دق خزان غسان خطأ شائع!

بقلم: حمدي فراج

يقع الكثير من المثقفين الفلسطينيين والعرب في خطأ شائع، مفاده: لماذا لم يدق "الرجال في الشمس" ، جدران الخزان الذي حشروا بداخله تهريبا بين العراق والكويت، وماتوا دون دقه ؟

الجواب ، هو لأن ثلاثتهم أعجز عن ان يقوموا بهذا الفعل البسيط والعادي ، تقوم به كائنات اقل شأنا بكثير من الآدميين، خرافا وكلابا وارانب، إن حشرتها في صهريج تصل حرارته فوق احتمالها، فإنها بالضرورة ستقوم بدقه وقرعه كي تدفع طائلة الموت الذي يتربصها خلال دقائق .

أراد غسان كنفاني، الذي وضع هذه الرواية عام 1957، اي بعد النكبة بحوالي تسع سنوات،القول إن من يترك أرضه ووطنه ليبحث عن "لقمة عيش" في المهاجر، سيفقد مقومات ذاته وانسانيته ، وسيصبح دون أن يتجرأ على قرع جدران خزان كي ينقذ حياته وحياة اخوة او زملاء له عض ناب الجوع أطفالهم ، يتكلمون نفس اللغة في وطن تم اقتناصه واغتصابه امام اعينهم ، فتركوه بدعوى البحث عن لقمة العيش .

لقد ذهب غسان في هذه الرواية ابعد من ذلك بكثير ، إذ بعد أن أماتهم ميتة مذلة مهينة أعجزتهم واقعدتهم عن الدق ، رغم انهم دفعوا ثمن النقل في صهريج الامير الكويتي ، ألقى بهم في مزبلة الكويت الرئيسية ، بدلا من ان يعيد جثامينهم الى أهلهم ، او الى الحكومة العراقية او بلدية الكويت لكي تقوم بدفنهم كما الشريعة الارضية والسماوية ، حفظا لكرامتهم وكرامة الاحياء من بعدهم ، لكن المكان الوحيد الذي رآه موائما لهم بعد موتهم ، كان المزبلة . كأنه اراد ان يقول لهم : هاكم مكانكم الذي تستحقون .

ربما تركبت كل هذه القسوة على هؤلاء العمال البسطاء ، لأنهم ايضا وثقوا في قيادة فلسطينية رمَزَها غسان في شخص "ابو الخيزان"، مقاتل فلسطيني اصيب في حرب 48 برصاصة في خصيتيه، فلم يعد يستطيع الانجاب، هاجر بدوره الى الكويت وعمل لدى الامير سائقا على صهريجه وقوادا في مواخير بغداد والراقصة "كوكب"، فما كان منه بعد ان ألقى بجثثهم في المزبلة، أن عاد وجردهم من اموالهم وساعاتهم وبقية ممتلكاتهم، كأن غسان اراد ان يقول لهم: هذا جزاء من يراهن على قيادة رجعية او برجوازية وطنية ليس لها هم أكبر من هم جمع المال، وانها قد تتاجر بحياتكم ودمكم ومماتكم وآخر قرش في جيوبكم، وأنه ما كان عليكم ان تسلموها قياد رقابكم بمجرد انه فلسطيني من نفس بلدكم ، ولا بمجرد انه مقاتل ، وبمجرد انه جريح ، فهو اليوم "مخصي" لا يمكن ان ينجب ، ولهذا قام في نهاية المأساة بسرقتهم .

يذهب اليوم نحو ربع مليون فلسطيني للبحث عن "لقمة العيش"في اسرائيل نفسها ، بعد ان يحصلوا على تصاريح خاصة ، يواجهون الموت عدة مرات في كل يوم ؛ معاطات وطوابير وحواجز ... "حزانات من نوع آخر" .