كيف نعزز استراتيجيتنا الفلسطينية ضد الاحتلال؟!

بقلم: ماهر حجازي

نخوض نحن الفلسطينيين منذ احتلال فلسطين عام 1948، حربا ومواجهة مفتوحة مع الاحتلال الإسرائيلي، سياسية وإعلامية وقانونية وشعبية وعسكرية، السمة الغالبة في هذه المواجهة يكون شعبنا الفلسطيني في مربع الدفاع وردة الفعل ومواجهة التهديدات الإسرائيلية والخطوات التصعيدية على الأرض وفي الميدان، أقول شعبنا الفلسطيني وأقصد جميع مكوناته السياسية والفصائلية والشعبية من السلطة الفلسطينية والفصائل والمؤسسات والتجمعات والمؤتمرات والشخصيات بكافة ألوانها التنظيمية والمستقلة. وأشمل بذلك شعبنا الفلسطيني في داخل فلسطين وفي الخارج ومخيمات الشتات ودول اللجوء وفي أي بعقة وصل إليها الفلسطينيون حول العالم.

قليلة هي المعارك السياسية أو الشعبية أو الإعلامية أو العسكرية أيضا، التي يأخذ فيها شعبنا الفلسطيني القرار بالمبادرة وإطلاق جولات هذه المعركة مع الاحتلال. يسجل هنا للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة عدة مواجهات عسكرية مع الاحتلال، كانت هي من أطلقت هذه المواجهة من مربع الهجوم لا الدفاع، بمعنى أنها لم تكن ردا على اعتداء إسرائيلي.

اليوم الحالة الفلسطينية بشكل عام مصابة بعقدة الدفاع وتلقي الضربات بدلا من المبادرة في توجيه دفة العمل الفلسطيني ومباغتة الاحتلال الإسرائيلي بخطوات هجومية تصيبه في مقتل، وتحقق انتصارا في جولة من هذه الحرب المفتوحة معه، الكل الفلسطيني يتخندق اليوم في إطار تلقي الضربات الإسرائيلية، فما أن يسمع الفلسطينيون عن خطة إسرائيلية تستهدف حقوق شعبنا المشروعة في أرضه ومقدساته، تُسنُ سيوف البيانات الصحفية وتقرع طبول السوشيال ميديا، وتتسارع الندوات والمحاضرات للتحذير والتنبيه من الخطر القادم والبحث في أليات مواجهته، وتزدحم الميادين بالوقفات والتظاهرات، كل ذلك انطلاقا من سياسة الدفاع التي نتخندق خلفها فلسطينيا.

التعبير عن المواقف الفلسطينية أمر مهم، والاهتمام بالإعلام الرقمي في مواجهة الاحتلال غاية في الأهمية، والتوعية بمخاطر المشاريع الإسرائيلية ومحاربتها صلب القضية، وأن تكون الساحات والشوارع تغص بالمدافعين عن فلسطين وترفض الاحتلال مهم أيضا ولا نختلف في ذلك، الاختلاف أن يكون جميع ما سبق ينطلق من عقلية ردة الفعل وليس الفعل نفسه، واليوم نعيش نموذجا مشابها تماما لما أتحدث عنه.

قرار الضم الإسرائيلي للأغوار ومناطق في الضفة الغربية، الذي لم يعلن عنه رسميا بعد من قبل حكومة الاحتلال الإسرائيلي، جوبه برفض فلسطيني مهم وكبير، سواء من حيث الموقف الفلسطيني الموحد في رفضه ومواجهته، أو من خلال حجم الفعاليات السياسية والشعبية والحملات الإعلامية التي أطلقت لإسقاط قرار الضم الإسرائيلي، نتنياهو كان أعلن سابقا أن قرار الضم سيبدأ فعليا مع بداية شهر تموز يوليو الجاري، لكن الإعلان لم يحدث وتم تأجيله. الكثير ربما اعتقدوا أن قرار التأجيل كان بسبب حجم الرفض الفلسطيني والعربي والأوروبي والدولي له، باعتباره مخالفا للعديد من القوانين الدولية ومهددا لعملية السلام المزعومة.

لا شك أن حجم ردة الفعل الكبيرة فلسطينيا وعربيا وأوروبيا على قرار الضم، كانت من ضمن أسباب تأجيل الإعلان عنه، بالإضافة إلى المخاوف من اندلاع انتفاضة فلسطينية في الضفة وتدخل المقاومة في قطاع غزة ستوقع الاحتلال في مأزق كبير، ما يخيف الآن أن يكون الاحتلال حاول طيلة الأشهر الماضية من الحديث عن قرار ضم المستوطنات، أن يمتص ردة الفعل الفلسطينية خاصة، حيث أشغلها في خوض التحركات في مختلف المستويات، حتى يستنزف الفلسطينيون قوتهم السياسية والإعلامية والشعبية، ليعلن بعدها عن تأجيل القرار، وهنا تبدأ الهمة الفلسطينية بالتراجع كونها كانت ردة فعل ضد قرار تم تأجيله ولم يعلن عنه قولا، لكنه أمر واقع على الأرض في الضفة المحتلة.

من الواضح أن الاحتلال سيعلن بشكل مفاجئ عن تطبيق خطة ضم المستوطنات في الضفة، عندها يحتاج الفلسطينيون لوقت إضافي لإعادة ترتيب أوراقهم من جديد وجمع الفلسطينيين للرد على القرار، لكن ستكون ردة الفعل هذه المرة أقل زخما من سابقتها التي استنزفت العمل الفلسطيني، هي سياسة يتبعها الاحتلال الإسرائيلي في حربه مع الفلسطينيين، تماما كما حدث في القرار الأمريكي بالاعتراف بالقدس عاصمة للاحتلال ونقل السفارة الأمريكية إليها، حيث طبق القرار بعد جولة كبيرة من الدفاع الفلسطيني عن القدس عاصمة فلسطين الأبدية.

صفقة القرن الأمريكية ماضية في تطبيق بنودها رغم المواجهة الفلسطينية لها منذ بدايات الحديث عن مشروع أمريكي لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، لكن الخطة تمضي قدما من الاعتراف بالقدس عاصمة للاحتلال ونقل السفارة الأمريكية إليها، وقطع المساعدات المالية عن الأونروا واستهداف حق العودة وقضية اللاجئين، واليوم قرار الضم الإسرائيلي، والسؤال الذي يجب أن تكون لدينا إجابة واضحة عليه، لماذا لم يتمكن الشعب الفلسطيني بجميع مكوناته من إفشال هذا المشروع وقطع الطريق عليه حتى اللحظة، رغم كل الجهود التي بذلت فلسطينيا في مستويات مختلفة لمواجهة صفقة القرن، هل لهذا علاقة بمربع الدفاع.

اعتقد أن الخيار اليوم أمام شعبنا الفلسطيني التعويل على سياسة فلسطينية جديدة، والانتقال من مربع المواجهة دفاعا وردة فعل، إلى الفعل المباشر، لابد من العمل على فتح جبهات في إطارات مختلفة مع الاحتلال، حيث تبقيه مشتتا لا يقوى على خوض حروب ضد الفلسطينيين، بحيث يكون في محل دفاع ورد الفعل، حينها سيكون اختبارا حقيقا يمكن شعبنا الفلسطيني من إنهاء الاحتلال واستعادة أرضه وإقامة دولته الفلسطينية على كامل التراب وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين. وكلمة حق تقال إنه رغم كل المشاريع الإسرائيلية التي تتواصل ضد أرضنا وشعبنا، إلا أنها تتكسر على صخرة صمود الفلسطينيين لأننا مدافعون أقوياء، وسنكون أشد قوة ضمن استراتيجية الهجوم والمبادرة.

عن "الجزيرة نت"