"المقيقة".. شراب الأجداد يُكافح للبقاء

رام الله- تقرير خاص بـ"القدس" دوت كوم- لا يزال شراب "المقيقة"، وهو شراب الخروب الأخضر ممزوجاً بحليب الماعز الطازج، يحافظ على أصالته ويواصل الأهالي في محافظتي سلفيت وقلقيلية خاصة، على إعداده في كل عام، حين يبدأ موسم الخروب الأخضر إلى حين نضوجه بشكل كامل.

شراب التراث والزمن الجميل

تستذكر الثمانينية شريفة كوكش "أم مايز" من بلدة دير استيا، شمال سلفيت، أياماً جميلة كانت تعد فيها هذا الشراب اللذيذ لأبنائها حينما كانوا صغاراً، وهي تواصل برغم كبر سنها إعداده وتناوله، وما زال هذا الشراب مخلداً في ذاكرتها.

تقول "أم مايز" لـ"القدس" دوت كوم: "كنت أُعد (المقيقة) بعد قطف الخروب الأخضر ودقه حتى يصبح مهروساً، وبعد ذلك تصفيه بواسطة قطعة قماش، بعدها كنت أفصل سائل الخروب عن بقايا الثمار، وأضيف إليه حليب الماعز طازجاً، وأُحركهما سويةً، وأُضيف إليه السكر بحسب الرغبة، فهذا الشراب أصبح تراثاً جميلاً بالنسبة لي".

أما السيدة أنسام عبد الله، من بلدة دير استيا شمال سلفيت، فإنها تصر لغاية الآن على الحفاظ على إعداد شراب المقيقة، وتحاول أن تسترجع ذكريات إعداده لأبنائها كما كانت تصنعه أُمها، برغم عدم توفر الخروب كما كان سابقاً، وفق ما توضح لـ"القدس" دوت كوم.

وتطلب أنسام ممن يزرعون أشجار الخروب القليل من الخروب الأخضر كي تجهز هذا الشراب، وتحاول كل عدة سنوات إعدادها، ولقد كان شراب المقيقة يُعد قديماً وجبه صباحية، حيث تقول أنسام: "كانت المقيقة تشرب وتأكل مع الخبز في الصباح، أو تؤكل كنوعٍ من أنواع الحلوى".

شراب الرعيان اللذيذ

وكان الرعيان يقطفون الخروب الأخضر ثم يهرسونه في تجويف داخل الصخر بالجبال إلى أن يخرج منه سائل لزج أبيض يسمى "المقوق"، ثم يُصفى بقطعة قماش ويضاف إليه الحليب بعدما يحلبونه من الماعز، ويكون الحليب فاتراً بدرجة حرارة حين نزوله من ثدي الماعز، ويحرك حتى يصبح لزجاً وجامداً بشكل تلقائي، وقد يضاف إليه السكر بحسب الرغبة.

وشراب "المقيقة" يشتهر بإعداده الرعيان قديماً حينما كانوا يصنعونه في المراعي وتحت أشجار الخروب، إذ كانوا يعدونه بموسم الخروب الأخضر ما بين شهر أيار إلى تموز من كل عام، وحالياً أصبح تراثاً يعد في المنازل ويهرس في الخلاط الكهربائي ويسخن الحليب على الغاز، يشير المواطن عبد الله جودة "أبو بشار"، في حديثه لـ"القدس"دوت كوم.

بالنسبة لـ"أبي بشار"، فإن شراب المقيقة لذيذ، وهو يمتلك شجرتي خروب في بلدته عزون شرق قلقيلية، ويصنع منهما "دبس الخروب" اللذيذ والمفيد صحياً، ويصنع من دبس الخروب وجبات وحلويات تعدها الأمهات على مائدة المنزل، والخروب له مصدر دخل، ويمكن أن يعتاش بعض المزارعين منه، وقد يصل سعر الكيلو الواحد منه أكثر من عشر دولارات.

كانت والدة "أبو بشار" تعد شراب المقيقة لأطفالها، وحينما كبر وتزوج "أبو بشار"، أصبحت زوجته تعده له ولأطفالهما، ويتناوله عادة مرتين بالسنة بحسب الظروف، لقد حافظ "أبو بشار" على تراثٍ نقله عن والدته.

أصل تسمية "المقيقة"

ربما أخذت كلمة "المقيقة" نسبة إلى إطلاق العامية هذا المصطلح على الشيء "الرخو" أي الذي يأتي ما بين المائع والجامد، ولا أحد يعرف السبب الرئيسي لهذه التسمية، يوضح الباحث في التاريخ والتراث عبد العزيز عرار، لـ"القدس"دوت كوم، مشيراً إلى أن "المقيقة" كانت مشتهرة قديماً لعدم وجود مشروبات وحلويات بكثرة كما هو الحال الآن.

ويعتقد الباحث في مجال التراث نمر عدوان خلال حديثه مع "القدس" دوت كوم، أن المقيقة جربها الرعيان بادئ الأمر وكانت بمتناولهم في المراعي، لتنتشر بين الناس بعد ذلك، إذ إن شجر الخروب منتشر في فلسطين، وساحل البحر الأبيض المتوسط، وأينما يوجد خروب كان شراب المقيقة موجوداً.

الخروب مصدر رزق جيد

بالنسبة لمحمد شببيطة "أبو حمزة" من بلدة عزون، فإن الخروب مصدر رزق جيد له، وقد يقطف "أبو حمزة" ثمار الخروب بعد نضوجه أو يشتريه من المزارعين الذين يمتلكون أشجاراً، ويصنع منه دبس الخروب، وربما يصنع منه شراب الخروب.

بدايةً يقطف "أبو حمزة" الثمار أو يجمعها من المزارعين، ثم يجففها تحت أشعة الشمس ويطحنها جيداً، وبعد ذلك يتم نقع الخروب بالماء، بعدها يتم تصفيته، ثم يضعه بإناء كبير ويغلى على النار، إلى أن "يعقد" أي يصبح جامدا ويصبح "دبساً" أو قد يطلق عليه "رُبُّ" الخروب.

من جانبه، يؤكد مسؤول العلاقات العامة في بلدية عزون حسن شبيطة لـ"القدس"دوت كوم، أن عزون والقرى المحيطة بين سلفيت وقلقيلية تشتهر بزراعة أشجار الخروب حيث توجد نحو ألف شجرة خروب، فشجرة الخروب ثمارها لذيذة ويستظل الناس، ومنه يصنع شراب المقيقة، ورب الخروب، وبعض الحلويات، والعصير.

وشجرة الخروب موسمية دائمة الخضرة ورقها عريض مدور وتمنح الظل القوي في فصل الصيف، وقد تعطي الشجرة الواحدة ظلا بمساحة 500 متر.

فوائد صحية..

وإضافة إلى لذة الخروب وطعمه المميز ودخوله في كثير من الأطعمة والحلويات على المائدة، لكن تبدو الفوائد الصحية للخروب مهمة أيضا، فهو مفيد لمن يعانون ارتفاعا في ضغط الدم، لكن يجب الانتباه في تناوله لمن يعانون من مرض السكري، يوضح اختصاصي التغذية العلاجية والصحة العامة وعضو الجمعية الأمريكية للتغذية، أسامة صلاح، في حديثه لـ"القدس".

والخروب الأخضر أليافه مفيدة، بينما الخروب الجاف بشكل عام، مليء بالحديد والبوتاسيوم، وهو يقي من أمراض ضغط الدم ومفيد لتعديل الكلسترول في الدم، ومفيد كذلك لعضلة القلب والشرايين وأمراضهما، فيما يشير صلاح إلى أن كثرة تناول الخروب وخاصة عصيره قد يسبب الإسهال، ولذا فهو مفيد لمن يعانون من الإمساك ومضاعفاته أو من لديهم مشاكل في الجهاز الهضمي.