصة لنبات الصبر فقط، زرعت على شكل صفوف منتظمة، الهدف منها هو الانتاج الزراعي الاقتصادي، وتوفير مصدر مدر للدخل، وقد لاقت هذه التجربة نجاحاً واضحاً واستنسخت التجربة لمزارعين جدد.

الأهمية الاقتصادية

في فقوعة، يذكر الباحث جلغوم، زرع نبات الصبر أول مرة كسياج بين البيوت حول الحيازات الزراعية، ومن ثم انتقلت زراعته إلى الجبال، رغبة بثماره اللذيذة للاستهلاك المنزلي والتجارة معاً، وتعمقت التجربة الحديثة بهدف الإنتاج الوفير في المزارع المتخصصة، والتي ازدادات بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.

ويبين جلغوم أن الصبر يعد ثمرة ذات مردود اقتصادي نقدي، عمل بها أهالي القرية بشكل ممتاز، خاصة عندما كانت الجسور مفتوحة للتصدير عبر الأردن، فقد كانت الشاحنات الكبيرة تحمل بثمار الصبر في صناديق خشبية صغيرة وتصدر يومياً إلى سوق الخضار في عمان، وبعضها ينقل الى أسواق الكويت والخليج العربي، وهذا يدل على جودة المنتج وكثرته، حتى قيل أن بعض التجار كانوا ينادون عليه بسوق الكويت بـ"فقوعي يا صبر".

فاكهة الصبر الفلسطينية

كان أهالي قرية فقوعة ينتظرون هذا الموسم بفارغ الصبر، لأنه يدر عليهم مردوداً نقدياً يومياً، عكس موسم الزيتون الشهير مثلاً، فهو يخزن للاستهلاك السنوي وقليلاً ما يبيعون منه.

أما الفوائد الأُخرى، كما يستعرضها جلغوم، فهو فاكهة صيفية لذيذة شديدة الحلاوة رغم أشواكها الكثيرة وقشرتها الصلبة وصعوبة جنيها، إلا أن حلاوة طعمها تنسي الصعوبات الكثيرة في جني ثمارها.

ويضيف جلغوم: "إن فاكهة الصبر الفلسطينية.. تسمى في بلاد أُخرى بالصبارة أو الصبرة أو الصبير أو التين الشوكي أو التين الهندي أو تشيمبو.

جني الثمار

يبدأ موسم جني ثمار الصبر في منتصف تموز من كل عام ويستمر حتى نهاية آب، ويوضح الباحث جلغوم، أن سعر العبوة الواحدة في السوق الفلسطيني يتراوح بين 15 إلى 25 شيكل، للموسم الحالي، وهو مبلغ قليل مقياساً بالصعوبات المتعددة في جني ونقل هذه الثمار إلى السوق المحلي، خاصة وأن ثماره مغطاة بالأشواك الكثيرة التي تتطلب جهداً ومهارة واحتراف من المزارع الفلسطيني.

مهرجان الصبر

يحاول أهالي فقوعة إقامة مهرجان لإشهار نبتة الصبر، أسوة بما فعلوه بإشهار سوسنة فقوعة "النبتة الوطنية لفلسطين"، إلا أن محاولاتهم كما يذكر جلغوم، لم تنجح حتى الآن في هذا الصدد، على أمل أن تستمر المحاولات لإقامة هذا المهرجان الاقتصادي للتشجيع على استهلاك هذه الثمرة الطيبة التي تجود بها التربة الفلسطينية في قرية فقوعة، ولتعزيز صمود المزارعين في أراضيهم وتطوير مزروعاتهم.

توصية مهمة

كأهالي فقوعة، يعتبر جلغوم مشروع زراعة وإنتاج ثمار الصبر من المشاريع الاقتصادية الزراعية الناجحة، لأنه يزرع في كافة أنواع التربة حتى الصخرية منها وقليلة الجودة، كما أنه لا يتطلب كثيراً من العناية، فهو نبتة صحراوية المنشأ لا تحتاج إلى الري كبقية أشتال الزيتون أو اللوز مثلاً، أما العناية به من الاآفات الزراعية فهي قليلة، حيث أن الأمراض التي تصيب هذا النبات قليلة جداً ولعل أشهرها مرض المن القطني، لذلك، يوصي بإقامة المزيد من مزارع نبات الصبر في فلسطين وزيادة المساحات المزروعة به وتقديم الدعم للمزارعين للاستمرار فيها والحفاظ عليها.