اذا كان السكوت من ذهب فالصرخة درّة التاج

بقلم: يونس العموري

علمونا اذا كان كلامنا من فضة فسكوتنا من ذهب ، ولا يمكن الاتفاق مع هكذا مقولة خادعة في الظرف الراهن، ولا بد من الكلام والحديث والاخذ باطراف المجاهرة واعلاء الصوت بالحق والحقيقة، والحقيقة لا بد من الكشف عنها و التصريح العلني بها ومصارحة الكل ووضع النقاط فوق الحروف وفهم غير المفهوم ومحاولة استكشاف الوقائع السياسية الراهنة.

ولا بد من تفسير الامور بشكل صحيح وغير قابل للتأويل او التحريف، ومحاولة فهم المستور من الكلام والمواقف المُعلنة هنا وهناك، ووقف العبث الاحمق في دهاليز الغرف المظلمة والمغلقة، وبلا شك ان وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل وتردد السلطة السابق في الإقدام على مثل هذه الخطوة فعليا رغم الإعلان عن ذلك في أكثر من مناسبة، يعني حل السلطة أو انهيارها حيث ان فلسفة الاتفاقيات المُلزمة للسلطة والتي بموجبها قامت وبنيت على اساس فكرة التعاون والتنسيق المشترك. وان التحلل من جميع الاتفاقات والتفاهمات، ومن جميع الالتزامات المترتبة عليها، بما فيها الالتزامات الأمنية، انما يوضح حجم ارتباط السلطة الفلسطينية بإسرائيل، ، وهو ما يفسر عمليا الدور الوظيفي للسلطة الذي فصلته لها الاتفاقيات في إدارة شؤون الفلسطينيين اليومية، التي لا يمكن تصريفها إلا من خلال قناة التنسيق بكل اشكاله، الأمر الذي طال ويطال كل مناحي الحياة في المناطق المسماه مجازا مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية والخاضعة شكلا للسيطرة الفلسطينية، وبالتالي فأن سلطات الاحتلال ومن خلال ضابطية الحكم العسكري في بيت ايل هي التي تدير كل الشؤون الفلسطينية الحياتية الحيوية عبر بوابة السلطة الوطنية الفلسطينية وهو الامر المعلوم والمعروف ولا مجال لإنكاره هنا. وبهذا السياق فإن اسرائيل هي القادرة على منح او تضييق الخناق على صلاحيات السلطة في مختلف المناطق بدءا من استلام اموال المقاصة وانتهاء بتحريك القوات الأمنية من منطقة الى منطقة في الضفة الغربية ، كما ان دولة الاحتلال هي التي تقرر وبشكل حصري منح السطة "الموافقات والتسهيلات" التي يطلبها الجانب الفلسطيني .

السلطة تدرك أن استمرار قيامها بوظائفها وتقديم خدماتها لشعبها قائم على اساس ان الاتفاقيات سالفة الذكر من اوسلو وتوابعها، هي الحاكمة والضابطة لإيقاع الدور المنوط بها وان كل هذا التوافقات قائمة على فكرة التنسيق المتبادل بما في ذلك الأمنية وبالتالي فإن وقف او تجميد فكرة التنسيق انما يعني اهتزاز الاتفاقات وبالتالي اهتزاز وتقويض اركان السلطة ذاتها واساساتها على اعتبار ان السلطة شهادة ميلادها للحياة هي اتفاقيات اوسلو وتوابعها. وهنا يطرح السؤال ذاته بشكل مباشر: هل قرار القيادة القاضي بالتحلل ووقف العمل بالاتفاقيات مع دولة الاحتلال مجرد خطوة لممارسة الضغط على اسرائيل ام انه يأتي في سياق خربشة اوراق اللعبة السياسية ومحاولة الوصول الى اتفاقيات جديدة محسنة الشروط ؟ حيث ان التحلل من الاتفاقيات وتجميد العمل بها كخطوة اولى على طريق الغائها انما يعني فتح المواجهة مع اسرائيل. والسؤال الاخر الذي يبدو ملحا: هل ثمة قرار او قدرة لدى الجانب الفلسطيني على فتح مثل هكذا مواجهة؟ بل هل هي قادرة وبظرفية وقائع المرحلة الفلسطينية الراهنة وبكل حيثياتها على فتح مثل هكذا مواجهة مفتوحة الخيارات؟

لا يخفي على احد ان البنى التحتية للمواجهة قد تم السيطرة عليها وتفكيك اركانها على مختلف المستويات والصعد ، وان عقيدة المواجهة الشعبية قد تم تشويهها واضحت في مهب الريح، والقوى الجماهيرية الشعبية والوطنية غير قادرة على احداث حالة استنهاضية راهنة قادرة على فعل المواجهة بشكل او بأخر. وهو الامر الذي بات محسوسا وملموسا لدى كافة القطاعات ولدى الطرف الاسرائيلي ايضا برغم من كل التهويل والخربشات الاعلامية التي تعج بها وقائع المرحلة الحالية والآنية .

ان القرار الإسرائيلي بالضم المُستند الى ما يسمى بخطة ترامب للتسوية ينهي ما يسمى بحل الدولتين والذي ظل نبراس واساس المشروع الوطني الفلسطيني منذ عقود حيث يصبح هذا الحل خيالي التحقيق وغير قابل للتطبيق الأمر الذي الذي يستحيل فيه قيام دولة فلسطين المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من حزيران للعام 1967، والذي كان من المفروض ان يكون الهدف النهائي لخدعة وخربشات اوسلو ، بتحول السلطة الى دولة بنهاية المطاف .

وبلا ادنى شك ان الجانب الفلسطيني في مأزق حقيقي ، بمعنى أنك لا تستطيع التخلي عن الاتفاقيات أو تجميدها أو التحلل منها، دون إنهاء وجود السلطة التي هي أهم ناتج عن هذه الاتفاقيات، فالسلطة هي المعبر الأساس عنها، وإذا ما أردت التحلل من الاتفاقيات أو إلغائها أو وقفها يجب أن تنهي الاتفاقيات بكل نتائجها، وفي مقدمتها السلطة التي نتجت عنها كما اسلفنا اعلاه، حيث انه ومن خلال القراءة السياسية لأوسلو كان من المفترض ان الهدف من وجود السلطة انتقالي لكي تتحول إلى دولة، وإذا ما أطيح بحل الدولتين، والواضح ان هذا الحل قد اصبح غير مطروح وغير قابل للتطبيق جراء سياسات الاحتلال الاستيطانية والضم وتهويد القدس بالكامل، مما يعني ببساطة ان السلطة امامها احد خيارين اما السعي لاتفاقيات جديدة من شأنها ان تحسن بعض شروط استمرارها بوظائفها وبقائها مجرد سلطة منزوعة الارادة واالسيادة كما هي عليه الان او ان تلغي ذاتها ، واعادة أبجديات الصراع الى معادلتها الأولى.

وهنا لا بد من ادراك الحقائق الأتية والتعاطي على اساسها :

• وجود السلطة نجم عن اتفاقية مع الطرف المحتل – إسرائيل.

• ان السلطة التي لا تمتلك سيادة وتسيطر عليها إسرائيل من كافة الجوانب.

• استمرار وبقاء السلطة واستمرار وظائفها بكافة مناحي الحياة والشؤون اليومية مرتبط بالتسنيق مع إسرائيل.

• فشل مسيرة التسوية السياسية والمفاوضات كخيار استراتيجي لاستعادة الحقوق الفلسطينية.

• ان الشعب الفلسطيني قد تعرض لأكبر خدعة في التاريخ من خلال ما يسمى باتفاقية اوسلو.

• فشل الحركة الوطنية الفلسطينية في استيعاب متطلبات المرحلة.

• تشرذم وتشظي الحركة الوطنية وعدم قدرتها على التوافق والحد الادني على المشروع الوطني الفلسطيني واليات العمل السياسي .

• لا بد من إعادة رسم خارطة التناقضات الفلسطينية على قاعدة المشروع الوطني والحقوق الفلسطينية التاريخية.

ولا بد من الادراك ايضا ان الشعب الفلسطيني بات امام خيارين لا ثالث لهما وهما اما بقاء السلطة ومحاولة تحسين شروط بقاءها واستمرارها او الغاء وانهاء السلطة من خلال انهاء والغاء كافة الاتفاقيات مع دولة الاحتلال واعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني من جديد وفقا للثوابت التاريخية للحقوق الوطنية العربية الفلسطينية، واعادة صياغة ادوات الفعل النضالي لمواجهة الاحتلال بعد هذا الفشل الذريع بكل ما يتصل بادوات العمل التي ظلت مسيرة على الساحة الفلسطينية منذ انظلاق ما يسمى بمسيرة التسوية الفاشلة والتي اخفقت في تحقيق الحد الادني من الحقوق الفلسطينية، وتفكيك منظومة ومفاهيم العمل الوطني التي يتحمل مسؤولياتها الكل الوطني على مختلف توجهاتهم السياسية وتخندقاتهم التحالفية على المستوى الاقليمي والدولي، الأمر الذي يعني انه لا بد من إعادة صياغة الاصطفافات السياسية واعادة صياغة وبناء الأطر الوطنية القادرة على احداث استنهاض حقيقي لأدوات العمل الوطني.