الضم وعلاقة حركتي "فتح" و"حماس"

بقلم: الدكتور سعيد شاهين*

أشاع المؤتمر الصحفي الذي عقده أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب ونائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس صالح العاروري وبثته قنوات تلفزة إخبارية عديدة الكثير من الأسئلة حول طبيعة الخروج المشترك وموعده للقياديين بعد صراع سياسي تناحري طويل بين الأشقاء.

ويأتي هذا المؤتمر في ظل انسداد الأفق بين الحركتين حول إمكانية سبل الخروج من عنق الزجاجة و إيجاد مخرج للصراع بينهما حول ما بات يعرف بملف الانقسام الذي استمر ولا يزال على مدار 14 عاما من الخلاف والتفاوض العقيم الذي لم يفض إلى وضع اتفاق نهائي يتيح للفصيلين تجنب الخوض في برامجهما النضالية المختلفة، الأول يستند إلى أيديولوجية عقائدية دينية تؤمن بالمقاومة المسلحة سبيلا لدحر الاحتلال وهو برنامج حركة حماس، والثاني براغماتي قائم في المرحلة الراهنة على استخدام كافة وسائل النضال وعلى رأسها المقاومة السلمية والسياسية والدبلوماسية المستند إلى الشرعية الدولية وقانونها ويتبع لحركة فتح.

لقاءات عدة جمعت الخصمين في عواصم عربية عدة لم تفض إلى تنفيذ بنود اتفاقات و تفاهمات توصلا إليها برعاية مصرية في أغلب الأحوال، لكن الخلاف دائما كان أعمق وخصوصاً حينما يتم التطرق إلى سلاح المقاومة والتنسيق الأمني والانتخابات وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية.

الجديد في هذا المؤتمر أنه يأتي في ظل أجواء استثنائية تاريخية تمر بها قضية فلسطين وشعبها وفي ظل حالة من التطبيع والتقارب العربي المجاني مع دولة الاحتلال وربما أكثر من ذلك وصولاً إلى التآمر على حقوق شعبنا الفلسطيني من قبل أطراف إقليمية لم يشر إليها في المؤتمر المنعقد كنتيجة لما بات يعرف بصفقة العصر الصهيو أمريكية ، التي تهدف إلى إنهاء الصراع على حساب الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني وما تبعها من خطوات أحادية تمثلت في إعلان القدس عاصمة لدولة الاحتلال بقرار وضوء اخضر امريكي وآخرها مباركة امريكا لإسرائيل بضم كافة المستوطنات وغور الأردن الذي يشكل 30٪ من اراضي الضفة الغربية ومساحة جغرافية استراتيجية لبناء الدولة تحتوي على اضخم خزان مياه وتربة خصبة تشكل سلة فلسطين الغذائية.

هذا التهديد الوجودي و المصيري لشعب فلسطين وتخلي الأشقاء عن فلسطين وقضيتها رسميا ومحاولة إحداث تغيير في وعي الأمة العربية من قبل بعض الأنظمة العربية لجعل قضية فلسطين قضية الشعب العربي الفلسطيني وحده ونزعها من بعدها العربي جعل الحركتين تفكران مليا في حالة الانقسام، التي لم تخدمهما بل خدمت العدو الإسرائيلي ووضعت الفصيلين في حال الشماتة من قبل الجميع وافقدتهم الزخم الشعبي الفلسطيني الرافض للانقسام .

المؤتمر بعث برسائل ثلاث هامة :

الأولى للشعب الفلسطيني أن حماس وفتح باتتا على قلب رجل واحد وفي خندق واحد لمواجهة مخططات الاحتلال الإسرائيلي ومعها حليفتها امريكا الرامية لتصفية القضية الفلسطينية وانهاء حلم بناء الدولة وان خلافاتهم السياسية الحزبية وضعت جانبا لأجل إعلاء مصلحة الوطن فلسطين.

والثانية رسالة إلى الأشقاء الذين يتآمرون ويتساوقون مع رؤية الإحتلال وامريكا في الخفاء واحيانا في العلن ومن بينهم دول عربية وازنة يقولون فيها بأن الشعب الفلسطيني موحد بكل قواه وعلى رأسهم حماس وفتح في مواجهة كل من يفكر في النيل من الحقوق الفلسطينية.

والثالثة موجهة للاحتلال تقول أن المواجهة ستكون مع الكل الفلسطيني وقواه الحية وعلى رأسها حركتي فتح وحماس وان مخططها يعني اعلان حرب على الشعب الفلسطيني يقتضي من الجميع ترك الخلافات جانبا والتصدي سوية بكل الوسائل لإفشال مشروعها.

كثر يتساءلون عن مستوى صدقية ما ورد في المؤتمر على لسان القائدين وتحديدا وقوف حماس خلف الرئيس عباس في جهوده السياسية والدبلوماسية والقانونية للتصدي للضم والإقرار بأن فتح قدمت قادتها من أجل فلسطين كما قدمت حماس وان حركة فتح رفيق في النضال جنبا إلى جنب من اجل التحرير ولا يمكن لأحد نفي الآخر .

مشاعر الصدق بدت على محيا القائدين وخصوصا الاتفاق والمباركة الشخصية من الرئيس عباس ومركزية فتح وقيادة حركة حماس ومكتبها السياسي على الاستراتيجية المشتركة لمواجهة خطط الإحتلال الإسرائيلي.

خروج الاثنين في مؤتمر وعبر شاشة فلسطين يؤكد التقارب الكبير في الرؤى ويؤكد بأن حماس أقرت بأهمية النضال السياسي والدبلوماسي والسلمي الذي تقوده حركة فتح و م.ت.ف وإقرار حركة فتح بأهمية وجود حركة حماس وسلاحها لحماية المشروع الوطني واتفاق الطرفين على دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967 والقدس عاصمة لفلسطين وعودة اللاجئين.

وكما ذكرت في إحدى مقالاتي أن الوحدة هي السبيل الوحيد لمواجهة صفقة القرن ومشاريع الضم والتآمر على شعبنا، ها هما الحركتين الكبيرتين تدركان انه لا خيار سوا القتال والنضال في صف واحد فأما النصر أو الهلاك معا و"عمر الدم ما بصير مية".

*أكاديمي وباحث/ جامعة الخليل