"الضم": لمَ لا توظفه القيادة الفلسطينية كإستراتيجية للخروج من الوضع الراهن؟!

بقلم: د. دلال عريقات

(يُعلن نتنياهو عن تنفيذ خطط الضم، وفي اليوم التالي يعترف المجتمع الدولي بالدولة الفلسطينية على حدود ١٩٦٧، تنتشر قوات حفظ السلام الدولية بتوجيه من الأمم المتحدة لحماية الشعب الفلسطيني وتبدأ بتشجيع العلاقات الدبلوماسية والتجارية لدولة فلسطين مع دول العالم لتحقيق الازدهار، وبنفس الوقت تقاطع دول العالم اسرائيل وتفرض عليها قيوداً وعقوبات اقتصادية وسياسية والأهم تقوم المحاكم الدولية بمحاسبة اسرائيل على مخالفاتها للقانون وقرارات المنظومة الدولية....)

هذا هو السيناريو الذي نحلم به ولكن الواقع السياسي Real Politik يعكس غير ذلك إلا إذا تغيرت بعض مدخلات المعادلة بما فيها الموقف الفلسطيني وهذا ما تم جزء منه بالتوقف عن العمل بالاتفاقيات.

أتابع التحليلات والبيانات ومواقف الدول إزاء تهديدات نتنياهو بخطط الضم، بات الجميع يرفض الضم ويؤكد أن الضم هو نهاية حل الدولتين والكل يدعو نتنياهو للتراجع عن الضم ويهدد بعقوبات! كل الخطابات اليوم سواء على المستوى الفلسطيني، العربي، الاوروبي والغربي، كلها تستنكر خطط الضم، ما يقلقني أن يصبح موضوع الضم هو شغلنا الشاغل ونلتهي به عن المشروع الاستيطاني، علينا ألا ننسى أن الاستيطان هو الأساس الذي ترتكز عليه فكرة الضم! والاستيطان مستمر أي 'الضم' مفروض عملياً وليس جديداً. هذه سياسة اسرائيل التي تلهينا بالتفاصيل وتُصغر سقف طموحنا وتنسينا الصورة الكبيرة، الْيَوْم المطالب والجهود، تتمحور حول اقناع نتنياهو بالتراجع عن الضم، لماذا؟

الوضع الراهن الذي يعيشه الشعب الفلسطيني غير قابل للاستمرار وليس من الحكمة تكرار استخدام نفس الأدوات مع نفس الأشخاص، مع ظلمة الوضع الفلسطيني لمَ لا ندعْ نتنياهو ينفذ ما يريد؟

صراحةً، نحن شعبٌ محتل ولا نتمتع بأدنى أشكال السيادة وحقيقة بات الحديث عن حل الدولتين انعكاس للعواطف او ما نتمنى ان يكون ولكنه تجرد عن الواقع، فالحقائق على الأرض تتنافى مع حُلم سيناريو الدولتين، فالاستيطان صادر الأرض والقوانين الاسرائيلية حرمت الشعب الفلسطيني أي معنى للمواطنة او السيادة المستقلة وعليه أتساءل اليوم أننا وإن تركنا نتنياهو ينفذ خطط الضم، ألن يكون بذلك إعلان رسمي من قبل اسرائيل بإنهاء مرحلة طويلة من إدارة هذا الصراع/الاحتلال تحت مسمى عملية السلام، حيث بات الشعب الفلسطيني في عملية السلام غير المنتهية مع اسرائيل واستمر المجتمع الدولي بالمناداة بمبدأ حل الدولتين دون أن يبادر بالاعتراف بالدولة الفلسطينية.

الضم.. ألا يمكن ان يكون بمثابة استراتيجية خروج من الوضع السياسي الفلسطيني العالق في نفق؟ لا أقول هنا إنني متفائلة فيما بعد مرحلة الخروج من النفق ولا أتخيل أننا سنصحو على دولة واحدة ديمقراطية يعيش فيها الشعبان سواسية. سنستمر بالعيش تحت نظام عنصري أبارتهايد، إلا أن الحقوق الإنسانية والمدنية ستنتصر في النهاية وإن طالت المدة.

في حال قيام نتنياهو بخطوة أحادية بتنفيذ خطط الضم، ألن يسلط الضوء على مخالفة اسرائيل لقوانين ولقرارات الشرعية الدولية؟ فحتى أمريكا وجماعات اللوبي الصهيوني حول العالم تراجعت عن تأييدها لاسرائيل بموضوع الضم. ألن تعاني اسرائيل من عواقب وخيمة تؤثر على سمعة اسرائيل دولياً؟ ألن يضع الضم مسؤولية مباشرة عليها كدولة احتلال ومسؤولية دولية للنظر فيما آلت اليه عملية السلام؟ على المستوى الداخلي، هل سيزيد الوضع سوءاً؟ فلسطين تعيش الضم عملياً بسبب الاستيطان المتفشي جغرافياً وبينما ينشغل العالم بالتنديد بالضم، لا يتوقف نتنياهو عن ترخيص بناء مستوطنات جديدة ومصادرة أراض بهدف توسيع المشروع الصهيوني. وما يؤكد هذا التحليل هو ردة فعل قادة المستوطنات بعد أن ألمح لهم نتنياهو أن الضوء الأخضر الأميركي للضم لم يعد موجودا! نتنياهو قال: إذا فرضنا السيادة علينا أن نعطي شيئًا في المقابل وأنه وافق على مفاوضات مع الفلسطينيين مبدئيًا من أجل إقامة دولة فلسطينية على أسس خطة ترامب! وهذا ما يرفضه الفلسطينيون! وهذا ما رفضه قادة الاستيطان لأنهم يطمحون بسيادة على كل الأرض وعدم ترك مجال لأي وجود سيادي فلسطيني مستقل، مما دعاهم للهجوم على دونالد ترامب ووضع اسرائيل بموقف مُحرج مع حليفها الأول.

- حان لنا أن ننشغل داخلياً، ونسلط الضوء على حالة الانقسام التي يعانيها الشعب الفلسطيني منذ ٢٠٠٧، علينا التوقف عن تقديم مصلحة الحزب على المصلحة الوطنية، التي نتج عنها انقسام فلسطيني مخز أدى إلى ضرب المشروع الفلسطيني بشكل عام.

- حان لنا أن نعتمد على أنفسنا والتوقف عن التعويل على المجتمع الدولي وكأنه يحمل عصا سحرية، مع ضرورة الحفاظ على علاقاتنا الدبلوماسية مع العواصم العربية والأجنبية، إلا أن علينا إدراك أن مزيداً من الجولات المكوكية لن تقدم إلا على تبديد الوقت والجهد والاموال، والأسوأ من ذلك هو قتل الآمال والروح الوطنية الفلسطينية حتى بات الجميع في حالة ترقب وانتظار دون أدنى مبادرة او حتى فكرة للخروج من هذا الوضع.

- السؤال للقيادة الفلسطينية، لمَ لا نوظف الصمت ونضع الكرة في ملعب المتفرجين وأصدقاء اسرائيل الذين يعلمون تماماً أن تنفيذ خطط الضم سيعمل في المقام الأول على تهديد الوجود الاستراتيجي لدولة اسرائيل اليهودية.

- د. دلال عريقات: أستاذة التخطيط الاستراتيجي وحل الصراع، كلية الدراسات العليا، الجامعة العربية الأمريكية.