بيتر بينارت ونهاية حل الدولتين

واشنطن– "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات- كتب الكاتب الليبرالي بيتر بينارت، مؤخرًا، أنه لم يعد يؤمن بمشروع الدولة اليهودية، بل بـ"وطن يهودي" داخل دولة ديمقراطية متساوية بين اليهود والفلسطينيين. وناقش بينارت على عشرات من وسائل الإعلام الأميركية والإسرائيلية كيفية "تطور أفكاره حول إسرائيل وفلسطين"، وتحولات الفكر بين الأجيال في الأوساط الأميركية اليهودية، ولماذا يجب أن يكون اليهود الأميركيون جزءًا من حركة العدالة بقيادة الفلسطينيين.

في الأسبوع الماضي، كتب بيتر بينارت مقاله الذي حظي باهتمام غير معهود، الذي أثار عاصفة من الجدل في موقع "التيارات اليهودية" وفي صحيفة نيويورك تايمز يعلن فيه أنه (بينارت) لم يعد يؤمن بمشروع دولة يهودية، وبدلاً من ذلك يفضل "وطنًا يهوديًا" داخل دولة ديمقراطية متساوية.

يُذكر أن بينارت، وهو أحد أبرز المثقفين الأميركيين اليهود التقدميين، كان مدافعًا صريحًا وعالي الصوت عن حل الدولتين لسنوات طويلة، تحدث خلالها بحماس عن إمكانية استمرار الديمقراطية الليبرالية الإسرائيلية، لكنه الآن يقول علنا أن رؤية كهذه أصبحت ميتة.

كتب بينارت في مقاله الطويل: "الحقيقة المؤلمة هي أن المشروع الذي كرس الصهاينة الليبراليون مثلي حياتهم له منذ عقود -دولة للفلسطينيين منفصلين عن دولة لليهود- قد فشل. لم يعد الحل القائم على دولتين يقدم بديلاً مقنعًا لمسار إسرائيل الحالي. لقد حان الوقت للصهاينة الليبراليين للتخلي عن هدف الفصل بين اليهود والفلسطينيين وتبني هدف المساواة بين اليهود والفلسطينيين".

ويتحدث بينارت في مقاله الأخير الذي نشر تحت عنوان "لم أعد أؤمن بدولة يهودية" عن كيف راقب خطر الضم الذي تعتزم إسرائيل القيام به جعله يعيد التفكير بـ"ثمن الدولة اليهودية" وما إذا كان ذلك سعراً باهظاً.

يقول بينارت: "المرة الأولى التي ذهبت فيها لقضاء بعض الوقت مع الفلسطينيين في الضفة الغربية، كانت منذ عشرين عامًا تقريبًا. ربما كان هذا هو المحفز وراء إعادة التفكير التي تكشفت بعد ذلك... لقد كنت ضد الاحتلال منذ كنت في المدرسة الثانوية، وجادلت حوله خلال الانتفاضة الأُولى، لكنني لم أرَ حقاً الحياة الفلسطينية تحت الاحتلال بنفسي. وترك هذا انطباعاً قوياً لدي".

ويضيف: "ظللت أعود وأعود مراراً وتكراراً. ظللت أشعر أكثر فأكثر بأن الحوار داخل التيار الرئيسي في الجالية اليهودية الأميركية، لا تعكس مدى الوحشية التي تعيشها في حياتك كلها في بلد لا يمكنك أن تصبح فيه مواطناً، الدولة (الإسرائيلية) التي ليس لديها أي التزامات تجاهك كمواطن، من الصعب تخيل ما يعانيه الناس (المواطنون الفلسطينيون) يومًا بعد يوم... لقد كان لذلك تأثير قوي عليّ".

وعن كيف تطور فكره عبر السنوات، يقول بينارت: "عندما تم انتخاب [باراك] أوباما (2008)، وكان لديه ميل واضح لتحدي الاستيطان الإسرائيلي، ورأيت أن المؤسسة السياسية اليهودية الأميركية ستصطف مع بيبي [رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو] ضده، ومع أفيغدور ليبرمان الذي دخل الحكومة في تلك اللحظة (رغم أنه) كان يُنظر إلى أفيغدور ليبرمان على أنه متطرف راديكالي حقًا. كانت تلك لحظة أُخرى بالنسبة لي لاختيار أي من الجانبين. كانت تلك لحظات من التطور".

ويشرح بينارت: "في الآونة الأخيرة ، عندما كنت أكتب وأقول أشياء كنت أقولها منذ فترة طويلة ، كانت تبدو لي قديمة وأقل إقناعا لي .. ككاتب ، لا يمكنك أن تكون كاتبًا جيدًا إذا لم تكن تكتب أشياء تؤمن بها حقًا. لم يكن لدي بديل. لكني شعرت أنني وصلت إلى طريق مسدود".

في لقاءاته المتعددة (التي شاركت "القدس" في بعض منها) تحدث بينارت عن "أهمية تجذير علاقتي مع اليهودية والشعب اليهودي في الأماكن التي لا يمكن زعزعة استقرارها أو تقويضها من خلال حقيقة أنني قد أكون أغرد خارج السرب.... لقد بدأت داف- يومي Daf Yomi (دراسة يومية)، وأنا أدرس صفحة من التلمود كل يوم حتى انتهيت من القراءة بعد سبع سنوات ونصف. وأشعر في الواقع أن ذلك قد ساعدني أيضًا بطريقة ما، لأنه يرسخني كل يوم في مفهوم مختلف عن اليهودية، وليس مفهوم لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية-إيباك (اللوبي الإسرائيلي القوي في واشنطن)".

وحول دعوته إلى "وطن لليهود" وليس دولة يهودية، يقول بينارت: "الدولة اليهودية، كما يعرّفها معظم الناس، هي دولة عليها التزامات تجاه اليهود، وليس عليها التزامات مماثلة للآخرين الخاضعين لسلطتها.. معظمهم فلسطينيون. هنا لديك توتر خطير مع فكرة المساواة بموجب القانون، التي هي حقاً جوهر الديمقراطية الليبرالية. وهذا فقط داخل الخط الأخضر، حيث يكون الفلسطينيون مواطنين، ولكن ليسوا متساوين.. أما في الضفة الغربية، فلا توجد ديمقراطية ليبرالية على الإطلاق. هؤلاء الفلسطينيون ليسوا مواطنين بأي شكل، وليس لديهم الحق في التصويت".

ويضيف: "لفترة طويلة، كنت آمل أن تنهي إسرائيل الاحتلال (في الضفة الغربية المحتلة)، ثم تتطور داخل الخط الأخضر إلى هوية وطنية أكثر شمولاً، ربما بامتيازات محددة تجاه اليهود مثل حق اللجوء، لكنها ستوسع مفهومها عن إسرائيل لجعلها أكثر شمولاً للمواطنين الفلسطينيين. ولكن في الواقع، فقد رسخت إسرائيل سيطرتها أكثر فأكثر على الضفة الغربية. كما أنها أصبحت في الوقت نفسه أقل ليبرالية داخل الخط الأخضر".

ويجيب بينارت في أحد لقاءاته (مع ذي جاكوبان) بأن "من الصعب إثبات أن هناك الآن وطن يهودي آمن ومثير ثقافياً.. للدولة اليهودية (إسرائيل) تأثير متناقض بهذه الطريقة. لم تجعل العالم أكثر أمانًا لليهود. هناك تاريخ طويل لليهود الذين عاشوا في فلسطين التاريخية ، قبل أن تتجذر الحركة الصهيونية هناك ، وكانوا يعيشون جنباً إلى جنب مع جيرانهم المسلمين والعرب. ولكن الآن الفكرة "الراسخة" المتأصلة هي أن اليهود والعرب بطبيعتهم لا يمكنهم العيش معًا في دولة واحدة. من أين تأتي هذه الفكرة؟ إنه سؤال جيد. جزئيا على الأقل يخرج من صدمة معاداة السامية التي بلغت ذروتها في المحرقة (النازية) ، والتي تصبح بعد ذلك نموذجًا يتم عرضه في كل مكان يعيش فيه اليهود ، ولكن بشكل خاص في هذا المكان حيث كان هناك مائة عام من الصراع".

ويضيف: "أعتقد أيضًا أن واحدة من المآسي العظيمة لإسرائيل كانت لعدد معقد من الأسباب، أهمها أن اليهود المزراحيين (اليهود العرب) لم يلعبوا الدور المهم المنوط بهم، حيث كان يجب أن يكونوا جسرًا بين اليهود الأشكناز والفلسطينيين.. ربما بسبب الروح المعادية المكثفة للعرب في إسرائيل، خاصة في وقت مبكر من الخمسينيات. فرض على اليهود المزراحيين أن يتخلصوا سياسياً من عروبتهم، على الرغم من أنهم ثقافياً ربما احتفظوا بعناصر كبيرة منها ، وأصبحوا في الغالب أكثر معاداة للعرب من الأشكناز. وهذا سمح بظهور هذا النوع من السرد: أن اليهود لا يمكنهم العيش بسلام مع العرب. اليهود العرب أنفسهم يقولون ذلك... سمعت هذا في عائلتي. ولدت جدتي في الإسكندرية بمصر، وكانت تقول: إذا كنت تعرف العربية وعشت مع العرب مثلي، فلن تثق بهم أيضًا. وقد سمعت ذلك لسنوات وسنوات، ثم في نقطة معينة، تساءلت: إذا نشأت وأنت تتحدث العربية، وأنت من مصر، فلماذا أنت لست عربيًا أيضًا؟ أعتقد أن هذا جزء مما حدث وأدى بنا إلى هذه الرواية".

ويدعو بينارت اليهود في العالم وفي إسرائيل للمشاركة في حركة من أجل المساواة بين الفلسطينيين واليهود، وأن الحركة نفسها يمكن أن تصبح نموذجاً لما قد تتطور إليه البلاد كما حدث في جنوب أفريقيا رغم الفوارق.

أما بالنسبة لليهود التقدميين في الولايات المتحدة، وخطورة التمسك بأمل حل الدولتين؟ يقول بينارت أنه يميز بين نوعين من الناس: "هؤلاء الذي يناضلون صدقا من أجل حل الدولتين، وعلى استعداد لفرض ضغط على إسرائيل، بما في ذلك اشتراط الدعم الأميركي العسكري لإسرائيل لمحاولة تحقيق ذلك، فلا بأس بموقفهم، لكنني أنا لست في هذا الموقع بعد الآن. لكني أعتقد، للأسف، أن هناك أعدادًا كبيرة جدًا من الأشخاص في المؤسسات اليهودية الأميركية الذين يتشدقون بحل الدولتين، لكنهم في الواقع متواطئون بشدة في ترسيخ الوضع الراهن".

ويضيف: "هؤلاء لم يكونوا مستعدين للقيام بأي شيء قط لدعم حل الدولتين الذي سيضعهم في صراع مع الحكومة الإسرائيلية بطريقة أو بأُخرى. وقد أصبح هذا الموقف ورقة التين لهذا الوضع الراهن، وهو أمر لا يمكن الدفاع عنه أخلاقياً، وأخشى أنه قد يتحرك في نهاية المطاف نحو الطرد الجماعي للسكان الفلسطينيين".

ويشير بينارت في لقاءاته إلى أن الانقسام بين الأجيال (بين اليهود الأميركيين) قائم منذ فترة طويلة، خارج المجتمعات المتدينة لأسباب عدة، كما أن اللحظة التاريخية الحالية في الولايات المتحدة، التي يقودها غالبًا الشباب، والعديد من اليهود جزء من ذلك، مواتية لهذا الاتجاه كي يزداد قوة وزخماً.

ويعتقد بينارت أنه مع تراجع حل الدولتين كخيار مقبول، على الرغم من أن الديمقراطيين الأميركيين التقدميين لن يخرجوا في القريب العاجل للإعلان أنهم تخلوا عن حل الدولتين لعدم إمكانية تحقيقه، فإن الخطاب سيتغير. سيبدأ الديمقراطيون في الحديث أكثر عن الحقوق والمساواة، بدلاً من الحديث عن نوع معين من تشكيل الدولة.

ويشير بينارت إلى "إنه إذا عدت إلى إدارة أوباما، فإن الكثير من الخطاب كان ولا يزال: نعارض المستوطنات ونعارض الضم، لأننا يجب أن نحافظ على إسرائيل كدولة يهودية". إنها ليست حقًا لغة حقوق الإنسان. إنها في الغالب لغة المصلحة الذاتية لليهود كما يتخيلونها".

ويقول: "لقد قام (المرشح) بيرني ساندرز بالفعل بالكثير من العمل المهم حقًا والآن تقوم النائبة إسكندرية أوكاسيو كورتيز ببعض من ذلك أيضًا. أعتقد أن الخطاب يمكن أن يتحول أكثر نحو خطاب الحقوق. يمكن أن يتحرك الحزب الديمقراطي، خاصة التيار التقدمي فيه في اتجاه مختلف".

ويضيف: "يجب أن يكون هناك اعتقاد عميق بأن الفلسطينيين هم بشر، ولديهم حقوق غير قابلة للتصرف، ويجب احترام هذه الحقوق".

ويتعرض بينارت لانتقادات شديدة جدة وتهديدات طائلة، واتهامات بأنه "اليهودي المعادي للسامية" بسبب تصريحاته.