د. سماح جبر تتحدث لـ"القدس" دوت كوم عن أساليب تعزيز مصابي كورونا نفسياً

- الطواقم الطبية المصابة قد تكون أكثر عرضةً للضغط النفسي

- المعلومات الصحية غير الكافية تزيد شعور المصابين بالقلق

تقرير خاص بـ"القدس" دوت كوم - مع ارتفاع حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد "كوفيد 19"، يزيد القلق منه، وما يزيد القلق أكثر التعرض للإصابة بالفيروس، وهو أمر يوقع المصابين تحت ضغط نفسي يحتاج إلى تدخلٍ علاجيّ، وهو أمرٌ يُحمل المسؤولية للطواقم المتخصصة.

توضح مديرة وحدة الصحة النفسية في وزارة الصحة الدكتورة سماح جبر، لـ"القدس" دوت كوم، أنه لا بد من الانتباه إلى وجود مستويات مختلفة من الحجر، كوجود إغلاق للمدن والطلب من الناس البقاء في بيوتهم، وهو يسمى "الحزام الصحي"، أو إغلاق منطقة معينة كتلك التي يتفشي فيها وباء كورونا، والطلب من الناس البقاء في بيوتهم، وهذا أسهل أنواع الحجر الصحي، فيبقى المحجور في منطقة مألوفة له، وهناك نوع من الحجر للمخالطين للمصابين أو المشكوك بإصابتهم ويُطلَب منهم الحجر 14 يوماً في فنادق أو مراكز حجر للتأكد من إصابتهم أم لا، علاوةً على وجود مستوى أعلى من العزل الطبي للناس المؤكدة إصابتهم، وهم بحاجة إلى مراقبة طبية حول وجود أعراض طبية أم لا.

وتؤكد جبر أنه "كلما اشتد مستوى العزل، زادت الأعراض النفسية، وبالذات إن كان الشخص مصاباً ويترقب الأعراض"، مشيرة إلى أنه "توجد أمور تجعلنا ننتبه لوجود آثار نفسية ناتجة عن الحجر على الإنسان كوجود معاناة نفسية أساساً للإنسان المصاب، والدراسات تبين أنه كلما زادت شدة العزل وكانت البيئة غير مألوفة وكان هناك خطر طبي أكثر، زاد الأثر النفسي".

ووفق جبر، فإن هناك أمراً غريباً، وهو أن حجر الأشخاص العاديين أسهل من حجر الأشخاص الذين يعملون في القطاع الطبي، "فالأثر النفسي عليهم أكبر، لأنهم ربما معتادون أن يكونوا على مستوى من الحرية والحركة أكبر، أو لأنهم يستبعدون الإصابة أكثر من غيرهم، أو يشعرون بالوصمة أكثر بأنهم أصبحوا مصابين ويتسببون بالعدوى للآخرين".

أعراض نفسية قد تظهر على المصابين بكورونا

أما الأعراض الأكثر شيوعاً، التي من الممكن أن تصيب المصابين، بحسب جبر، فهي: "الغضب، والملل، والإحباط، والانزعاج من فقدان الروتين"، مشيرة إلى أن تلك الأعراض تزيد كلما قلّ التواصل الاجتماعي والمادي مع الآخرين.

وهناك أعراض اضطراب نفسي تصيب المصابين، وهي ما بعد الصدمة بالإصابة، خاصة من لديهم أعراض مرضية، فيتملكهم الخوف الكبير، ويصبحون يفكرون بأسوا الاحتمالات للإصابة، حتى بعدما يخرجون من الحجر تدوم عليهم الأعراض النفسية لفترة تصل بين أربعة أشهر إلى ستة.

أُمور تزيد من الضغط النفسي

ومن أكثر الأمور المرتبطة بالمضاعفات النفسية أثناء الحجر: نقص التواصل الاجتماعي والمادي مع الآخرين، ونقص الإمدادات الأساسية كالطعام والماء والملابس ومعجون الأسنان، وفق جبر، التي تؤكد أن هذه الاحتياجات الشخصية إذا كانت سيئة وضاغطة ستكون شكوى المصابين والمحجورين أكثر، والأثر النفسي أكبر، فيما تشير جبر إلى أن البعض اشتكى من سحب هاتفه خلال الحجر، "لكن، لا بد من زيادة التواصل الاجتماعي بدلاً من ذلك، وهذا أمر يعني وجود إجراءات غير سليمة في بعض الأماكن".

وتشير جبر إلى أنه من الأمور التي تزعزع وتخوف المصابين أو المشكوك بإصابتهم وجود معلومات غير كافية عن حالتهم الصحية، فعدم الوضوح والضبابية في المعلومات والإجراءات تُقلق الناس، وتزيد من استشعارهم للخطر، "لذا من التدخلات الجيدة أن نوفر لهم معلومات صحيحة حول وضعهم الصحي".

وتقول جبر: "هناك ضغوط نفسية وشعور باللوم والتقصير الذاتي، حينما يُصاب رجل أعمال ويُحجر لمدة 14 يوماً أو شهر، ما يجعله يفكر بتقصيره مع عائلته، والخسارة المالية التي من الممكن أن يتكبدها بسبب الحجر، وبعض الناس كانوا منزعجين بأنه صار يُشار إليهم بأنهم متسببون بالعدوى للآخرين، لأن هذه العدوى مرتبطة نوعاً ما بسلوكياتنا وتصرفاتنا، واللوم له وزن كبير، ما قد يُشعر المصاب بالضيق النفسي، وقد يتعرض المصابون حتى بعد تعافيهم للرفض والتجنب من قبل الآخرين".

أُمور لا بد منها للتخفيف النفسي عن المصابين والمحجورين

وهناك أُمور لا بد من تنفيذها، وفق جبر، للتخفيف من الآثار النفسية للحجر، بحيث يكون الحجر الصحي قصيراً قدر الإمكان بحدود المعلومات العلمية والطبية، كما أن الناس بحاجة إلى أن يتم التواصل معهم ليس من باب الشفقة أو الخوف، بل لا بد من التواصل معهم بحيث يقضون وقتاً جيداً ومفيداً داخل الحجر وفق برنامجٍ يجمع بين التسلية والإنتاجية، والتواصل مع الأقارب والأصحاب لتشتيت الانتباه وترقُّب أعراض المرض والمخاوف الناتجة عن ذلك.

وتتابع جبر: "على الطاقم الطبي الذي يدير عملية الحجر أن يكون بقدر الإمكان واضحاً ودقيقاً، ويوفر معلومات تساعد الإنسان على أن يكون متصلاً بالواقع، وليس من الجيد أن لا يكون الإنسان مدركاً للأعراض والتوقعات من الحالة الصحية له".

ولنوعية الأكل والشرب والاحتياجات الشخصية أهمية كبرى، فيجب توفيرها جميعها، علاوة على أن وجود وسائل تواصل اجتماعي وجروبات لتقليل الملل وتحسين الاتصال وخلق شبكة اجتماعية معينة بين المصابين أمر مفيد، "ولا بد من الانتباه إلى أن العائلة جميعها أحياناً تُحجر مع بعضها، وجميعهم مضغوطون، ويزيد اللوم بينهم، ويزيد الانزعاج أو يختلفون مع بعضهم، ولا بد من الانتباه لوجود سيطرة من المسؤولين عن الحجر وإدراك أنهم مضغوطون".

وتؤكد جبر ضرورة الانتباه إلى أنه في حال وجود أعراض طبية، فإنه يتوجب توفير كل العلاج الطبي اللازم، وأن يشعر المصابون أن الطاقم الطبي المسؤول عنهم يدير المسألة بكفاءة.

وتشدد جبر على أن من الأدبيات في الطب النفسي إدارة الضغط النفسي داخل الحجر من خلال التركيز على الإيثار والمسؤولية الشخصية، وليس إشعار المحجورين بأن الإجراءات مفروضة عليهم بشكل قهري وإلزامي، بل لا بد من استثارة ضميرهم نحو المسؤولية تجاه الخارج واستثارة مشاعر الإيثار، وذلك أنجع من الشعور القهري، ووطأته النفسية أقل، ويُشعر المحجورين بأنهم أحرار بالتصرف ويختارون المسؤولية تجاه المجتمع بدل شعورهم بالإلزام القهري، ما يساعدهم على الحفاظ على حالتهم النفسية.

برنامج تدخل نفسي في مراكز العزل والحجر

وبالرغم من أهمية التدخل النفسي مع المحجورين، فإن د.سماح جبر تُقر بأن الإجراءات العملية لوزارة الصحة تأخرت بإدراك أهمية التدخل والإجراءات النفسية في أماكن العزل والحجر، وتقول: "رغم ذلك، بذلنا جهوداً جيدة في هذا المجال، وهناك موافقة على البدء بتدريب طواقم الممرضين والاختصاصيين النفسيين والأطباء في المعازل والمحاجر".

وتوضح جبر: "سوف نقوم بتدريبهم على أمرين: الأول كيف يميزون الحالات النفسية للناس ويقدمون لهم الخدمة النفسية، ومن ضمنها الإسعاف النفسي الأولي، والأمر الآخر كيف يعتنون بذواتهم نفسياً أثناء عملهم ويميزون أعراض الإجهاد النفسي، ويطلبون المساعدة إن احتاجوا إليها".

وتضيف: "لقد رتبنا لهم مع مجموعة من المتطوعين العاملين في مجال الصحة النفسية، بحيث نشبك العاملين داخل المحاجر ببعض الاختصاصيين النفسيين في الخارج، والحقيقة أنا فخورة بهذا البرنامج للتدخل لأنه فريد من نوعه، ومصمم لهذه التجربة الاستثنائية التي نعيشها في فلسطين".