ترامب إذ يتوعّد بولتون..، "غير المُؤهلّ" ضد "الخائِن"!

بقلم: محمد خروب

ساعات معدودات وتكون المُذكرات التي اثارت ضجّة غير مسبوقة في الولايات المتحدة الأميركية، بين يدي "القُرَّاء" رغم أن أصداء التسريبات المُبرمَجة والمُثيرة التي نشرتها صحف أميركية كبرى, ما تزال تُدوّي في أرجاء المعمورة.

ليس فقط في شأن ما نقله مستشار ترامب للأمن القومي السابق جون بولتون، بما هو الرجل الأكثر يمينِية وتطرّفاً ونزوعاً لاستخدام الكلام الفظّ وتوظيف الترسانة العسكريّة الأميركيّة لِـ"تأديب" أو إسقاط أنظمة وشخصيات ترفض الهيمنة الأميركية والخضوع لإملاءاتها, وتنفيذ ما تفيض به من غطرسة وعنصرية وإزدراء لكل ما هو قانون دولي أو حقوق إنسان أو قيم وأخلاقِيّات, وإنما أيضاً ودائماً لأن بولتون كشف/ فضح ضحالة وفقر الثقافة السياسية بل الخيال السياسي المعدوم لرئيس الدولة الأعظم في العالم، الذي لا يكاد يتبنّى رأياً حتى ينقلِب عليه, مُروجاً لفكرة أو مقارَبة مناقضة تماماً لما صرّح به أو اعتزم القيام به، ما أضاء على نسبة الذكاء المتواضعة بل المُتدنية حدود التصحرّ لدى تاجر العقارات و"مُقاوِل" تلفزيون الواقع ومسابقات ملكة جمال العالم, وخصوصاً الكيفية التي "يُوصِل" بها المجمع الصناعي/ العسكري/ البترولي, والأكاديمي "أشخاصاً" مغمورين إلى البيت الأبيض, ليكونوا في خدمة السياسات الأميركيّة العدوانيّة ومصالح رأس المال والشركات عبرة القارّات وفي المُجمل النيوليبرالية المُتوحّشة بكل تجلّياتها وتفرّعاتها, ولا يلبث أن يُرسلهم إلى المَجهول أو التسلّي بإلقاء المحاضرات وكتابة المذكرات.

وهنا نفتح قوسين للتساؤل عمّا يُمكن لدونالد ترامب أن يكتبه أو يتذكّره, عندما يُغادر المكتب البيضاوي "مهزوماً" في الثالث من تشرين الثاني القريب, أو بعد ولاية ثانية إذا ما جدّد له الأميركيون الدعم, رغم المؤشرات التي تستبعد ذلك.. وفق استطلاعات اليوم.



المُتابِع لحملات التراشق الإعلامي والهبوط الأخلاقي والسياسي, التي تستبطنها ردود أفعال الأطراف ذات الصلة في المواجَهة, بين "غير المُؤهل" (كما وصفَ بولتون.. ترامب), و«الخائِن» كما تبرّع المُنافق الأكثر تطرفاً ويمينية وعدوانية من بولتون ولكن مع ابتسامة ماكرة وهدوء مزيّف, على عكس "الصورة" المُتجهِّمة والخالية من أي تعبير, التي يظهر عليها بولتون، ونقصد مايك بومبيو, رئيس الدبلوماسية الأميركية المُتغطرِس والإستعلائِيّ.



إذا أخفيتَ «أسماء» الذين يُدلون بتصريحات تُهاجِم أحد الطرفين أو كليهما، فإنك لن تتردّد في الإجابة بـ«نعم» إذا ما سألك أحدهم.. إذا كانت هذه تصريحات تصدر عن قادة وزعماء وإعلاميين دولة من دول العالم الثالث؟، وهذا ما يعكس بالضبط المستوى الأخلاقي والقِيمي للسياسيين الأميركيين, الذين يُظهرون «طُهرانية» ويتحدّثون بأستاذية وتعالٍ, عن الديمقراطية وحرية التعبير والمُجتمع المفتوح والشفافية والحوكَمة وغيرها من الرطانة, التي طالما صدعَ الإمبرياليون والمستعمِرون.. قديمهم والجديد رؤوسنا بها, وحاولوا فرضها علينا, تارة بالغزو وطوراً بالعقوبات ودائماً بالرشى والانقلابات والاغتيالات وتشويه صورة المُقاومين والرافِضين للهيمنة الأميركية وإملاءاتها.



ترامب يتوعّد بولتون بدفع «ثمن باهظ», بعد أن يصفه بأنه «يهوى إلقاء القنابل على الناس وقتلِهم والآن, - يضيف ترمب في تهديد مُستشاره السابِق - ستُلقى القنابِل عليه».

بولتون من جهته.. لا يُبدي اكتراثاً, بعد أن «رَكِبَ» رأسه وقرّر التحدّي وكشف كل ما في «الغرفة.. حيث حصل كل شيء»، وهو عنوان الكتاب المُتوفّر الآن بين أيدي المُشترين».. لكن نظرة على رد فعل قادة الحزب الديمقراطي وكُتَّاب الأعمدة في الصحف الأميركية الرئيسية, تكشف ضمن أُمور أخرى «شماتِةً» ما, تفوح من بين السطور والتغريدات التي كتبوها, وان كانوا يعزون ذلك إلى «عزوف/ رفض بولتون بل و«تردّده» في الإدلاء بشهادته أمام لجنة التحقيق التي شكّلها مجلس النواب (بأغلبيّته الديمقراطية) للنظر في إمكانية عزل ترامب, على خلفية «طلبه» من الرئيس الأوكراني فتح تحقيق ضد «نجل» المرشح الرئاسي الديمقراطي.. بايدن, وهو أمر (شهادة بولتون) لو حدث في حينه, لربما أسهمَ في إطاحة ترامب أو محاكمَته أو دفعه للاستقالة, كما حدث مع ريتشارد نيكسون على خلفية القضية الشهيرة المعروفة بـ«ووترغيت».



يقول النائب الديمقراطي تيد ليو, الذي بذل جهوداً هائلة من أجل محاكمة ترامب: «.. إن بولتون، هو نموذج المُوظّف الحكومي المُدّعِيّ، الذي لم يكتفِ بتغليب الحفلات على البلاد، بل وضع أرباحه الخاصة قبل البلاد.. رجل خسيس». فيما غرّد المستشار في اللجنة القضائية في مجلس النواب أثناء العمل على محاكمة ترامب نورم آيزن: جون.. لقد توسلنا إليك للإدلاء بشهادتك في الاتهام.. لقد حاولنا كل شيء حتى اللحظة الأخيرة...لكنك رفضتَ بإصرار..الآن تريد منّا أن نشعر بالأسف عليك وشراء كتابك؟.. إنسَ ذلك».



في السطر الأخير.. نحن أمام ميلودراما أميركية على طريقة عصابات شيكاغو وآل كابوني, لكن الجديد هنا هو أن أطرافها يتبوأون المًراكز العليا وأحدهُم «ساذج» يحمِل «كلمة السر».. للزِرّ النَوويّ.



عن "الرأي" الأردنية