حينَ تُستَغْبى الشعوب!

بقلم: يوسف محمود

استغباء الشعوب والسعي المحموم لتسطيح وعيها، بات اليوم حرفة ارتزاق يجيدُها بعض المثقفين العرب، وبخاصة مَن أقام منهم في أمريكا وسائر البلدان الغربية. أمّا كيف يتمّ هذا الاستغباء وهذا التسطيح للوعي، فثمّة أساليب ماكرة يستخدمها أمثال هؤلاء المثقفين: أبرزها التباكي على الديمقراطية المُضارة في البلدان العربية، حيث الدكتاتورية والقمع والزجّ في السجون، ناهيك عن التخلّف الحضاري الذي يقمع حريّة النساء في ممارسة حقوقهن السياسية.


ومع تسليمنا بكلّ ما قيل ويُقال في هذا الصّدد، فإنّ التركيز عليه مع الإصرار على تجاهل العلاقة الجدليّة بين التخلّف والعامل الخارجي، وأعني به هنا التوجيه أو الإملاءات التي تُفرض من الإمبرياليّة العالمية على الكثير من الأنظمة الحاكمة في البلدان النامية ومنها – بلداننا العربية والإسلامية – مسألة مرفوضة بل ومُدانة أخلاقياً، لأن الكثير من التشوّهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تُعاني منها هذه البلدان من أسبابها الرئيسية الهيمنة الخارجية على مصائر الشعوب.

لنأخذ على سبيل المثال لا الحصر هذا التشرذم العربي والتشكيك في القوّة العربية وقدرتها على مُداواة جراحاتها، أليس من أسبابه تلك العلاقات المريبة بين بعض النُّظم الحاكمة وبين القوى القطبية الأحادية في عالمنا؟ أليس من أسبابه خوف هذه النظم على وجودها، وهو خوف غير مُبرّر، لو كانت هذه النُّظم قد قاربت شعوبها أكثر فأكثر؟ في الفضائيات العربية اليوم، بتنا نسمع أصواتاً زاعقةً لمثقفين عرب تخلّوا - مع الأسف- عن جلودهم الحقيقية، أصواتاً تستخفّ بالجماهير العربية وتُطالب علانيةْ بتغيير الحكّام أو ترشيدهم وَفق «الوصفة الجديدة» لليبرالية «العولمة» التي تهدف في النهاية إلى تفريغ المضامين الحقيقية للديمقراطية وشلّ أيّ جهد قومي يتبنّى بناء الاقتصاد العربي على وجه الخصوص وفق أسسٍ موضوعية، تخدم التنمية الحقيقية للشعوب العربية، وتقلّص البطالة المنتشية عربياً.
قبل أيام كنتُ أُصغي إلى سياسي عربي عريق متقاعد بعد أن تولّى سابقاً في بلاده أعلى المناصب الرفيعة.

كان هذا السياسي المخضرم يتحدث من خلال فضائية عربية مرموقة.
أتدرون ما قال؟. قال: إنه لم تعد هناك ضرورة للمقاومة المسلّحة، ما دامت الدبلوماسية قادرة على نيل الحقوق (ويعني بها بالطبع حقوق السّيادة)!
أليس في هذا القول – مع احترامي لهذا السياسي العريق- تبسيط للأشياء، وقفز عن واقع الحال؟
ألا يعني الانتظار إلى ما شاء الله حتى يتصدّق علينا الآخرون بحلولهم السحريَّة!!
علينا أن نُدرك أنّ هناك تسويقاً لنهج ليبراليّ «معولم» هدفه تغييب الشّرط الإنساني للديمقراطية الحقيقية، وطرح بديل مُشوّه للديمقراطية.
ولماذا نذهب بعيداً، أليس التبشير بالديمقراطية من قبل قوى الاحتلال في العراق نوعاً من هذه الليبرالية المعولمة التي ترمي إلى احتواء موارد العراق وتطبيق النموذج العراقي على بلدانٍ عربية أخرى، متى سمحت الظروف؟


أعود فأقول إنّ استغباء الشعوب لم يعد بإمكانه أن يمرّ بسهولة عليها.
هناك حقائق ينبغي التأكيد عليها هُنا، أبرزها أنّ حريّة الشعوب لا تعني فصل هذه الحرية عن الضرورات الاقتصادية والاجتماعية التي تفتقر إليها.

هذا ما تنبغي أن تستوعبه النُّخب العربية المثقفة التي تعزل الحرية عن مفاهيمها الاجتماعية، وتُبقيها حبيسة الحريات الكلامية التي لا تطعم جائعاً أو توظف عاطلاً عن العمل. وبالطبع، هي تفعل ذلك؛ لما بينها وبين الأجنبي من علاقات مُريبة قائمة – كما أسلفت- على الارتزاق، حتى ولو جاء ذلك على حساب هويّتهم القومية!
ألا ما أكثر من يُهرولُ من المثقفين العرب اليوم إلى رحاب الأجنبي ضاربين بعرض الحائط الكرامة الإنسانية..!

عن "الدستور" الأردنية