اليونسكو تعتمد قرارين هامين لصالح فلسطين

بقلم: المحامي علي ابوهلال

في تطور إيجابي جديد اعتمد المجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “اليونسكو” في دورته 209 المنعقدة في باريس في السادس من شهر تموز الجاري، بالإجماع قرارين بعنوان " فلسطين المحتلة والمؤسسات التعليمية والثقافية في الأراضي العربية المحتلة”.

ويأتي هذان القراران في اعقاب القرارات الهامة التي اتخذتها “اليونسكو” خلال السنوات الماضية لصالح فلسطين، ويتضمن قرار” فلسطين المحتلة” على عدة أجزاء وهي: القدس القديمة، والحرم الإبراهيمي في الخليل ومسجد بلال بن رباح في بيت لحم، وإعادة بناء وتنمية غزة، وبعثة الرصد التفاعلي لبلدة القدس القديمة.

أما قرار “المؤسسات التعليمية والثقافية في الأراضي العربية المحتلة” يحتوي على جزئيين، الأول يخص المؤسسات التعليمية والثقافية في فلسطين المحتلة والثاني يخص تلك المؤسسات في الجولان السوري المحتل.

وطلب المجلس التنفيذي للمنظمة من المديرة العامة “لليونسكو” التي تبنت تقديم صيغة القرارين، تقديم تقرير متابعة متعلق بما تناولته القرارات السابقة من انتهاكات الاحتلال ضد التراث والأماكن التاريخية والمؤسسات التعليمية والثقافية في فلسطين المحتلة. ومن الجدير بالذكر أن القرارين يؤكدان على جميع المكتسبات السابقة التي تم تثبيتها في ملفات القدس والخليل وبيت لحم وكذلك فيما يخص المؤسسات التعليمية والثقافية.

وأعاد قرار “فلسطين المحتلة” وملحقاته تأكيد الرفض للانتهاكات والإجراءات الإسرائيلية أحادية الجانب وتطالب بوقف تلك الانتهاكات والإجراءات أحادية الجانب وغير القانونية. وأعاد تأكيد الرفض للانتهاكات الإسرائيلية ضد مواقع التراث العالمي في فلسطين بما في ذلك المسجد الأقصى المبارك والحرم الإبراهيمي.

كما يؤكد على بطلان جميع الإجراءات الإسرائيلية الرامية لتغيير الطابع التاريخي لمدينتي القدس والخليل، ويعرب عن الأسف الشديد لفشل إسرائيل، القوة القائمة بالاحتلال، في وقف أعمال الحفر وإقامة الأنفاق وكل الأعمال غير القانونية الأخرى في القدس المحتلة وفق قواعد القانون الدولي.

ويطالب بضرورة الإسراع في تعيين ممثل دائم للمديرة العامة في البلدة القديمة للقدس لرصد كل ما يجري هناك في مجالات اختصاص المنظمة، ويدعو أيضاً لإرسال بعثة الرصد التفاعلي من اليونسكو لمراقبة جميع انتهاكات سلطات الاحتلال الإسرائيلي في القدس القديمة.

ومن الأهمية بمكان الإشارة الى القرارات السابقة التي اتخذتها اليونسكو لصالح فلسطين، ومن أبرزها:

اتخذت أول قرار لها بخصوص القدس عام 1956، وجاء ذلك بعد نحو ثماني سنوات من ضم إسرائيل الشطر الغربي منها، ونص القرار على اتخاذ جميع التدابير من أجل حماية الممتلكات الثقافية في المدينة في حال النزاع المسلح.

وفي عام 1968 اتخذت اليونسكو قرارا يؤكد على القرار السابق، كما دعا القرار إسرائيل إلى الامتناع عن إجراء أي حفريات في المدينة أو نقل للممتلكات أو تغيير لمعالمها أو ميزاتها الثقافية.

وفي عام 1974 اتخذت اليونسكو قرارا قضى بالامتناع عن تقديم أي عون ثقافي وعلمي للإسرائيليين بسبب ممارساتهم في القدس.

وأصدر المؤتمر العام لليونسكو في عام 1978 قرارين مهمين بخصوص القدس، أولهما توجيه نداء عاجل إلى إسرائيل لكي تمتنع عن كافة الإجراءات التي تحول دون تمتع السكان العرب الفلسطينيين بحقوقهم في التعليم والحياة الثقافية والوطنية، وثانيهما يدين إسرائيل لتغييرها معالم القدس التاريخية والثقافية وتهويدها.

وبين عامي 2005 و2006 اتخذت اليونسكو قرارات نصت على القيمة الاستثنائية لمدينة القدس وأسوارها، ووضعتها على لائحة التراث العالمي المهدد بالخطر. وأشارت إلى العقبات التي تضعها إسرائيل لتحول دون صون التراث الثقافي.

وفي عام 2016 أدرجت اليونسكو 55 موقعا تراثيا في العالم على قائمة المواقع المعرضة للخطر، ومنها البلدة القديمة في القدس المحتلة وأسوارها، مما خلف غضبا واستنكارا إسرائيليا.

وتبنت في عام 2016 خلال اجتماع بالعاصمة الفرنسية باريس في شهر تشرين الأول- قرارا نفى وجود ارتباط ديني لليهود بالمسجد الأقصى وحائط البراق الذي يسميه اليهود "حائط المبكى"، واعتبرهما تراثا إسلاميا خالصا.

وفي عام 2017 صوّت المجلس التنفيذي لليونسكو على قرار يؤكد قرارات المنظمة السابقة باعتبار إسرائيل سلطة محتلة للقدس، ويرفض سيادة إسرائيل عليها.

يتضح من خلال القرارات السابقة أن اليونسكو كانت على الدوام المنظمة الدولية التي تقف إلى جانب فلسطين، وتدعم الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطينية، انطلاقا من التزامها الكامل بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ما أغضب الولايات المتحدة وإسرائيل التي اعتبرت المنظمة منحازة لصالح فلسطين، حيث قررت كل منهما الانسحاب من المنظمة ووقف دعمهما المالي لها.

وتعود خلفية الانسحاب من اليونسكو إلى عام 2011. في ذلك الوقت، أصبحت اليونسكو أول منظمة تابعة للأمم المتحدة تقبل فلسطين كعضو كامل العضوية. ونتيجة لذلك، توقفت إدارة أوباما عن دفع مساهماتها السنوية، التي تمثل حوالي 22 بالمائة من الميزانية الإجمالية للمنظمة. فهناك قانون أمريكي ينص على قطع الأموال عن المنظمات التابعة للأمم المتحدة، عندما تعترف بفلسطين كعضو كامل العضوية. كما أوقفت أيضا إسرائيل مساهماتها في اليونسكو. وفي شهر تشرين أول/ أكتوبر عام 2017 أعلنت الولايات المتحدة الخميس، انسحابها من اليونسكو متهمة إياها بأنها "معادية لإسرائيل"، وعلى الإثر أعلنت إسرائيل انسحابها من المنظمة. وبانتهاء عام 2018، دخل انسحاب أمريكا وإسرائيل من منظمة اليونسكو حيز التنفيذ.

لا شك أن منظمة اليونسكو ظلت وفية لفلسطين طوال السنوات الماضية، وقد اتخذت قرارات هامة لصالح القضية الفلسطينية، واعتبرت أن إسرائيل هي السلطة القائمة بالاحتلال، وأدانت كل الإجراءات والسياسات والممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك داخل مدينة القدس المحتلة. وعلى الرغم من عدم تطبيق هذه القرارات الهامة بسبب رفض إسرائيل "السلطة القائمة بالاحتلال"، الالتزام بالقانون الدولي، وقرارات الشرعية الدولية، مدعومة بذلك من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، ولكون اليونسكو تفتقد السلطة التنفيذية لفرض تطبيق قراراتها، إلا أن تلك القرارات تكتسب أهمية كبيرة كونها صادرة عن أحدى المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة، التي تشكل مرجعا هاما في إطار المنظومة الدولية للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، الواجبة التطبيق في هيئات الأمم المتحدة والقضاء الدولي، ولدى المحكمة الجنائية الدولية المختصة بالنظر في الجرائم التي ترتكبها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

*محاضر جامعي في القانون الدولي