مراقبان أمريكيان: من المحتمل أن يتم الضم بسهولة لكن تداعياته ستأتي لاحقاً

واشنطن– "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات- كتب عضوا الوفد الأمريكي لمفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين في إدارتي كلينتون وأوباما روبرت مالي (يترأس حالياً مجموعة الأزمات الدولية) وفيليب غوردون (مجلس العلاقات الخارجية حالياً) مقالاً مطولاً في مجلة "السياسة الخارجية" نشر يوم الإثنين (6-7-2020) يقولان فيه إنه في الوقت الذي لا يزال فيه توقيت ونطاق خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو غير مؤكدين، فإنه "عندما تعلن إسرائيل قرارها المتوقع بضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة، سيتحول انتباه العالم إلى أثر الضم الفوري... سيراقب الأشخاص الذين يهتمون بالمنطقة عن كثب لمعرفة ما إذا كان الفلسطينيون سينهضون احتجاجاً، أو إذا انهارت السلطة الفلسطينية أو تمّ حلها، أو إذا قطعت الدول العربية علاقاتها الناشئة مع إسرائيل، أو إذا كانت الدول الأوروبية تفرض عقوبات على إسرائيل أو تعترف بالدولة الفلسطينية"، معتقدين أنه "بعد كل التحذيرات من أن الضم سيؤدي إلى كارثة، ستكون كل الأنظار على كيفية استجابة الأطراف المختلفة" لعملية الضم.

ويضيف الكاتبان: "الخبر السار لمؤيدي الضم هو أنه بينما مثل هذه التطورات الدرامية ممكنة، فإنه من غير المحتمل حدوثها. لكن الخبر السيئ بالنسبة لهم هو ما يعنيه الضم على المدى الطويل. إن الدمج الرسمي من قِبَل إسرائيل لأجزاء من الضفة الغربية لن ينتهك القانون الدولي فحسب، وسيحرم الفلسطينيين من الحقوق الأساسية، لكنه سيُطلق عمليةً من شأنها أن تؤدي إلى مزيد من تقويض الديمقراطية الإسرائيلية، وعزل إسرائيل على المستوى الدولي، وتقويض الدعم الأميركي ثنائي الحزبية الذي كان محورياً للغاية لنجاحها".

ويتابعان: "من خلال تدمير أي آفاق متبقية لإبقاء حل الدولتين على قيد الحياة، سيدفع الضم حتمًا الأجيال الحالية والمقبلة من الفلسطينيين إلى المطالبة بحقوق متساوية في كيان سياسي واحد، وسيؤدي إنكار إسرائيل لتلك الحقوق إلى إضعاف دعمها حول العالم".

ويشرح الكاتبان: "غالبًا ما رافق القرارات الإسرائيلية أو الأميركية المعادية للفلسطينيين التنبؤات بحدوث كارثة ما، وغالباً ما أثبتت هذه التنبؤات بأنها خاطئة. ولعل المثال الأكبر على ذلك كان اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، الذي أثار رغم رمزيته المهمة، رداً فاتراً. وسارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومستشاروه للإشارة إلى تلك السابقة في القول إن الضم، مثل القدس، سيمر بدون هزة. وكما قال ترامب في تشرين الأول 2019: "تذكروا، قالوا لنا إن نقل السفارة إلى القدس سيعني نهاية العالم، أليس كذلك؟ ولكن لم يحدث شيء"، فيما وعدت مستشارة البيت لأبيض كيليان كونواي بأنه سيكون هناك "إعلان كبير" عن الضم عند التحدث إلى الصحافة في 25 حزيران، مستهجنة: "هناك دائماً هذا الأسلوب المخيف عن ما قد يحدث، ومن ثم لا يحدث (شيء)".

ويمضي الكاتبان: "يمكن أن يتم الضم بطرق مماثلة (مثل الاعتراف بالقدس عاصمة ونقل السفارة إليها دون ضجة تذكر)، على الأقل على المدى القصير، خاصة إذا تجنب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو النسخة الأكثر طموحاً من الضم -30 في المائة من الضفة الغربية، بما في ذلك غور الأردن- واختار بدلاً من ذلك خطة أضيق أضيفت بموجبها إسرائيل تلك الكتل الاستيطانية المخصصة بالفعل لإسرائيل في معظم خرائط السلام القائمة ، قد تكون العواقب الفورية محدودة. تمارس إسرائيل سيطرة أمنية كاملة تقريباً على الضفة الغربية ويبدو من غير المحتمل أن يرغب الفلسطينيون في المخاطرة بالقمع والمعاناة والفوضى القاسية التي ستتبع أي انتفاضة. حذرت القيادة الفلسطينية من أنها ستقطع جميع العلاقات مع إسرائيل وتفكك السلطة الفلسطينية، الأمر الذي سيجبر إسرائيل على تحمل كامل تكاليف ومخاطر احتلالها. إن قرار الإطاحة الكاملة بالسلطة الفلسطينية لا يمكن تصوره. ولكن بما أن القيام بذلك من شأنه أن يهدد سبل عيش الآلاف من موظفي السلطة الفلسطينية، ويشل الخدمات العامة الحاسمة، ويلغي الامتيازات التي لا يزال يتمتع بها قادة السلطة الفلسطينية، فإن هذا النوع من التهديد أكثر فائدة بكثير كرادع مما سيكون عليه عندما يتم تنفيذه فعليًا. غالباً ما رافقت قرارات إسرائيلية أو أميركية معادية للفلسطينيين، وثبت خطأها في أغلب الأحيان.

كما حذرت الدول العربية من تداعيات وخيمة، وفق رأي الكاتبين، حيث أثار الأردن شبح "صراع واسع النطاق" مع إسرائيل، فيما أكدت الإمارات العربية المتحدة أن إسرائيل يمكن أن يكون لديها ضم أو تطبيع، ولكن ليس كلاهما".

وماذا عن الأوروبيين؟ يقول مالي وغوردون: "سيحتج الأوروبيون أيضًا، بمن فيهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون اللذان وجها تحذيرات قوية لإسرائيل، وقد يفكرون بالمزيد من الأفكار ذات التوجه المستقبلي، مثل حظر البضائع المستوردة من المناطق المضمومة، أو تعليق اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، أو الاعتراف بدولة فلسطينية على حدود غير محددة، ولكن من الناحية العملية من الصعب رؤية العديد من الأوروبيين يتخذون خطوات من شأنها معاقبة إسرائيل حقًا نظرًا لانقساماتهم الداخلية وسياساتهم الداخلية ومصالحهم الأوسع في العلاقات مع الدولة اليهودية".

يقول الكاتبان: "بالنسبة للولايات المتحدة، فإن موقف ترامب ليس محل خلاف، لأن الضم، وفقًا لموقف الحكومة الإسرائيلية لن يتم إلا بمباركة واشنطن".

أما إذا انتُخب المرشح الديمقراطي جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة في انتخابات تشرين الثاني المقبل، "فمن المرجح أن يشجب بايدن الخطوة الإسرائيلية الأحادية الجانب، التي عارضها بشدة، لكنه في الوقت نفسه أوضح أن دعمه الأوسع لإسرائيل غير محدود، واستبعد بشكل قاطع ربط الخطوات الإسرائيلية بالمساعدات الأميركية. كما سيتخذ معظم الديمقراطيون في الكونغرس، الذين أعربوا جميعهم تقريبًا عن معارضتهم الواضحة للضم، موقفاً مماثلاً. وستكون النتيجة النهائية المتوقعة انتقادات شديدة لإسرائيل، مقترنة باللوم على القيادة الفلسطينية لرفضها التفاوض بموجب سيناريو الضم المحدود، وسيمتن البعض لنتنياهو في حال ضمه أقل مما كان متوقعاً، شاكرينه لإنقاذ حل الدولتين. وبذلك، سوف يستمر الضم، وستُعرض الخريطة الجديدة كأساس للمفاوضات الإقليمية المستقبلية، وسيشعر العديد من الإسرائيليين مرة أخرى أنهم قد تقدموا بمصالحهم دون دفع ثمن ، وسيتواصل المسلسل" .

ولكن، يتوقع الكاتبان: "على المدى الطويل، فإن القصة ستكون مختلفة. حتى لو لم يغير الضم أي شيء على الأرض في اليوم الأول، فإنه سيمثل نقطة تحول أساسية.. قد يكون الضم المسمار الأخير في نعش حل حقيقي قائم على حل دولتين -على عكس ما يرجوه نتنياهو من دولة فلسطينية مزيفة يقبل بها وفق خطة ترامب (صفقة القرن). لن تنجح هذه الخطة أبداً- ليس فقط لأنه من المستحيل عملياً بناء دولة فلسطينية قابلة للحياة وذات سيادة ومتصلة على الأراضي المتقطعة المتبقية، ولكن أيضاً لأسباب سياسية ونفسية، أي زعيم فلسطيني يوافق على الجلوس مع حزب استولى رسمياً على الأرض التي من المفترض أن يتفاوضوا عليها؟ بالفعل، فقد الكثير من الجمهور الفلسطيني الثقة في السلطة الفلسطينية، وفي المحادثات مع إسرائيل، وفي الوساطة الأميركية، ولن يستغرق الأمر الكثير بالنسبة لهم للتحول إلى اتجاه آخر تمامًا".

ويحذر الكاتبان: "علامات ما هو قادم واضحة بين الشباب الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية وفي إسرائيل والشتات، يُنظر إلى حل الدولتين على أنه أسوأ من غير الواقعي- إنه غير جذاب. لقد أصبحت تسوية غير جذابة، من شأنها أن تقصر حياة أولئك الذين يعيشون في الضفة الغربية وغزة على كيان ضيق ومفكك، وتحرمهم من عاصمة حقيقية في القدس، وترسخ عدم المساواة للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، وتعطي الإسرائيليين السيطرة الأمنية على بلدهم، ومنع حتى عدد رمزي من اللاجئين من العودة إلى ديارهم السابقة. بالنسبة للقيادة الفلسطينية الحالية ، فإن الضم سيجعل المهمة الصعبة بالفعل في الدفاع عن حل الدولتين مهمة شبه مستحيلة". "ومع وجود التركيبة السكانية إلى جانبهم، من المرجح أن يأخذ الجيل القادم من الفلسطينيين هذا إلى الخطوة المنطقية التالية: الابتعاد عن حل الدولتين الكئيب وغير المحتمل نحو الصراع الأكثر إلهامًا (إذا كان غير قابل للتصديق على حد سواء) من أجل دولة واحدة ديمقراطية ذات سياسة متساوية الحقوق للجميع. وبدلاً من التطلع إلى الولايات المتحدة أو الأمم المتحدة لمساعدتهم على التفاوض مع إسرائيل، سيكونون أكثر ميلاً إلى الاستئناف أمام المحكمة الجنائية الدولية لتوجيه الاتهامات ضد قوات الاحتلال وقادتها".

ويختتم الكاتبان بالقول: "بمرور الوقت، يمكن أن يكون للضم آثار مماثلة على السياسة الأميركية. لقد تسببت (حتى الآن) بالفعل في حدوث تشققات فيما كان في السابق دعمًا من الحزبين (الجمهوري والديمقراطي) لإسرائيل، حتى أن الديمقراطيين المؤيدين لإسرائيل بقوة في الكونغرس يناشدون نتنياهو عدم التحرك. ويمكن أن تتغير الصورة بشكل أكبر، خاصة أن أعضاء الحزب الديمقراطي أصبحوا أصغر سناً، وأكثر تنوعاً وأكثر انسجاماً مع الحركات الواسعة من أجل المساواة في الحقوق مثل "حياة السود مهمة (Black Lives Matter). وتظهر استطلاعات الرأي تراجع الدعم لإسرائيل بين النساء والأقليات وجيل الألفية والليبراليين، الذين يدعمون بشكل متزايد فرض العقوبات لمعاقبة إسرائيل على التوسع الاستيطاني، وانتهاكات حقوق الإنسان، أو استخدام القوة العسكرية في غزة. من المرجح أن تساوي هذه الجماعات إسرائيل التي تضم الأراضي الفلسطينية مع الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وتتبنى المثل العليا للحقوق المتساوية والتمثيل الديمقراطي، وتتحدى بشكل متزايد علاقات قيادتها الوثيقة التقليدية مع إسرائيل".