الناشطة منى الحاج أحمد.. تحدّت إعاقة "التقزُّم" وبـ"كمشة حُب" بادرت لرسم البسمة والفرح

جنين– "القدس" دوت كوم- علي سمودي- بتحدٍّ وجرأةٍ وشجاعة، وقفت الشابة منى الحاج أحمد أمام كافة التحديات والصعاب، وفي مقدمتها النظرة المجتمعية السلبية، بسبب إصابتها منذ الولادة بإعاقة حركة "قصر القامة"، والمعروفة باسم "التقزم"، وبدعمٍ من عائلتها رفضت التهميش والاستسلام، بل خاضت معركة التعليم التي توجّتها بالنجاح في الثانوية العامة، وبكل عزيمة وقوة، اجتهدت وثابرت وتعلمت وحصلت على شهادة الدبلوم، لكن حدود الأُمنيات والطموح لم تتوقف لدى منى التي تؤمن بأن الإعاقة هي إعاقة العقل والتفكير وليس الجسد.

دخلت منى المجتمع من أوسع أبوابه كمتطوعة حققت النجاح في كافة الميادين، ولم تكتفِ بالدورات التي طورت قدراتها، بل ابتكرت مشروعها الخاص "كمشة حب" للأفراح والمناسبات لتعتمد على نفسها في توفير احتياجاتها والمضي في طريق الأحلام.

التحدي والإرادة..

في بلدة عرابة بمحافظة جنين، أبصرت منى النور قبل 29 عاماً، عاشت ونشأت وسط عائلتها المكونة من 8 أنفار، التي شكلت الحاضنة والداعمة لها في التحرر من قيود الإعاقة والنظرة السلبية لمجتمعها الذي لم يستوعب بدايةً حالتها كطفلة مصابة بالتقزُّم.

تقول منى لـ"القدس": "لا أذكر يوماً في حياتي أنني عانيت وسط أُسرتي بسبب حالتي، بل وقفَت دوماً إلى جانبي، وميَّزتني بالمعاملة والدعم والرعاية، رفضت عزلي وتهميشي، وافتخرت واعتزت بي لأتمكن من مواجهة الواقع".

وتضيف: "ارتدتُ المدرسة كباقي البنات، ولم أهتم بالنظرة السلبية، وبالعكس بحبي للتعليم وطموحي الكبير وما تمتعت به من روحٍ إيجابية وأُلفة وعلاقات اجتماعية، اكتسبتُ الطالبات وغيرتُ النظرة السلبية حتى أصبح لدي عالم كبير من الصديقات".

وتتابع منى: "خلال دراستي، وفي الصف التاسع، ظهرت موهبتي بالرسم التي أُعجبت بها معلماتي اللواتي أصبحن مصدر دعمٍ لي، والجميع تنبأ بموهبةٍ دفينةٍ في أعماقي، وبالفعل اليوم، من خلال مشروعي الصغير، برزت كل مواهبي وقدراتي وإبداعي المستمر".

وتكمل: "لشدة إعجاب مَدرستي ومعلماتي بموهبتي الفنية تمّ تكليفي برسم المجلات واللوحات المدرسية التي حظيت بالإعجاب والتقدير، فأثبتُّ أن الإعاقة لا تُلغي الطاقة".

الإبداع والتميُّز

خلال مرحلة النمو والنضج، تنامت لدى الناشطة منى موهبة تصميم الأزياء، التي تعتمد، كما توضح، على الرسم الذي وصلت فيه مرحلة الاحتراف، حتى أصبح لديها شغفٌ كبيرٌ في تنمية هذه الموهبة وتطويرها، فاختارت بعد نجاحها في الثانوية العامة التوجه نحو التعليم المهني.

وتقول منى لـ"القدس": "بلا تردد، وبدعمٍ من عائلتي كون أشقائي وشقيقاتي تعلموا الرسم وتصميم الأزياء والفن، ولحبي هذا الفن الذي أصبحتُ أعتبره موهبتي، انتسبتُ إى معهد التدريب المهني في مدينة جنين، وتعلمت تصميم أزياء لمدة عام ونصف العام".

وتضيف: "تقدمتُ وتطورتُ بشكل تدريجي في هذا العالم الجميل، وأصبحتُ قادرةً على ابتكار وتصميم أفكارٍ جديدةٍ وأصنافٍ متطورةٍ وحديثةٍ من الملابس، كما اعتمدتُ على نفسي في تصميم ملابسي، وبالحجم الذي يناسبني، لصعوبة توفُّر مقاسي في الأسواق، وشكلت هذه التجربة محطةً أُخرى في طريق نجاحي".

التطوع والمبادرة

لحبها العطاء ورغبتها في خدمة مجتمعها وقناعتها بقدرتها على العطاء، انتقلت الناشطة منى إلى مرحلةٍ أُخرى في حياتها؛ التطوع، فكانت بداياتها مع اتحاد المعاقين، ثم منسقة للمتطوعين في نادي جنين الرياضي، إضافةً إلى تطوُّعها مع عاملات التأهيل في مدارس عرابة وغيرها.

وتقول: "اكتسبت خبرات وقدرات كثيرة ومتنوعة في العديد من المجالات حتى أصبحت مدربة وقادرة على إدارة العديد من الدورات في مجالات مختلفة من الكشافة، والسكرتارية والرسم".

وتضيف: "تعلمتُ من هذه التجارب أن واقع الحياة وسوق العمل بحاجةٍ لجهدٍ كبير، خاصةً لمن يواجهون تحديات مثلنا، وعلينا أن لا نستسلم مهما كانت الطريق صعبة، فالنظرة السلبية لذوي الإعاقة يمكن تغييرها بالإيمان والوعي والعمل والإرادة".

وتضيف: "الممارسة العلمية أكدت أهمية أن نسعى بشكل علمي وعملي، لنثبت ذاتنا وأهدافنا من خلال إرادتنا وطاقاتنا، وكان تطوُّعي تحدياً لنفسي ولمن حولي بأنني باستطاعي أن أكون، والحمد لله، وبكل تواضع، كنتُ كما تمنيتُ وحلمت، لكن حدود أحلامي ما زالت كبيرة".

مواهب أُخرى

خلال تطوعها في نادي جنين الرياضي، تملَّكَ الناشطة منى شغفٌ وحبٌّ لعدة هوايات في مجال عالم التكنولوجيا المتطورة، وحظيت بفرصة المشاركة بدورات تدرييبة نظمها مركز مصادر التنمية في النادي، فالتحقت بها، وحصلت على شهادات في مجالات التصوير والبرمجة والحاسوب وكافة التدريبات التي تتعلق بالسكرتاريا بشكلٍ عام، والتسويق والعمل، ما قادها إلى ابتكار مشروعها الخاص الذي حقق نجاحاً فاق توقعاتها كما تعبر.

كمشة حُب

تُخصص الناشطة منى غرفةً خاصةً في منزلها بعرابة، لمشروعها الخاص "كمشة حب"، الذي تصنع من خلاله هدايا المناسبات بطريقة فنية وجميلة.

وتقول: "وُلدت الفكرة من خلال حبي العمل في مجال الفن بشكل عام، والرسم والتشكيل وكل ما يتعلق بالفن التشكيلي، فقد لاحظت أنّ هناك إقبالاً كبيراً من الناس على هدايا المناسبات والبحث المستمر عن أشكال وصور جديدة".

وتضيف: "بدأتُ بجمع كل الأشياء التي يمكن تدويرها وغير قابلة للاستعمال، وإعادة تدويرها مرةً أُخرى وتقسيمها إلى أجزاء صغيرة، ثم أقوم بتصميم الفكرة وإنتاجها باستخدام كافة خامات الفن التي أقوم بشرائها على حسابي الخاص".

وتتابع منى: "مشروعي حقق نجاحاً كبيراً وإقبالاً لم أتوقعه، بسبب خبرتي وحرصي على ابتكار الأشياء الجميلة التي تُلبي رغبات الزبائن، وأصبح لديَّ مصدر دخلٍ دائم".

تعتمد منى على نفسها في إنتاج الهدايا، وقلَّما تستخدم الآلة، وتقول: "عملي يحتاج وقتاً كبيراً بحسب نوعية العمل الذي أقوم بإنجازه وأعتمد فيه على قدراتي الذاتية، فالعمل اليدوي متقن أكثر، وجودته أعلى، وتقنيته مميزة، ويدوم أكثر مما تُنتجه الآلة".

وتضيف: "حالياً، لدى كل متطلبات المناسبات، بدءاً من توزيعات الأفراح من مواليد وأعراس وأعياد ميلاد، إضافةً إلى مظلات العرسان والصواني والتحف والهدايا، وهناك هدايا الحج والعمرة وأشكال الزينة لغرف نوم البنات والمواليد، وخلال شهر رمضان صنعتُ الفوانيس، وفي العيد ابتكرتُ هدايا جميلة".

فيروس كورونا

توضح الناشطة منى أنّ التسويق لديها كان جيداً قبل فيروس "كورونا"، الذي أثّر على نسبة البيع التي تراجعت كثيراً على كافة الفنون التي تمارسها، خاصةً هدايا الأفراح.

وتقول: "الأوضاع الاقنصادية وعدم توفُّر دخل يحُولان دون شراء الهدايا وأشكال الزينة، خاصةً أن القاعات أُغلقت أيضاً، وكباقي القطاعات يُعاني الجميع ويتمنى نهاية سريعة لهذا الواقع المرير والسلبي".

تنمية وتطوير

تقول الناشطة منى: "أشعر بفرحة وسعادة كبيرتين لتفوقي ونجاحي في كل محطة وإنجاز حققتُه بكفاحي وصبري ومثابرتي، وأعتز لقدرتي على تغيير نظرة المجتمع السلبية لي بأنني غير قادرة ولا يوجد لديّ فائدة للمجتمع والحياة، فاليوم لديّ بصمة نجاح في كل الميادين، ومتطوعة وخبيرة وصاحب إرادة، وأنا سيدة نفسي في عملي".

وتضيف: "البيئة السلبية وتجربتي في سوق العمل جعلتاني أقوى إرادةً وعزيمة، فالدافع السلبي حفّزني على الانطلاق والتحرُّر لتعزيز نجاحاتي إلى أفضل والأقوى دائماً وتنمية مشروعي لمشاريع أُخرى".

وتتابع: "ما اعتبروه إعاقةً شكّل قصة نجاحي، فقد واصلتُ عملي وحياتي المهنية وما زالت ولن أنظر إلى الوراء نهائياً، فالسمو ليس بحجم القامة أو الجسد، إنما بالروح والإيمان والقناعة".