عرسان في زمن كورونا.. إجراءات اضطرارية أفضت إلى خلاف!

نابلس- "القدس" دوت كوم- ضحى أبو زنط- الرواد للصحافة والإعلام- طيلة فترة خطبتها حلمت الفتاة نسرين من مدينة نابلس، بأنّ يكون يوم زفافها مميزاً محفوراً في ذاكرتها.

وألقت أزمة وباء الكورونا وما رافقها من إجراءات وقرارات وقائية، بتقييد الحركة تارة، وإغلاق صالات الأفراح ومنع التجمعات تارة أخرى، بظلالها السوداوية على أحلام نسرين، لتضع حلم إقامة مراسم زفافها وأحلامها الوردية على كف عفريت.

تلك الإجراءات والقرارات أجبرت كثيراً من العرسان في الضفة على تقليص مراسم زفافهم، وتأجيلها لأوقات أخرى، أو إلغائها، الأمر الذي أحدث تبايناً بين وجهات النظر لدى هؤلاء العرسان، فتبدأ من هنا معالم خلافات تظهر للعيان مما قد يصل في بعض الأحيان إلى طلب فسخ الزواج.

وتقول الفتاة نسرين إنها وخطيبها أجلا حفل زفافهما الذي كان من المقرر إجراؤه في نهاية شهر آذار، أي مع بدايات أزمة كورونا وفرض حالة الطوارئ، ظناً منهما بأن عمر تلك الأزمة لن يمتد لأكثر من شهر واحد.

وبعد هذا التمديد، وجد العريسان نفسيهما أمام واقع يحتم عليهما اتخاذ قرار التأجيل مجدداً أو إقامة مراسم الزفاف في الإطار الضيق، مما يعني إتمامه بأقل عدد من الحضور، بعيداً عن الصخب ومشاركة الجميع، لا سيما بعد قرار الحكومة الأخير بإغلاق الصالات وقاعات الأفراح ومنع التجمعات في الأماكن المفتوحة والمغلقة.

وأمام قرارات الحكومة وإجراءاتها المشددة لمنع تفشي الوباء، وبين رغبة الكثير من الشباب بإتمام مراسم زفافهم بأقل الطقوس وبحد قليل من الحضور، ظهر الكثير من الخلافات بين المقبلين على الزواج من جهة، وذويهم من جهة ثانية، وهو ما دفع الكثير من المختصين التربويين والاجتماعين لقول كلمتهم في هذا الظرف تجنبا لتعميق الشرخ في المجتمع.

"الصلح خير"

المحامي الشرعي الدكتور سعيد دويكات قال معقباً على الخلافات التي نشبت إثر اضطرار الكثير من العرسان لتأجيل مراسم زفافهم أو تقليصها: "لحسن الحظ لا يوجد حالات في فلسطين لطلب التفريق على إثر أزمة كورونا نتيجة الإجراءات التي لحقت بقطاع الصالات والأفراح وتأجيل الزفاف، وفي حال حصلت مثل تلك الحالات، فهذه القضايا ترفض لأن المبرر غير شرعي".

ويذكر دويكات خلال حديثه لـ"القدس" بأنّ هناك بعض النماذج من الخلافات بين أهل العروسين حول إجراءات ومراسم الزفاف، فالبعض يريد استغلال هذه الجائحة والتعايش مع ما أنتجته من ظروف، وبالتالي إتمام الزفاف بأقل المراسم، وآخرون يريدون أن تتم المراسم وكأن شيئا لم يكن ولو اضطر الأمر إلى التأجيل الى ما بعد الجائحة أو تقليل الإجراءات بهذا الشأن.

وأضاف دويكات: "بالنسبة لي، لو صادفتني أي قضية من هذا القبيل، فإني سأتوجه إلى الصلح وأقوم بإبلاغ المدعي بذلك، وأتواصل مع الطرف الآخر، وأحاول أن أصلح وأسوي الأمر بينهم وانهي الخلاف، نزولاً عند قوله تعالى: "فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان".

وأردف: "أحاول أن انهي الخلاف بأقل الخسائر دون أن تكسر روح أي منهما أو أن يتعمق الخلاق ويصبح بينهما شرخ يستحيل بعده استمرار العلاقة والحياة الزوجية والاجتماعية حتى وإن تم الزفاف".

ويضيف: "في حال عجزنا نحن كمحامين عن تسوية الخلاف، فإن القضية بالعادة تحول إلى قسم الإرشاد الأسري في المحكمة الشرعية والتي تأخذ على عاتقها هي الأخرى محاولة رأب الصدع وتقليل الخلاف وإنهائه، وإلا فسيكون خلاصة الأمر إحالة القضية إلى القاضي الشرعي".

ويؤكد بأنّ تلك الخلافات التي لا معنى لها، من شأنها أن تزيد الخلافات وتعمق الشرخ بين أواصر المجتمع، وتعبر عن سطحية التفكير وهشاشة العلاقة بين الخطيبين.

وختم قائلاً: "كيف لفتاة أن تفكر بهذه المنهجية والطريقة وتفضل الشكليات وحفل زفاف لا تتعدى مدته الساعتين، في مقابل أن تتخلى عن شريك حياتا وحلمه في تكوين أسرة".

انعكاسات وضغوط

الدكتور غسان ذوقان، المحاضر في قسم علم النفس والإرشاد التربوي بكلية التربية بجامعة النجاح الوطنية، أكد أنّ الإجراءات العديدة التي اتخذتها العديد من الحكومات للحد من انتشار فيروس كورونا من حجر منزلي ومنع للتنقل أو السفر والتباعد الاجتماعي والتوقف عن العمل، كان لها انعكاسات اجتماعية عديدة، سواء على صعيد الحياة الزوجية أو العلاقات الاجتماعية أو الوضع الاقتصادي العام.

ورأى ذوقان بأن جميع هذه الأمور ساهمت في زيادة الضغوط والنفسية والمالية والعاطفية على الأفراد ومنهم الخاطبون -ذكوراً وإناثا- وكان لهذه الإجراءات والضغوط دور بارز في حدوث العديد من الخلافات بين العرسان.

وتابع: " إن إغلاق صالات الأفراح ومنع الاحتفالات بالأعراس أصاب العديد من الفتيات بشكل خاص بخيبة أمل كبيرة لأن الفتاة تحلم بأن يكون يوم زفافها مميزاً وتعد له العدة أياماً وساعات طويلة هي وخطيبها، لتفاجأ بالوضع الجديد بتأجيل الموعد مرات ومرات ثم الضغوط لتمرير العرس بأي شكل دون مراسيم وطقوس كانت تحلم بها، وهنا يبدأ الصراع بين أحلام السعادة وضغوط الواقع الجديد وبين رغبات أحد الخاطبين بإنجاز العرس وعدم التأجيل وإصرار الطرف الثاني على التأجيل على أمل إنجاز العرس حسب الطموحات المنشودة.

من جهة أخرى، أوضح ذوقان: "بعض الشباب مرتبطون بمواعيد سفر وعمل وإجازات محددة مسبقاً وبعضهم أصبح في وضع اقتصادي ضاغط جداً بسبب جائحة كورونا ولم يعد باستطاعته إقامة مراسم العرس كما كان مخططاً له من مظاهر، فيحدث الخلاف مع الفتاة أو أهلها، مما قد يؤدي في حالات معينة لفسخ العقد والطلاق.

تحول وتغير اجتماعي!

وتخوفاً من انعكاسات خلافات المراسم والتكاليف والمظاهر التي تشير إلى تحول وتغير اجتماعي في الاتجاه الخاطئ، يحذر ذوقان من ازدياد التوجه المادي والقيم المادية وتغلب سلوك التقليد للمظاهر الزائفة على حساب قيم القناعة والأصالة.

وأكد ذوقان بأن الخلل يعود إلى اعتلال في القيم الدينية التي تعظم قيم القناعة والواقعية والبعد عن المظاهر الكاذبة التي يترتب عليها مصاريف عديدة وليست ضرورية، مما يثقل كاهل العريس وأهله وزيادة مطالب العروس وأهلها تقليداً للآخرين من ناحية، وحباً في الظهور من ناحية أخرى.

ومن الطبيعي أن الاختلال في القيم الدينية سيؤثر سلباً على المنظومة الاجتماعية والأخلاقية.

انهيار قيم التضامن

وتابع: "من المعلوم أن النفوس الأصيلة تكون أقرب ما يكون لبعضها البعض إذا جمعتها مأساة على صعيد واضح، وجائحة كورونا تعتبر مأساة كبيرة والأمر المتوقع أن يقترب الناس من بعضهم وان يعذروا بعضهم بعضاً، لكن المؤسف تبين وجود خلل في النفوس وانهيار في قيم التضامن، وظهر زيف العلاقات الاجتماعية عند قطاع واسع من الناس، بما في ذلك العلاقات العائلية والزوجية وعلاقات النسب والمصاهرة.

وطالب ذوقان الخاطبين باستغلال الوضع القائم وتجاوز المظاهر الاحتفالية الكاذبة وادخار ما كان من الممكن إنفاقه لتحسين أوضاعهم المعيشية وعدم الارتباط بديون تكبلهم لسنوات قادمة لا لشيء سوى للتقليد ومجاراة المظاهر الاجتماعية الزائفة.

كما دعا كل المرشدين تربويا ونفسياً ودينياً لإعادة بناء الوعي بالقيم الراقية التي تحافظ على الرباط المقدس للحياة الاجتماعية، سواءً للخاطبين أو المتزوجين، وهي فرصة مواتية للعقلاء للتخلص من كل العادات والمظاهر الكاذبة.