ذكرى وعائلتها.. فرحةٌ مسلوبةٌ منذ 18 عاماً ولم تحضن والدها الأسير سوى مرةٍ يتيمة

جنين– "القدس" دوت كوم- علي سمودي– بعمر 40 يوماً، كانت الطفلة ذكرى عندما اعتقل الاحتلال والدها الأسير محمود إسماعيل القدومي (45 عاماً)، من بلدة جيوس في محافظة قلقيلية، نشأت وعاشت مع شقيقها محمد وثابت في كنف ورعاية والدتها المناضلة ختام وعائلة والدها الذي لا يفارقها لحظة، فكل شيء في حياتها، حتى اسمها، يرتبط بوالدها ليكون كما تقول "ذكرى لوالدي الذي اعتُقل ولم يرني أكبر أمامه وبرعايته".

ذكرى التي أصبحت اليوم بعمر 18 عاماً، وحققت النجاح في الثانوية العامة، وتستعد لدراسة تخصص التمريض، لا تنسى لحظةً أن المرة الأُولى التي شاهدها فيها والدها بحياته عندما بلغت عمر 4 أشهر بعدما أنهى مرحلة التحقيق، فكانت خطوات حياتها الأُولى برفقة والدتها وعائلتها نحو بوابات السجون التي كبرت على أبوابها حتى أصبحت تدرك حقيقة الاعتقال ومعناه.

وتقول: "كل لحظة أتذكر أوجاع ومعاناة والدتي خلال تربيتنا ورعايتنا والاهتمام بنا وربطنا بعلاقة وطيدة مع والدنا الذي حرمنا الاحتلال منه، وكلما كبرت كنت أزداد تعلقاً وارتبطاً به وحباً لشخصيته وروحه التي أعشقها".

وتضيف: "بمرور الوقت، أصبحت علاقتي بوالدي وطيدة جداً، وبعدما تعرفت عليه، أصبح حبه مضاعفاً وحنيني إليه يكبر ويزداد أكثر".

من حياته..

بفخر واعتزاز، تتحدث الشابة ذكرى عن حياة والدها الأسير محمود، فذاكرتها تحتفظ بكل تفاصيل حياته، وتقول: "ولد ونشأ وعاش في بلدتنا جيوس، تمتع بالأخلاق العالية وبر الوالدين وحب العائلة، الجميع كان يتحدث لنا عن قلبه الكبير والحنون وطيبته وحبه لمساعدة الناس وأُسرتنا".

وتضيف: "تعلَّمَ بمدارس بلدتنا حتى الصف العاشر، وبعدها تخلى عن أحلامه في التعليم، وعمل في عدة مجالات، تعب وشقي وكافح في الزراعة والبناء داخل الخط الاخضر ومناشير الحجر".

وتُكمل: "كان عصامياً، فاعتمد على نفسه في تأسيس عائلة، ارتبط وتزوج بوالدتي في 20/ 8/ 1997، وكان سعيداً جداً، عندما أنجبت والدتي شقيقيَّ محمد وثابت، ثم أنا، ودوماً تروي لنا والدتي عنه محبته وسعادته وحياته وكيف غمر العائلة بالسعادة".

المطاردة والاعتقال

شارك محمود في انتفاضة الحجر، وتعرَّض للإصابة برصاص الاحتلال حتى تشافى، بالرغم من تأثره حتى اليوم بالإصابة، وتابع حياته بشكل طبيعي، وبالرغم من عمله ومسؤولياته الأُسرية لم يتأخر عن تأدية واجبه النضالي. وتقول كريمته ذكرى: "قاوم الاحتلال بشكل سري خلال انتفاضة الأقصى، فأصبح مطلوباً لمدة شهرين حتى اعتُقل من منزلنا صبيحة اليوم الأول من عيد الأضحى المبارك بتاريخ 5/ 12/ 2002".

وتضيف: "تسلل والدي للاطمئنان على زوجته وأطفاله وعائلته ومعايدتهم في العيد، لكن الاحتلال كان له بالمرصاد، فحاصرت قوات كبيرة من جنود الاحتلال الحي الذي نعيش فيه ومنزلنا بمساندة طائرة مروحية كانت تحلق على ارتفاع منخفض".

وتتابع: "هاجمته الوحدات الخاصة مع الجنود واعتقلوه، قيدوه ومنعوه من وداعنا دون مراعاة العيد وظروفنا، وكانت صدمة كبيرة لوالدتي انتزاع زوجها في يوم العيد الذي تحوَّل إلى حزن ودموع".

التحقيق والإصابة..

تروي ذكرى أنّ الاحتلال اقتاد والدها فور اعتقاله إلى أقبية التحقيق في سجن "الجلمة"، وتقول: "كلما اجتمعنا تروي والدتنا مسلسل معاناتها المريرة بعد اعتقال والدي، فقد عاشت لحظات رعب وقلق على مدار شهرين طوال فترة التحقيق التي تعرَّض خلالها للتعذيب، فقد أمضى 40 يوماً منها مصلوباً ومشبوحاً، ما سبَّب له كسوراً في يديه الاثنتين، واستمرت معاناته حتى نُقل إلى سجن هداريم وعالجوه".

وتضيف: "فترة المحاكم كانت محطة صعبة ثالثة، فقد مددوا توقيفه واستمروا في تأجيل محاكمته، حتى قضت محكمة سالم العسكرية عليه بالسجن المؤبد، إضافة إلى 12 عاماً".

المرض والإهمال..

تتذكر ذكرى أنّ والدها تعرض للإصابة بعيار ناري في منطقة الفك خلال انتفاضة الحجر، وتقول: "كان والدي بعمر 18 عاماً، وشارك شباب بلدتنا في التصدي لقوات الاحتلال، وخلال إحدى المواجهات أُصيب وكانت حالته خطيرة جداً، وقضى فترة ثلاثة أشهر رهن العلاج في العناية المركزة".

وتضيف: "بسبب ظروف التحقيق والسجون تأثرت حالته الصحية، وما زال الاحتلال يهمل علاجه، ويعاني من مشاكل في الفك حتى اليوم".

العناق الأول والأخير .

ما زالت ذكرى تتذكر جيداً اللحظة الأولى التي عانقت فيها والدها عندما كانت بعمر 7 سنوات، ولم تتكرر بعدها حتى اليوم.

وتقول: "دوماً، أشعر بنقص كبير في حياتي في ظل بُعد والدي عني وحرمان الاحتلال لي من احتضانه، وقد تحقق هذا الحلم مرة واحدة فقط خلف القضبان".

وتضيف: "وافق الاحتلال على إدخال إلى والدي وأنا بعمر 7 سنوات، رافقني مجموعة من جنود الاحتلال المدججين بالسلاح ، كنت أسير وسطهم لاقابل والدي ، وأنا أرتجف من شدة الخوف، خاصة بسبب أسلحتهم"، وتكمل: "عندما فتحوا الزنزانة وشاهدت والدي ، القيت نفسي بين يديه ، عانقته وبدأنا نبكي لشدة الشوق ، فرحنا رغم الألم، عانقني بحرارة وشوق تعجز عن وصفه كلماته، فكلانا كنا بحاجة لهذه اللحظات الجميلة التي ما زلت أتذكرها، وأتمنى أن تتكرر قريباً بحريته وعودته إلينا".

18 عاماً

بوفاء وتضحية، أكملت الزوجة أم محمد المشوار بتربية الأبناء، كما أَحَبَّ وتمنى والدهم، قسمت حياتها بينهم وبينه، وربتهم على الاعتزاز والفخر به دوماً، لكن وجع الغياب لم يفارقهم لحظة.

وتقول ذكرى: "قضى والدي خلف القضبان 18 عاماً، لم نشعر يوماً خلالها بمعنى الفرحة والسعادة، فكلما كبرنا تتفاقم معاناتنا وتزداد أحزاننا، وكلما اجتمعنا على مائدة طعام أو حتى مناسبة نتذكر فيها والدي، ولن يشعر أحد بالعالم بحقيقة وجعنا في هذه اللحظات".

وتضيف: "حتى عندما نصحو من نومنا، نحلم بأنّ والدي موجود في المنزل وينتظرنا على مائدة الإفطار، فرغم القيد والسجان نشعر بوجوده ورائحته العطرة في المنزل".

وتتابع: "بحمد الله ورعايته وبتضحيات والدتي وعائلتنا كبرنا وحققنا أُمنيات والدنا، بالرغم من أنّ القضبان حرمته مُرافقتنا في لحظات حياتنا الأهم، فعندما نجح شقيقي ثابت وأنهى دراسته الجامعية في العلوم العسكرية كان فرحه بتخرجه منقوصاً".

وتتابع: "يوم نجاحي بكيتُ لغياب والدي، لكنني أهديته نجاحي، وكل إنجاز نحققه نعتبره فخراً كبيراً لوالدي حتى لو لم يكن معنا، وبشكل مستمر فإن تقدمنا وإنجازاتنا ستبقى عنوان فخر لوالدنا، وتجدد بشرى الأمل في قلوبنا المشتاقة إليه".

صور أُخرى ..

تخيم أجواء الحزن في منزل عائلة الأسير القدومي، وقطار العمر يمضي وما زالت تنتظره، وتقول ابنته ذكرى: "جدتي فاطمة أم محمد التي تجاوزت العقد السابع قضت عمرها بزيارته، فحبها كبير لوالدي، لكن منذ 10 سنوات لم تتمكن من زيارته بسبب معاناتها من عدة أمراضٍ مزمنةٍ أثّرت على صحتها وحركتها، وليلَ نهارَ تُصلي ليمدّ رب العالمين بعمره حتى تراه في أحضانها".

وتضيف: "جدي الطاعن في السن يواظب على زيارته، بالرغم من إصابته بمرض "الزهايمر"، وعندما تتحسن حالته لا يتوقف عن ذكره والحديث عنه".

في العيد..

في سجن "هداريم" يقبع الأسير محمود حالياً، وقد انتسب إلى جامعة القدس المفتوحة ويكمل دراسته فيها، ومع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تقول كريمته ذكرى: "في كل عيد تحرص والدتي على رفع معنوياتنا، تساندنا وتعايدنا نيابةً عن والدي حتى لا نشعر بحزنٍ وألم، فلديها أمل كبير بأن يكون بيننا قريباً، لأننا نثق برب العالمين، ونأمل أن يُفرج عنه ونفرح قريباً".

وتضيف: "أقول لوالدي كل عام وأنت بيننا، وكل عام وأنت قائدنا وكبيرنا، كل عام نراك بيننا وفينا وبأرواحنا، ولابد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر".