الحرم الإبراهيمي.. فصول المجزرة تتوالى بالاستيطان والتهويد

استهدافه جزء من مخططٍ متدحرجٍ للاستيلاء على الخليل

الاحتلال يواصل مساعيه لنزع ملكية "الأوقاف" ومحو التاريخ

دعواتٌ لوضع خطةٍ شاملةٍ لمواجهة الأطماع الاستعمارية

رام الله- خاص بـ"القدس"دوت كوم- منذ أعلنت قوات الاحتلال الإسرائيلي في 12 من الشهر الماضي قرار ضم أجزاء من الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل، فإن ذلك الإعلان وإمهال الاحتلال لدائرة الأوقاف في الخليل مدة زمنية للاعتراض خلال 60 يوماً، يضع الحرم الإبراهيمي أمام مرحلة جديدة من مراحل تهويده.

مراحل تهويد الحرم الإبراهيمي بدأت منذ اليوم الأول للاحتلال الإسرائيلي عام 1967، وتلتها مراحل متعددة، بدءاً من اقتحامه، ونهايةً بتقسيمه مكانياً، عقب مجزرة الحرم التي راح ضحيتها عشرات الشهدا،ء بعدما نفذ تلك المجزرة المستوطن المتطرف باروخ غولدشتاين عام 1994، ليقف الحرم هذه الأيام مرحلة جديدة من التهويد بعد قرار مصادرة أراضيه، وقرار إنشاء مسارٍ سياحي وإقامة مصعد في الحرم الإبراهيمي.

محاولات لإفشال القرار

ما جرى دفع الجهات المختصة المسؤولة عن الحرم الإبراهيمي إلى اجتماعٍ عاجلٍ لتدارس سيناريوهات الرد على قرار الاحتلال، حيث يوضح رئيس لجنة إعمار الخليل ورئيس بلدية الخليل تيسير أبو سنينة، لـ"القدس" دوت كوم، أنه جرى رفض تسلم القرار في حينه إلا عبر الشؤون المدنية الفلسطينية، وتمت الدعوة إلى اجتماع عاجل ضم محافظة الخليل والغرفة التجارية في الخليل وملتقى رجال الأعمال ولجنة إعمار الخليل ووزارة الأوقاف والشؤون الدينية مع مجموعة من المحامين، لتباحث سبل الرد على القرار.

ووفق أبو سنينة، فإن الاجتماع بحث الإجراءات التي يمكن أن تُتخذ للتصدي لهذا القرار الاحتلالي، وتم وضع عدة سيناريوهات حول ما يمكن أن يحدث، ووضع خطة مواجهة على المستوى الرسمي وكذلك الشعبي والقانوني.

وعلى مستوى الجهود القانونية، يوضح أبو سنينة أنه "تم إعداد الوثائق اللازمة للاعتراض على القرار، لكن لا نثق بالقضاء الإسرائيلي ولا نلجأ إليه عادة، ولكن إعطاء مهلة 60 يوماً يضعنا أمام الاعتراض أو عدم الاعتراض وأخذ قرار وشرعنته، ما يعني الموافقة على القرار".

ويشير القرار الإسرائيلي إلى مصادرة 90 متراً مربعاً قرب الدرج الأبيض في الحرم الإبراهيمي، لإنشاء مصعد، إضافةً إلى مصادرة 230 متراً عند الدرج الواقع قرب مركز شرطة الاحتلال، ويصعد إلى باب الحرم من جهة الساحة الجنوبية الشرقية، لكن أبو سنينة يشير إلى أن الاحتلال يُروج إلى أنه يسعى لخدمة إنسانية بتمكين المعاقين من زيارة الحرم، لكنه يستغل الظروف حتى يفرض واقعاً جديداً في الحرم الإبراهيمي، "لقد استغلوا مذبحة الحرم الإبراهيمي، وفرضوا واقعاً جديداً، فالاحتلال يستغل كل قضية ويأخذ قرارات مسيئة للشعب الفلسطيني، ويعاقب الضحية لصالح الجلاد".

وأشار أبو اسنينة إلى التواصل مع كافة الأصدقاء في العالم، ومن خلال السلطة الوطنية، لإرسال رسائل توضح خطورة ما يجري بحق الحرم الإبراهيمي.

من جانبه، يوضح مدير الحرم الإبراهيمي حفظي أبو سنينة أن وزارة الأوقاف اتجهت للدوائر القانونية، كي تقيم على الاحتلال اعتراضاً على مثل هذه القرارات الجائرة بحق الحرم الإبراهيمي، والقرار تعدٍّ صارخ ومساس خطير بحرمة الحرم، وتثبيت الحق للمستوطنين في داخل الحرم.

ووفق مدير الحرم الإبراهيمي، فإن الاعتراض كان من دائرة الأوقاف للمنظمات الحقوقية والدولية، بما فيها اليونسكو، التي اعتبرت الحرم الإبراهيمي على قائمة التراث الحضاري، وكذلك البلدة القديمة من الخليل.

ويؤكد حفظي أبو سنينة وجود قضية قائمة ضد قرار الاحتلال، وسيتم الانتظار على الرد في المحاكم الإسرائيلية، حيث أعطى الاحتلال الأوقاف وبلدية الخليل مدة 60 يوماً للاعتراض.

ويشير إلى أن قرار مصادرة جزء من الأراضي بجوار الحرم يتم تبريره بتركيب مصعد كهربائي، لكنه من أجل تسهيل مهمة اقتحام المستوطنين للحرم.

في سابقة.. الاحتلال يسعى لنزع ملكية الأوقاف

وعلى رغم أن القانون ينص على أنه لا يجوز لأحد أن يغير شيئاً في واقع الحرم دون الرجوع إلى الأوقاف في الخليل، فإنّ ما يفعله الاحتلال يوضح نواياه تجاه ملكية الأوقاف، حيث يوضح رئيس بلدية الخليل أن "قانون الأوقاف لا يسمح لأحد بالتملك أو تغيير أي شيء ونزع ملكية الأوقاف، وهو ما يسعى الاحتلال إليه في هذه المرحلة".

ويتابع أبو سنينة: "قديماً كان يتم الاعتداء على الحرم، لكنها المرة الأُولى التي يتم فيها نزع ملكية وقف من ملكية الأوقاف، والقضية أكبر من مصادرة أمتار، هذا القرار يؤسس لقضية أكبر للتعامل مع قضية ملكية الأوقاف".

ويوضح رئيس بلدية الخليل: "شكلنا لجنة قانونية لمتابعة الموضوع، وهي تعمل عن كثب، وبعثنا رسالة للقيادة الفلسطينية نوضح لهم فيها خطورة الوضع، وكذلك إيضاح الإجراءات التي سنعمل عليها، وندعوهم للتحرك، ونوضح لهم بعض الخطوات التي يمكن أن تقوم بها السلطة للتواصل مع الجهات الدولية، وعلى رأسها اليونسكو، إضافة إلى المنظمات الدولية ذات العلاقة، وعلى الصعيد الشعبي نحن على تواصل مع كل القوى الشعبية على الأرض لرفض القرار، وللتمسك بحقنا في الحرم ومحيطه وساحاته".

صلاحيات بلدية الخليل في الحرم الإبراهيمي

ويؤكد رئيس بلدية الخليل أن البلدية تمارس صلاحياتها في الحرم الإبراهيمي وساحاته ومحيطه، "فالبلدية موجودة قبل الاحتلال، أي موجودة منذ أُنشئت بقرار عثماني عام 1870، وصلاحيات البلدية أن لجنة إعمار الخليل تقوم بصيانة الحرم، وأن يتم الترميم تحت مظلة الأوقاف، الجهة التي تملك الحرم، حتى في الجانب المغتصب من الحرم الإبراهيمي، فإن بلدية الخليل هي من تقوم بالترميم والصيانة".

ويشير أبو اسنينة إلى أن الـ230 متراً المهددة بالمصادرة هي ملكٌ للبلدية، التي تمارس صلاحياتها هناك، إلى أن يتم منعها بقوة السلاح وقوة الاحتلال، لكن تلك القوة لا تنشئ حقاً، "يجب على الاحتلال أن يعتبر من الاحتلالات السابقة حينما كان الحرم إسطبلاً للخيل مدة 200 سنة، لكن انتهى الاحتلال الصليبي، وهذا الاحتلال على وشك الانتهاء".

ووفق أبو اسنية، فإن اتفاقية الخليل تعطي بلدية الخليل الصلاحية المطلقة، وهي التي تقوم بتقديم الخدمات بكل مناطق الخليل، "وحين جاء برتوكول الخليل قسّم الخليل إلى (H1) و(H2)، ونص على أنّ بلدية الخليل هي صاحبة الصلاحية الإدارية والخدمات، لكنّ الاحتلال لا يعطي أي أهمية لأي اتفاقية ويخرقها".

بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي، شكّل الاحتلال لجنة "شمغار"، وسُميت بذلك الاسم نسبة إلى قاضٍ إسرائيلي اسمه "شمغار"، وجرى وفقها تقسيم الخليل وإغلاق قلب الخليل ومنطقة الحسبة وكل المنطقة وصولاً إلى تقسيم الحرم الإبراهيمي، واعتبرت أنه يوجد جزء من الحرم ممنوع دخول المسلمين إليه، إلا في أعيادهم، ويُحرمون من الحرم 10 أيام في أعياد اليهود، وفق أبو اسنينة.

ويضيف أبو اسنينة: "لم يحترم الاحتلال حتى قرارات لجنة (شمغار)، بالرغم من الظلم الواقع على الضحية، ولم يلتزم بما نصت عليه بأنه لا يجوز تغيير معالم الحرم، وأي تغيير يجب الرجوع فيه إلى الأوقاف".

الاعتداءات على الحرم منذ اليوم الأول لاحتلال الخليل عام 1967

والاعتداء على الحرم الإبراهيمي مستمر منذ اليوم الأول لاحتلال المدينة عام 1967، حينما أقام الاحتلال أعراساً في ساحة الحرم، ثم بدأ جيشه بالوقوف على أبواب الحرم، "فما يجري هو ممنهج، وكل ما يمارَس بالحرم يُعدّ بالون اختبار لما يمكن أن يمارَس في المسجد الأقصى المبارك"، يوضح أبو اسنينة.

وبدأ الاحتلال بعد عام 1967 مرحلة تمهيدية باقتحام الحرم الإبراهيمي، ثم مرحلة أُخرى بوجود جيش الاحتلال بشكل دائم على أبوابه، ثم تقسيم الحرم، والآن السعي إلى السيطرة ونزع ملكية الأوقاف عن الحرم.

ويشدد أبو اسنينة على ضرورة أن تكون لدينا منهجية وخطط للوصول إلى أهدافنا في الحرم، فالحرم الإبراهيمي موقع مقدس، وله هالة وقدسية مُست نتيجة ممارسات المستوطنين.

يوم أن كان الحرم موطن المؤمنين بعد أداء فريضة الحج

وكان الحرم الإبراهيمي معلماً من معالم مدينة الخليل وروحها، واسمها الخليل نسبة إلى سيدنا إبراهيم الخليل الذي يسكن الخليل، وكان الحرم الإبراهيمي موطناً للمؤمنين من دول العالم العربي والإسلامي بعد أدائهم فريضة الحج قبل الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية.

يقول أبو اسنينة: "كان المغاربة والأتراك وكل المسلمين يأتون لزيارة الحرم الإبراهيمي بعد أداء فريضة الحج، وهم في طريق العودة إلى بلادهم، حينها كانوا يمرون لزيارة الأقصى والحرم الإبراهيمي، وفي طفولتي كنتُ أتعامل مع رواد الحرم من المغرب وتركيا ومن أكثر من جهة من الدول الإسلامية".

أما الزيارات للحرم الإبراهيمي من داخل فلسطين قبل الاحتلال الإسرائيلي، فهي لم تكن تتوقف على مدار العام بشكل دائم وبأعداد كبيرة، ووفق أبو سنينة "كنا نصلي أيام الجمعة، في ساحات الحرم الإبراهيمي وفوق سطوحه، وكذلك في الساحات والشوارع الخارجية المحيطة بالحرم، ويمتلئ الحرم عن بكرة أبيه".

مسجد فوق مغارةٍ دُفن فيها الأنبياء وزوجاتهم

يعود أصل المسجد الإبراهمي في الخليل إلى عهد إبراهيم عليه السلام، إذ توجد تحته مغارة دُفن فيها الأنبياء إبراهيم وإسحاق ويعقوب وزوجاتهم، يوضح أستاذ العمارة في جامعة بيرزيت، د. جمال عمرو، في حديث لـ"القدس"دوت كوم.

ويشدد عمرو على أن مكان الحرم الإبراهيمي هو ثروة إسلامية توحيدية، أخذ مكانته في التاريخ من شرف استضافة إبراهيم عليه السلام، وسُميت مدينة الخليل باسمه، والمسجد الإبراهيمي سُمي نسبةً إلى إبراهيم عليه السلام، حيث إن الحرم مبنيٌّ فوق مدافن الأنبياء.

والحرم الإبراهيمي مبنى عملاق راسخ منذ نشأته، ويقول عمرو: "لقد أُنشئ الحرم الإبراهيمي قبل السيد المسيح بطراز روماني وبحضارة فلسطينية أيام الملك هيرودس أمير روما، علماً أن هيرودوس هو فلسطيني، أما المبنى فهو ديني روماني مبني فوق مغارة مدافن الأنبياء، والمسلمون أسلموا المبنى (جعلوه مكاناً إسلامياً) باعتبار أن له علاقة بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام".

ويتابع عمرو: "بنى هيرودوس مبنى فوق قبور الأنبياء، وفق النمط الروماني، ولم يحصل على الحرم منذ زمن هيرودوس وحتى الفتح الإسلامي زمن عمر بن الخطاب أي تغيير، ثم بدأ بعدها الاهتمام بالحرم الإبراهيمي وتقسيماته بالداخل بإضافة القبة والمآذن وتقسيماته كذلك لمصلى للنساء، إلى أن أخذ في الفترة العثمانية طابعاً إسلامياً من عناصر العمارة الإسلامية".

ويوضح عمرو: "اهتم المسلمون اهتماماً كبيراً، وأحيوا التكية، وأوقفوا عليها أوقافاً كثيرة، والحرم الإبراهيمي أُوقفت له الوقفيات، في الرملة ويافا وعسقلان وقرى منطقة الخليل الغربية بالكامل، حيث كان الصحابة ومَن بعدهم يوقفون أراضي متروكة تُمنح للناس؛ بأن يزرعوها ويعطوا جزءاً من إنتاجها ودخلها للاهتمام بالحرم الإبراهيمي".

بدوره، يوضح مدير الحرم الإبراهيمي حفظي أبو سنينة أن الحرم هو عنوان مدينة الخليل والقلب النابض للمدينة، وهو مقام إبراهيم عليه السلام، والحرم الإبراهيمي بكافة أروقته وأقسامه يُعدّ وحدة واحدة، لكن الاحتلال قسّم الحرم بعد المجزرة التي ارتكبها المستوطن باروخ غولدشتاين، وأصبح هناك قسم مغتصب مساحته 63%، عدا إغلاق شارع السهلة وشارع الشهداء والحسبة وأكثر من ألف محل تجاري.

وتبلغ مساحة الحرم الإبراهيمي من الداخل والخارج ما يقارب 5 آلاف متر مربع، منها دونمان و50 متراً مربعاً مساحة البناء الداخلي، والبناء يعود إلى العهد الروماني زمن الملك الأدومي هيرودس، عندما قام ببناء السور الضخم فوق المغارة التي دُفن فيها الأنبياء حفاظاً عليها، وهي المغارة المعروفة بالمكفلة، ثم تعاقبت على هذا المكان عدة دول كالأمويين والعباسيين والفاطميين والأيوبيين والمماليك والعثمانيين حتى وصل إلى وقتنا هذا.

والحرم الإبراهيمي يتألف من عدة أقسام، هي: "الجاولية وتعود للعهد المملوكي، والإسحاقية وتُعتبر المصلى الرئيسي الآن للمسلمين، خاصة بعد التقسيم، والإبراهيمية وهي تحت السيطرة الإسرائيلية، والصحن ويخضع للسيطرة الإسرائيلية، ومنطقتا اليعقوبية واليوسفية، وتقعان تحت السيطرة الإسرائيلية".

وما يقع تحت السيطرة الفلسطينية من أقسام الحرم هما "الجاولية، والإسحاقية"، أما الساحات الخارجية فكلها تقع تحت السيطرة الإسرائيلية، ولا يُسمح الدخول إلى هذه المناطق بسبب السيطرة التامة وإغلاق المنطقة بالكامل أمام المسلمين، وتتحكم الإجراءات الإسرائيلية الآن بإغلاق المكان بالكامل، علاوةً على إيجاد بوابات تفتيشية تتحكم بالدخول والخروج من المسجد الإبراهيمي، والتحكم بأعداد من يدخلون.

ضربة قاضية للمعاهدات والاتفاقات المبرمة

يؤكد الكاتب عبد الغني سلامة، في حديث لـ"القدس"دوت كوم، أنه على ضوء التسهيلات الأمريكية الممنوحة لإسرائيل لمواصلة مشروعها التوسعي الاستيطاني ضمن ما يُعرف بصفقة القرن، وضمن محاولات الاستيلاء الكامل على الحرم والبلدة القديمة، أعلن نفتالي بينيت، وزير جيش الاحتلال في حينه، مصادقته النهائية على مشروع استيطاني على أراضي المدينة، لإقامة طريق خاص للمستوطنين، يربط مستوطناتهم بالحرم، وإقامة مصعد لهم في أرض الحرم، كما دعا بينيت ما يسمى "مجلس التخطيط الأعلى الإسرائيلي" إلى ممارسة سلطاته لاستكمال جميع إجراءات الاستيطان قرب بلدية الخليل، وهذا المشروع حصل على مصادقة القضاء الإسرائيلي ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو.

ويقول سلامة: "لا شك أن إعلان بينيت يشكل ضربة قاضية لكافة المعاهدات والاتفاقيات المبرمة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، بل وضربة للقرارات الدولية، وأبرزها قرار منظمة (اليونسكو) لعام 2017، القاضي بإدراج البلدة القديمة في مدينة الخليل والحرم الإبراهيمي على قائمة التراث العالمي للمحافظة عليها كموروث ثقافي وإنساني، ومطالبة سلطات الاحتلال بالكف عن الانتهاكات التي من شأنها تغيير الطابع المميز للمدينة (وهذا ينطبق على القدس أيضاً)".

ويوضح أنه من خلال هذا المخطط تهدف حكومة الاحتلال إلى جعل مستوطنات "كريات أربع" و"خارصينا" والبؤر الاستيطانية التي أُقيمت على أراضي المواطنين في الخليل كتلة استيطانية واحدة، ضمن مخطط الضم المتدرج للضفة الغربية.

ويشير سلامة إلى أن الحرم الإبراهيمي أهم المعالم الدينية في الخليل، بل إنه ارتبط باسمها، ومنذ أقدم الأزمان، ونظراً لأهميته الدينية والتاريخية سعت إسرائيل إلى تهويده منذ احتلالها المدينة في حزيران 1967، إذ إن الرواية التوراتية تزعم أن إبراهيم الخليل أهم الشخصيات المركزية التي تنتمي لعصر الآباء، العصر المزعوم الذي أسس اليهودية، وبالتالي فإن تهويده مسألة مهمة لتثبيت الرواية التوراتية، خاصة بعد أن تهاوت تلك الرواية، وسقطت تحت ضربات المؤرخين وعلماء التأريخ، بمن فيهم مؤرخون إسرائيليون.

ويتابع، منذ احتلال مدينة الخليل، لم تتوقف محاولات تهويد الحرم الإبراهيمي ومحيطه، لكن المجزرة البشعة التي ارتكبها الإرهابي جولدشتاين، في 25 شباط 1994، بحق المصلين، وأدت إلى مقتل تسعة وعشرين فلسطينيا، وجرح العشرات، شكلت فرصة لإسرائيل لتثبيت التقسيم المكاني والزماني للحرم بين المسلمين واليهود، في سابقة مستهجنة في تاريخ المعابد الدينية.

دعوات للبدء بهجوم سياسي لمواجهة قرار مصادرة أجزاء من الحرم

وإذا كانت إسرائيل ماضية بفرض مخططاتها على الأرض، بالقوة والتهديد والعربدة وفرض الحقائق وتغييرها حسب مخططاتها التوسعية والتهويدية، فإن سلامة يرى أن الفلسطينيين مطالبون أكثر من أي وقت مضى للوقوف في وجه هذه المخططات، وعلى السلطة الفلسطينية استخدام كافة الأدوات السياسية والدبلوماسية والإعلامية، والبدء بهجوم سياسي يشمل كافة الساحات والمنابر الدولية، بما في ذلك اللجوء للمحاكم الدولية، مع أن مثل هذا القرار اعتمدته القيادة الفلسطينية في كثيرٍ من المناسبات السابقة، إلا أن تنفيذه لم يرقَ إلى المستوى المطلوب، وأي تلكؤ فيه غير مفهوم وغير مبرر.

أما على المستوى الشعبي، فيرى سلامة أنه ليس أمام الفلسطينيين سوى تطوير وتصعيد مقاومة شعبية شاملة تمتد في كافة المناطق، خاصة نقاط الاشتباك الساخنة، وفي مقدمتها الخليل.

ويضيف: "إن تنظيم برامج مقاومة شعبية ذكية ومتنوعة ليس بالأمر الجديد على الشعب الفلسطيني، فقد مارسها سابقاً بأشكال عدة، وقد أثبتت نجاعتها في تغيير الأمر الواقع، وفرض الإرادة الوطنية على المحتل، وتصعيدها اليوم بات مطلوباً أكثر من أي وقت سابق".

عبد الحميد: الاستيلاء على الحرم جزء من مخطط الاستيلاء على الخليل

يشدد الكاتب مهند عبد الحميد، في حديث لـ"القدس"دوت كوم، على أن الاستيلاء على الحرم الإبراهيمي جزء لا يتجزأ من الاستيلاء على مدينة الخليل، وهو أشبه بكرة ثلج متدحرجة، كان ينبغي مواجهتها منذ انطلاقتها، ويوماً بيوم لقطع الطريق عليها، وليس انتظار نتائج الفعل الاستعماري في محطته الأخيرة بعد مشوار امتد 53 عاماً.

يقول عبد الحميد: "إن المشكلة تكمن في سياسة الانتظار الفلسطينية التي أحالت إلى المفاوضات البت في القضم التدريجي لمدينة الخليل وللأرض الفلسطينية طولاً وعرضاً، صحيح أن المدينة وقواها السياسية والاجتماعية قاومت المحتلين المستوطنين، ورفضت كل تغيير ونهب وتغلغل استيطاني، لكن المقاومة كرد فعل مجزأ لم تنجح في منع مخطط الاحتلال ووقفه، بدليل تثبيت التقسيم المكاني والزماني للحرم الإبراهيمي كأمر واقع، وفرض إزاحات سكانية فلسطينية خارج المناطق المستهدفة كلونٍ جديدٍ من التطهير العرقي، فضلاً عن التوسع الاستيطاني".

ووفق عبد الحميد، اعتمدت سلطات الاحتلال استراتيجيةً تعتبر (فلسطين التاريخية) ملكاً حصرياً لليهود، بالاستناد إلى أيديولوجيا دينية متطرفة، وغطرسة قوة استعمارية، مدعومة بمنظومة قوانين، أخطرها قانون القومية، والأكثر خطورةً أن سلطات الاحتلال تعمل على هزيمة السكان الأصليين هزيمة نهائية، وفي الوقت نفسه تُقوض مقومات أي حل دون ذلك، ولا يغير من هذا الواقع المناورات الإسرائيلية التي تعترف ببعض الحقوق المدنية، كمحطةٍ في طريق عملية الإقصاء الطويلة، ويأتي تعامل سلطات الاحتلال مع مدينة الخليل ورموزها الدينية -الحرم الإبراهيمي- نموذجاً على عملية الإقصاء الممتدة في الزمان والمكان.

ويُعبر عبد الحميد عن أسفه لعدم وجود خطة فلسطينية في مواجهة الاستيطان داخل الخليل، "وتحديداً، لا توجد خطة فلسطينية لوقف التغول الاستيطاني في الضفة أيضاً، ولم تعد سياسة الانتظار ورد الفعل والشكوى والإدانة تصلح للاستخدام في مرحلة ترسيم النهب عبر الضم".

ويقول عبد الحميد: "نحن بحاجة إلى خطةٍ تطرح قضية الاستيطان في كل مدينة الخليل، بما في ذلك الحرم الإبراهيمي، تكون جزءاً من خطة أكبر لمواجهة الاستيطان في عموم الضفة، في البدء علينا الاعتراف بكل فشل سابق، والبناء فوق كل عنصر من عناصر الصمود، وإعادة تعريف الخطر الكبير الذي يمثله الاستيطان في سائر الأراضي الفلسطينية، وتحديداً في الخليل والقدس".

ويتابع: "وذلك من أجل استنهاض الفئات الاجتماعية المتضررة من العملية الاستعمارية الماضية بإحلال مستوطنين عنصريين مكان سكان أصلانيين، ومن أجل وضع حد لتقاطع مصالح فلسطينية مع المستوطنين المحتلين، وما يستدعيه ذلك من وقف عمل المقاولين والعمال في كل المشاريع الاستيطانية دون استثناء، وتأمين البدائل لسد حاجة المتضررين".

ويُردف عبد الحميد: "وكذلك مقاطعة كل سلع ومنتجات المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المصادرة، وتغيير الخطاب الإعلامي والسياسي، والانتقال من مخاطبة الذات إلى مخاطبة الجيل الجديد، وربط التحرر من الاستيطان والاحتلال بالتحرر من الفساد والتخلف والتعصب والذكورية والقبلية، والتعامل مع الحرم الإبراهيمي من منظور تراث حضاري إسلامي، وباعتباره معلماً مهماً من معالم التراث العالمي، وليس مكاناً للعبادة، يخضع للمحاصصة فقط، ومن هذا المنظور فإن قضية الحرم الإبراهيمي هي قضية كل فلسطيني مسلم ومسيحي، وقضية قوى التحرر والعدالة والسلام في العالم".