مشروع قانون لحماية الأسرة أم لتمزيق المجتمع

الأحد ...وكل يوم أحد

مشروع قانون لحماية الأسرة

أم لتمزيق المجتمع

بقلم: المحامي زياد أبو زياد

تداولت وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرا ً مشروع قانون للأحول الشخصية تم تقديمه من قبل وزارة التنمية الاجتماعية وإقراره بالقراءة الأولى من قبل مجلس الوزراء. وقد أبدى الكثيرون مخاوفهم مما يمكن أن يتضمنه مشروع القانون من مخالفات لمباديء الشرعية الإسلامية التي تُشكل الأساس في حماية الأسرة وخاصة الأمور التي ورد فيها نص قرآني صريح ولا مجال للاجتهاد في تفسيرها ، وربطوا مشروع القانون باتفاقيات دولية تتنافى من ديننا الحنيف.

وقبل التطرق الى بعض الملاحظات الموضوعية التي تتعلق بمشروع القانون المذكور لا بد من الطعن فيه من حيث الشكل وذلك بدءا ً وليس انتهاء.

وأقول أولا أنني أطعن أساسا ً بقانونية ودستورية المراسيم الرئاسية التي لها صفة القانون ذلك لأن المادة (43) من القانون الأساس التي تستند إليها المراسيم بقانون تشترط لإصدارها حالة ".. الضرورة القصوى التي لا تحتمل التأجيل " ، وتفترض أن يكون هناك مجلس تشريعي منتخب وشرعي ولكن ظروفا ً طارئة حالت دون انعقاده مما جعل القانون الأساسي يعطي الرئيس الذي يُفترض أن يكون هو أيضا ً متمتع بالشرعية الانتخابية صلاحية إصدار المرسوم بقانون ذو الصفة المؤقتة الذي يجب أن يُعرض على المجلس التشريعي في أول جلسة يعقدها لإقراره أو إلغائه حسب المادة ذاتها من القانون الأساس. ومن البديهي أن لا ضرورة قصوى لا تحتمل التأجيل تستوجب إصدار هذا القرار بقانون ، ومن الممكن جدا ً استمرار المحاكم الشرعية في أداء مهامها كما هو الحال الآن.

هذا من ناحية ، فإننا لا نستطيع أن نتجاهل بأن جوهر الحكومة الحالية لا يجوز أن يتجاوز دور حكومة تسيير الأعمال لأن هذه الحكومة لم يتاح لها أن تُعرض على مجلس تشريعي منتخب ساري الصلاحية لمنحها الثقة أو حجب الثقة عنها ، وطالما أنها لم تحصل على ثقة البرلمان فإنها تبقى كما أسلفت حكومة تسيير أعمال ، فكيف يمكن لها أن تتقمص دور المجلس التشريعي المغيب أو أن تمارس صلاحياته لأن في ذلك اعتداء صارخ وخرق لمبدأ الفصل بين السلطات بين سلطة مغيبة وسلطة موجودة بحكم الأمر الواقع.

وإضافة لما سبق ، فإن من الجهات التي يجوز لها أن تقترح مشروع قانون وتقدمه باسم الحكومة للمجلس التشريعي هي ما وصفه القانون بالوزارة المختصة. وفي الحالة التي أمامنا لا يجوز التعامل مع وزارة التنمية الاجتماعية بأنها هي الجهة المختصة بالأحوال الشخصية لأن هذا الإختصاص هو في صلب اختصاص القضاء الشرعي ونحن لدينا مجلس أعلى للقضاء الشرعي وهو الأحق بأن يكون جهة الاختصاص في اقتراح قانون للأحوال الشخصية لما لهذا القانون من تعلق بأحكام الشريعة التي لا يعرفها إلا ذوي الاختصاص ولا أعتقد أن لوزارة مدنية كوزارة التنمية الاجتماعية الصلاحية أو الحق أو حتى الدراية للبت في أمور دينية شرعية محضة.

وأضيف ، ومن حيث الشكل أيضا ً ، بأننا نعيش في حالة طواريء تم تمديدها لمدة شهر آخر اعتبارا من الرابع من حزيران بسبب ما قيل أنه يتعلق بوباء الكورونا ، وربما تتزامن أيضا ً مع ظروف داهمة قد تقع في تموز القادم نتيجة إصرار الاحتلال على اتخاذ قرارات وإصدار قوانين في الكنيست الاسرائيلي لشرعنة الضم والاحتلال والاستيطان. ولا يجوز في حالة طواريء كهذه أن تتصرف الحكومة وكأننا نعيش في ظرف طبيعي والأشغال كالمعتاد كما يقولون. إذ المفترض في حالة الطواريء التي أعلن عنها أن تتمحور تصرفات الحكومة حول الأمور التي استدعت إعلان استمرار حالة الطواريء.

ومع أن هناك طعون أخرى يمكن إثارتها من حيث الشكل للطعن في مشروع القانون المذكور وطلب إعادته الى أدراج الوزارة التي اقترحته لأن ليس لها الحق في طرحه ، ولأنه مرفوض شكلا كما أنه يجب أن يُطعن ويُرفض موضوعا ً ، إلا أنني أكتفي بما ذكرت وأود أن أضيف ملاحظة ذات بعد سياسي قبل أن أتطرق للقانون ذاته. وهذه الملاحظة في جوهرها هي أننا نعيش اليوم مرحلة من أخطر وأدق المراحل التي مرت بها القضية الفلسطينية منذ النكبة. فنحن نقف اليوم أمام محاولات بشعة تستهدف تصفية القضية ونسف أية إمكانية لتحقيق الحلم الفلسطيني في التحررمن الإحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية ذات السيادة على التراب الوطني الفلسطيني. وهذه المحاولات البشعة العاتية تستوجب تحقيق أقصى قدر من الوحدة الوطنية والانسجام والتلاحم بين القيادة والشعب. ونحن وللأسف الشديد نعاني من الإنقسام بين أكبر فصيلين على الساحة الفلسطينية والذي يجب أن تكون له الأولوية على جدول أعمالنا الوطني ، ونعاني من إحباط وخيبة أمل شرائح اجتماعية كبيرة والتشكيك في العلاقة بين القيادة والشعب الذي أصبح أكثر راديكالية من قيادته التي يصفها بالمرونة التي لا وقت ولا لزوم لها.

وطالما أننا بحاجة الى كل ما يمكن أن يُعزز الوحدة الوطنية ويجسر الفجوة بين القيادة والشعب فإن طرح مشروع قانون في غاية الحساسية التي تتعلق بعصب حساس جدا ً وهو الدين ونصوص القرآن إنما يُشكل عبثا ً سيؤدي الى إشغال الناس في معارك جانبية ويزعزع الثقة بين الشعب والقيادة ويُعطي مادة دسمة لكل المشككين الذين يبحثون عن الفرصة لقول كلام حق يُراد به باطل. وهذا وحده يكفي لأن تقوم الحكومة فورا ً برد القانون الى الجهة التي اقترحته وتحيّن الفرصة المناسبة لتحديث قانون الأسرة ولكن عبر القنوات والأبواب ذات الاختصاص وفي مقدمتها مجلس القضاء الشرعي ، وبعد الاستعانة بذوي الخبرة والباع الطويل في هذا المجال من قضاء شرعيين سابقين وحاليين وممن شغلوا مناصب إفتاء شرعي في الماضي أويشغلونها حاليا ً وأكاديميين ومنظمات مجتمع مدني وأمثال ذلك.

لقد طال الحديث ولا أظن أنه بقي مجال للتوسع في الحديث عن مشروع القانون المذكور ولكنني أكتفي بالقول بأن التعريفات التي وردت في بدايته تشمل تعريفات فضفاضة مبهمة يصعب التوافق على فهم لها وتفتح أبوابا واسعة للإحتلاف وإطالة أمد التقاضي في كثير من الشؤون ، بل وبعضها لا معنى له كالقول مثلا ً أفراد العائلة "ومن في حكمهم " ولا أدري من المقصود بأنه في حكم أفراد العائلة وهي الخلية التي يجب أن نحميها ونحافظ عليها لا تحويلها الى إطار مطاطي إلا إذا كلن القصد هو عائلات لا تربطها علاقة زواج شرعي مثلا ً ، وكذلك شرعنة التبني الذي ورد في نفيه نص قرآني صريح ، أو السماح للزوجة باختيار مكان سكن بعيد عن مكان سكن الزوج ، أو التصريح بالنية في التأسيس لدرجة قضائية مستحدثة تحت مسمى محكمة الأسرة وسحب البساط من تحت أقدام القضاء الشرعي ، أو غير ذلك من الكثير من المغالطات التي وقع فيها مشروع القانون آنف الذكر.

من أجل ما ذكرته أعلاه ومن أجل ما لم يتسع المجال لذكره ، أدعو رئيس الحكومة الدكتور محمد اشتية الى المبادرة للإعلان عن تجميد مشروع القانون المذكور وإعادته للجهة التي اقترحته وتكريس كل الجهود لتعزيز وحدتنا الوطنية وسد الذرائع أمام كل ما يمكن أن يسيء الى نسيجنا الاجتماعي والعمل في المقابل من أجل إعادة الشرعية لمؤسساتنا وسلطاتها الثلاث ومواجهة التحديات الجسيمة التي تواحه قضايانا المصيرية والتي تتطلب أولا ً وأخيرا تعزيز وحدتنا الوطنية وتعزيز الثقة بين الشعب وقيادته لنعمل معا ً كتفا ً الى كتف في المواجعة القادمة وسنتصر بوحدتنا إن شاء الله.