تسارع وتيرة المخططات والاعتقالات والإبعادات عن الأقصى والقدس

بقلم : راسم عبيدات

في أعقاب فتح المسجد الأقصى بعد 70 يوماً من الإغلاق بسبب إنتشار جائحة " كورونا"، وكذلك بعد تشكل حكومة الإحتلال برئاسة نتنياهو والإعلان عن نوايا تنفيذ مخططات الضم للضفة والأغوار في اوائل تموز القادم، بتنا نشهد حملة مسعورة على القدس والمقدسيين ولا يكاد يمر فيها يوم واحد دون ابعادات عن الأقصى والبلدة القديمة في القدس، ولمدد تصل الى ستة شهور،حيث بلغ عدد المبعدين عن الأقصى من بعد إعادة فتحه 29 مبعداً/ةً والحبل على الجرار،فيما الاعتقالات تجري على مدار الساعة.

يترافق ذلك مع عمليات هدم للمنازل والمنشآت المقدسية بشقيها الذاتي او بواسطة جرافات وبلدوزرات الاحتلال، وأي نشاط أو فعالية مقدسية حتى لو كانت احتجاجاً على جريمة جنود الاحتلال وشرطته بإعدام الشاب إياد الحلاق بدم بارد من ذوي الإحتياجات الخاصة، كما جرى مع حراك فتيات ونساء " طالعات"، حيث جرى قمع وقفتهن الاحتجاجية في شارع صلاح الدين بالقدس بشكل وحشي، واعتدي على عدد منهن، وكذلك جرى اعتقال ثلاثة فتيات أطلق سراحهن لاحقاً.

كل ما جرى ويجري في مدينة القدس ليس بالعبثي، بل يجري وفق مخطط ومشاريع ممنهجة ومنظمة، الهدف الأول والأخير منها تهويد وأسرلة المدينة، وقلب واقعيها الجغرافي والديمغرافي لصالح المستوطنين المستعمرين والاستيلاء على أكبر مساحة من الأرض، ولذلك فان تغليف تلك المشاريع الإستيطانية بالقيام بعمليات التطوير لصالح السكان الفلسطينيين، كذبة وفرية كبيرة، تكشف زيفها المشاريع والمخططات على الأرض، فالشارع الأمريكي الذي يلتهم مئات الدونمات من أراضي قرى صورباهر وإم ليسون وجبل المكبر ، وعزل قرية الشيخ سعد عن المكبر وصورباهر، الهدف منه ربط المستوطنات والبؤر الإستيطانية داخل جدار الفصل العنصري، مع المستوطنات والبؤر الواقعة خارجها، وبما يرسم حدود مدينة القدس ويعزلها عن مدن وقرى جنوب مدينة القدس. وكذلك هي مخططات وادي السيلكون وهدم 200 ورشة صناعية وتصليح مركبات ومحل تجاري في منطقة واد الجوز، فالهدف ليس التطوير العمراني ولا التجاري ولا الجذب السياحي، بل هي مخططات لعزل البلدة القديمة عن امتدادها الخارجي، وربط كل البؤر الإستيطانية مع بعضها من منطقة ما يسمى بقبر شمعون الصديق الى الشيخ جراح وكبانية أم هارون ومكاتب وزارة داخلية الاحتلال والمؤسسات الحكومية في الشيخ جراح ومعسكر حرس الحدود.

كل صاحب بصر وبصيرة يدرك تماماً بأن تخصيص 20 دونما (2.94)% من أصل 706.5 المخصصة لمشروع وادي السيلكون من أجل تطوير الحركة التجارية وبناء محلات تجارية جديدة،جزء منها مبني بالأساس،وكذلك تخصيص 12 دونم (1.73)% من اجل تطوير السياحة وإقامة فنادق ومنشأت سياحية جديدة... تتركز في المقر السياسي السابق لمنظمة التحرير الفلسطينية - بيت الشرق،مع تطوير فندق الأمريكان كولوني وتخصيص 30 دونم لجوانب خدماتية وتشغيلية يصل الى نتيجة بأن ما يتحدث عنه رئيس بلدية الإحتلال من خطة استراتيجية تاريخية للقسم الشرقي من المدينة بقيمة مائتي مليون دولار تستثمر في الجوانب التجارية والسياحية وفي صناعات " الهايتك" وغيرها،وتنمية المرافق الإقتصادية في قسم المدينة الشرقي،وسد الفجوات الإقتصادية والتجارية بين غرب المدينة وشرقها،هو يأتي في إطار الخطة الحكومية الإسرائيلية (2018 -2023 ) بقيمة 2 مليار شيكل والمستهدفة دمج سكان المدينة العرب في المجتمع والإقتصاد الإسرائيلي ،وتحويل من يتبقى منهم الى جزر متناثرة في محيط اسرائيلي واسع.

الاحتلال لن يتوقف عن مخططاته ومشاريعه في القدس، بل هو يوصل الليل مع النهار في خطوات عملية تفرض وقائع على الأرض، وبما يسعى إليه من تغيير للمشهد الكلي للمدينة ،من عربي - اسلامي الى مشهد يهودي توراتي،وهذا يسعى لتحقيقه وفق ثلاث استراتيجيات تقوم بالسيطرة على ما فوق الأرض عبر الإستيطان المكثف ليس على اطراف المدينة،بل في قلبها وفي قلب القرى والبلدات العربية، وكذلك الإستيلاء على العقارات والأراضي المقدسية،وتحت الأرض عبر الأنفاق التي يجري حفرها أسفل المسجد الأقصى وبلدة سلوان،وبما يخلق مدينة صهيونية تحت القدس،وكذلك السيطرة على الفضاء من خلال ما يسمى بالقطار الطائر " التلفريك" حول البلدة القديمة.

وطبعاً كل هذا لا ينفصل عن مشاريع ومخططات الجماعات التلمودية والتوراتية لتغيير الوضعين التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى وفرض تقسيم مكاني فيه، والسحب المتدرج للوصاية الأردنية عليه،فضمن مخططات تهويد المدينة،قادة الإحتلال يقولون بشكل واضح، لا سيادة في القدس غير السيادة الإسرائيلية،وهم لا يأبهون بالعرب والمسلمين وتهديداتهم،فهم باتوا ظاهرة صوتية ليس أكثر،يكثرون من " الجعجعات" والصراخ ولا يعملون.

الإنسان المقدسي يصمد على أرضه وفي قدسه، ويستمر في مواجهة ومقاومة المخططات والمشاريع الإسرائيلية للمستهدفة له ولكل مكونات ومركبات وجوده في المدينة،ولكن هذا الإنسان مصنوع من طاقات وقدرات،فالإرادة وحدها لا تكفي للصمود والبقاء،في وجه عدو متغطرس يملك الكثير من الإمكانيات والموارد وأساليب الخنق والتضيق على المقدسيين،فحين يستهدف المقدسي في أدق تفاصيل حياته الإقتصادية والإجتماعية،ولا يدخل جيب تجار التحف الشرقية " السنتوارية" والمطاعم والمقاهي المرتبطة بذلك القطاع شيكل واحد،منذ انتشار جائحة " كورونا" وحتى الآن، فلا أعتقد بان طردا غذائيا او صحيا سيعزز من صموده وبقاءه، بل هو سيسعى الى تدبر أموره الحياتية والمعيشية.

ولذلك لا يحتاج المقدسيون دعوات للصمود والبقاء والإشادة بشجاعتهم وبطولاتهم، فهم يقومون بواجبهم، بل ما يحتاجونه أكثر من البيانات واللقاءات الإعلامية والمتلفزة، والتصريحات عن الدعم والصمود، والقدس هي البوصلة وهي العاصمة، وهي قلب الأمة العربية والإسلامية، بل لو خصص يوم الجمعة اليتيمة والأخيرة من شهر رمضان الفضيل، كل عام،اليوم الذي خصصه الإمام الراحل الكبير الخميني لدعم أهل القدس وصمودهم، بحيث يدفع كل عربي ومسلم دولارا واحدا للمدينة، وتدفع الحكومة أو الدولة العربية والمسلمة ورجال الأعمال والقطاع الخاص مبلغاً معيناً لدعم القدس وأهلها، لكنا أمام مشهد في القدس مختلف... ولكن المشهد الحالي في القدس عكس ذلك واعذرونا اذا ما قال اهل القدس للحكام العرب والمسلمين انتم تكذبون ولا تريدون لا قدس ولا أقصى، وفقط كفوا أيديكم عنا ولا تعبثوا بقدسنا ولا مقدساتنا.