الفلسطينيون والاسرائيليون يخلقون رؤية مشتركة جديدة

بقلم: جرشون باسكين*

بينما كنت قائدا شابا في الحركة الصهيونية الشبابية في السبعينات، تعلمنا أهمية العمالة اليهودية. كنت أقرأ وبشغف كتابات ارون ديفيد جوردون واخرين آمنوا بأن الاشتراكية هي الطريق الأمثل لخلق مساواة بين اليهود في الوطن الجديد. والذين كانوا يدعون الى تبني مباديء العمالة اليهودية من اجل خلق ما يسمى بـ " اليهودي الجديد" أي الشخص المرتبط بالأرض كأي شعب طبيعي.

وحين تبنينا ايديولوجية الهجرة الثانية والثالثة (1905 – 1914) - موجات من الهجرة اليهودية الى ارض اسرائيل - كان الكيبوتس في مركز هذه الايديولوجية وأساس القيم النبيلة التي شكلت هويتنا. ولم نتوقف للحظة عن التفكير في تأثير "العمالة اليهودية" على السكان الفلسطينيين والذين تم استثنائهم من التطوير الاقتصادي والفرص الاقتصادية بدعوى تلك المباديء الصهيونية النبيلة. وكان الرد الصهيوني الاشتراكي على سياسات العمالة للهجرة الأولى بأن العمالة العربية قد تزيد الأرباح ولكن يجب توظيف اليهود من أجل ربطهم بالأرض. وكان ذلك دافعا لمظاهرات وعنف مما قوى القرار اليهودي بعدم توظيف العمالة العربية وهكذا بدأت الحواجز الأولى من الخوف والاستقصاء بين اليهود والعرب.

ولكن اليوم ، وفي الواقع الحاضر، عندما أرى شركات يهودية في اسرائيل تتفاخر بتوظيف العمالة اليهودية ، انظر اليهم بازدراء لأنهم يغذون التمييز العنصري في دولة يفترض أنها ديمقراطية. ومع أن هذا الأمر يعتبر مقبولا وشرعيا وحتى عند اليسار الاسرائيلي، أذكر اجتماعات لقيادة السلام الآن في الثمانينات كانت قلقة من اقتراح مشاركة مواطنين عرب في اسرائيل بالمظاهرات التي تنظمها الحركة من منطلق أنها ستخفف من تأييد اليهود المعتدلين في المجتمع الاسرائيلي.

وهذا ما رأيته أيضا خلال جولات الانتخابات الثلاث الماضية العام الماضي في رفض اشتراك او حتى تأييد من خارج التحالف القائمة المشتركة والتي تشكل 90% من المواطنين الفلسطينيين في اسرائيل. وكيف سيكون التفاعل مع هذا الموضوع لو ان نفس الشيء حدث في بلد آخر ، في اوروبا او اميركا مثلا ، وكان الحديث عن يهود وليس عن عرب؟

في العام 1975 حين بدأت أويد فكرة الدولتين لشعبين ، كنت اتصور دولتين تعيشان جنبا الى جنب بتعاون وثيق على الحدود وبعاصمة مشتركة في القدس. وبقيت اتبنى هذه النظرة لأكثر من أربعين عاما وعملت كل ما بوسعي من أجل تطوير تعاون بين الطرفين والذي هو برأيي السبيل الوحيد من اجل السلام الحقيقي. ان الجدران والسياج ونظام الفصل أو الطلاق كما يسميه البعض، (مع انه لم يحدث زواج أساسا) لا يحقق السلام ولا يلهم التأييد!

خلال سعيي ورحلتي لتحقيق الرؤية الجديدة والمباديء الملهمة في زرع الأمل وبناء مستقبل افضل، كانت تعرض علي افكار ايجابية كثيرة وكنت أتفاجأ احيانا، في الحقيقة، من الكم الهائل للمقترحات التي كان يشاركها معي اشخاص من الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي ومن اليمين واليسار.

ومع انه ليس لدي الأن روية واحدة واضحة الا اني اود ان اشارككم بعض الافكار التي تصلني. وقد استلمت منذ عدة ايام رسالة من شابة فلسطينية تعيش في مخيم لاجئين في الخارج، وهي كغيرها من الشابات الفلسطينيات تبعث في الامل فهي مثل الكثيرات تكافح من اجل ايجاد مكان لها في مجتمعها. وانا على قناعة بأن كفاح النساء الفلسطينييات من اجل تطوير الذات سيكون له تأثير كبير على الثقافة السياسية الفلسطينيية.

وبينما لا استطيع القول اني أويد هذه الرؤية تماما الا اني اجدها ملهمة: اعلان رؤية لمشاركة الفلسطينيين والاسرائيلين أرض واحدة.

" نحن الموقعون ادنا، فلسطينييون من دولة اسرائيل حاليا، القدس الشرقية، الضفة الغربية، غزه والشتات، نريد ان نعرض رؤية واضحة وممكنة لمجتمع عادل، شمولي ، متقدم ومشترك للفلسطينيين والاسرائيليين على أرض واحدة وهي ارض فلسطين ما قبل 1948.

بدل المطالبة بدولة ، والتي كانت اهتمام القيادة الرسمية لعقود، فاننا نطالب بحقوق انسانية ومدنية، عدالة وكرامة ضمن مستقبل مشترك للشعبين معا في امن حرية ورخاء.

رؤيتنا مبنية على القيم الانسانية ولا نسعى لأكثر من تطبيق كامل للاعلان العالمي لحقوق الانسان لكل شخص في فلسطين التاريخية.

وندعو الى قيام مجتمع متعدد الاديان والثقافات في دولة ديمقراطية علمانية ونرفض اي ايدلوجية دينية او سياسية تعارض تلك المباديء الأساسية.

ونعلن المباديء الأساسية لرؤيتنا:

• نحن نتفهم الانتماءات التاريخية والثقافية والدينية للشعب اليهودي في كافة انحاء العالم الى هذه الأرض وايضا نعترف بأن تلك الانتماءات لا تستقصي غيرها. لدينا تاريخ سلبي على هذه الأرض ولكن يمكن ان يكون لنا مستقبل ايجابي.

• يجب الاعتراف بالاضطهاد التاريخي الذي تعرض له الشعب اليهودي وحقه في ان يكون له ملجأ آمن كما يجب الاعتراف بأن هذا الحق لا يمكن ان يكون على حساب شعب اخر. نحن نؤمن بمجتمع يضمن الكرامة والأمن والأمان لكل اعضاء المجتمع بغض النظر عن عرق او دين.

• تقوم العدالة المجتمعية على احترام القانون والمساواه بين كل المواطنين وضمان الحرية لكل انسان بغض النظر عن العرق والدين والجنس والميول الجنسية.

• ان الديمقراطية هي الطريق الأمثل من اجل تحقيق تمثيل عادل لكل افراد المجتمع على ان يكون هذا التمثيل الديمقراطي خاليا من اي مصالح قبلية او عرقية.

• التقدم الحقيقي ممكن فقط من خلال الحوار وهو الوحيد القادر على تحقيق وضمان حرية الرأي والتعبير.

• لا يمكن التسامح مع اي نوع من التحريض.

• التقدم العلمي يزدهر فقط في دولة علمانية.

• ان العنف يولد العنف ويجب تنظيم حمل واستخدام السلاح من اجل سلامة الجميع.

• يعتبر التعليم الفعال اساسيا من أجل تحقيق هذه الرؤية ويجب ان يتم توجيه كل الجهود التثقيفية والتعليمية من اجل محو الخوف والكراهية الموجهه والمتأصلة خلال العقود الماضية.

*الكاتب ريادي سياسي واجتماعي كرس حياته من اجل دولة اسرائيل والسلام بين اسرائيل وجيرانها. تم نشر كتابه الاخير " بحثا عن السلام في اسرائيل وفلسطين" في مطبعة جامعة فانديربلت وهو متوفر الآن في اسرائيل وفلسطين وسيتم طرحه باللغة العربية قريبا في عمان وبيروت.