صانعة القش نوال عوض.. احترفت المهنة عن أُمها حباً بالأرض وموروثها

جنين– "القدس" دوت كوم- علي سمودي- في سن 15 عاماً، تعلمت مهنة صناعة "القش" على يدَي والدتها التي ورثتها عن جدتها، فأتقنتها حتى أصبحت تمتلك الخبرة، فاحترفتها منذ سنوات طويلة، ورغم بلوغها العقد السادس، ما زالت المواطنة نوال صبحي عبد الجبار عوض تمارس بفخر واعتزاز هذه المهنة التي لا تعتبر بالنسبة لها مصدراً مدراً للدخل والمعيشة فقط، بل جزء من "حبي وعشقي لتراث وطني الأصيل، وواجبي الحفاظ عليه ليبقى متأصلاً وحياً ليحمي موروثنا الفلسطيني من السرقة والطمس"، كما تقول.

الأرض هي الأصل..

في قرية كفل حارس بمحافظة سلفيت، ولدت ونشأت المواطنة نوال وسط أُسرة فلاحة، تعلمت منها حب الأرض والعمل فيها، وتتلمذت على يد والدتها قبل رحيلها فن صناعة القش.

وتقول نوال: "تعلمت في مدارس قريتي حتى أنهيت الثانوية العامة، لكن لم أُكمل تعليمي بسبب انضمامي لعائلتي في زراعة الأرض ورعايتها، فقد تعلمت على يد والدي الذي كان ملاكاً للاراضي، وعملنا جميعاً في أرضنا بروح المحبة والتعاون يداً بيد، فالأرض هي الأصل في كل حياتنا".

وتضيف: "تميزت عائلتنا بحبها للتراث الفلسطيني والحفاظ على هويته وتاريخه ليبقى متأصلاً، فكانت جدتي رحمها الله فنانةً في صناعة القش بكل أشكاله، فورثت ذلك والدتي التي أتقنت المهنة ومارستها بشكل دائم، فتعلمت على يديها، وغرست في اعماقي روح الاعتزاز بهذا التراث الأصيل والمتجذر فينا جيلاً بعد جيل".

تميز وإبداع..

بمرور الوقت، امتلكت نوال الخبرة والكفاءة والقدرة على صناعة القش، ومثلما حافظت على أرض الأجداد، بعد رحيل والديها وشقيقها، لم تتخلَّ عن موهبتها التي تحولت إلى مهنتها ورسالتها.

وتقول: "كان لوالدتي الفضل الكبير في تعليمي أساليب إنتاج القش وتطوير قدراتي ومهاراتي، وبمرور الوقت أصبحت قادرةً على صناعة العقود من القش والصواني والقبعات التي توضع على الرأس وتحميه من حرارة الشمس".

وتضيف نوال: "بموازاة التطور والحداثة والابتكارات الجديدة، توجهتُ لتصميم القش وإنتاجه بأشكال وتصاميم حديثة، فمن أشكال الزينة والتعليقات التي تُزين المنازل ارتباطاً بالتراث الأصيل، إلى سلال القش التي أتفنن في تصميم أشكالها لتكون جميلة ومتقنة الصنع وصالحة لكل أشكال الاستخدام، علماً أن هذه السلال كانت أكثر شيوعاً في العقود الماضية وتُستخدم لجمع التين والبيض والخبز والخضروات".

وتتابع: "مما شجعني وحفزني على الاستمرار الإقبال الكبير على شراء منتجاتي، التي لم يقتصر تسويقها على المحلات والمعارض، فقد استخدمت صفحة التواصل الاجتماعي لإحدى صديقاتي، ما سهّل عملية التسويق وزاد الإنتاج".

أساليب الإنتاج..

تعتمد المواطنة نوال على نفسها في كافة مراحل العمل، من زراعة القمح وجمعه وإنتاج القش، فكلما احتاجت لإنتاج كمية جديدة، تقوم بزراعة دونم من القمح لتشتق منه السنابل المطلوبة للعمل، إضافة إلى الاستخدامات المنزلية.

وتقول: "أزرع القمح وأرعاه حتى قطفه، وأستخدم القمح للطحين والفريكة للطبخ، وكذلك أصنع القش بنقع عيدان القمح الطويلة في الماء مدة ساعة".

وتضيف: "في المرحلة الثانية، تُلَف العيدان بقطعة قماش لتنشيفها والمحافظة على رطوبتها، وبعدها نبدأ عملية التصنيع لتكون سهلة علينا، فحالة الرطوبة تساعدنا على السرعة أكثر".

وتتابع: "أستخدم عدة صبغات بألوان مختلفةٍ خاصةٍ بالقش، نُحضرها من الأردن لعدم توفر هذه الأصناف في الضفة، وبعد جفاف عيدان القمح جيداً، يتم وضع ماء مغلي على النار مع مزجها في اللون الذي نحتاجه ونضيف إليها أغصان القمح مدة 5 دقائق ليأخذ اللون المطلوب، الذي يعطي جمالاً لا يوصف لهذا التراث العريق".

وتكمل نوال: "في العادة نستخدم عدة ألوان، الأحمر والأخضر والأصفر والبنفسجي، التي تعتبر أساسيات في عمل القش، وبعد انتهاء هذه العملية بنجاح نبدأ بصناعة الشكل والمنتج الذي نريده، سواء الصواني أو القبعات أو غيرها، وأعتمد على نفسي بالعمل اليدوي في كافة المراحل لضمان نتائج أفضل ونجاح مميز".

نجاح وطموح..

بهذه الموهبة والخبرة، حققت المواطنة نوال شهرةً ونجاحاً، وحظيت بفرصة المشاركة في عدة معارض محلية، عرضت من خلالها منتجاتها التي حظيت بإعجاب كبير من المجتمع المحلي، خاصة النساء، وفي الوقت نفسه، حرصت على نقل وتعليم تجربتها وخبرتها.

وتقول: "أهم أسرار نجاح هذه المهنة الإيمان والقناعة والقدرة على الإتقان مع الخبرة الكافية، لإنتاج أصناف وأشكال تتلاءم وطلبات الزبائن بأسعار مناسبة ومغرية لهم".

وتضيف: "الكثير من النساء وربات البيوت والخريجات الجامعيات علمتهن هذه المهنة كجزء من رسالتي للحفاظ على هذا التراث، ودعمهن للتمكين وتوفير مصدر دخل دائم في ظل ظروف المجتمع الصعبة".

وتضيف: "منذ وجودي على هذه الأرض، وأنا أعمل في مجال القش بفخر واعتزاز، فهذا هو تراثنا الذي ما زلت أتمسك به، وسأبقى أعمل فيه على الرغم من بلوغي الستينيات، ولم أملّ ولن أكل أبداً من عملي، فهو ممتع جداً، خصوصاً أنه تراثي الفلسطيني الذي لم ولن أنساه طوال عمري".

وتكمل: "سيبقى متجذراً في داخلي ويتعزز لديّ الطموح والرغبة في التطور والاستمرار حتى إقامة مركز متخصص لإنتاج القش والحفاظ عليه، وأنصح كافة النساء ممن لديهن خبرات وكفاءات أن تستغلها وتطور قدراتها، لتثبت نفسها لذاتها ولمجتمعها، ولتكون منتجة وفاعلة وناجحة".