سقوط الحديدية وخرب الأغوار.. الحاج عبد الرحيم بشارات يستعيد ذكريات النكسة

جنين – "القدس" دوت كوم- علي سمودي – بعد 53 عاماً على نكسة حزيران عام 1967 ، ما زال المزارع السبعيني الحاج عبد الرحيم بشارات "أبو صقر"، يتذكر الليلة والساعات الأخيرة التي عاشتها عائلته في قرية الحديدية في الاغوار الشمالية، والتي انتهت بتشريدهم مع مئات العائلات التي كانت تعيش كما يصف "حياة بسيطة وجميلة وهانئة من خيرات أرضنا الوفيرة"، حتى بدأ الهجوم الاسرائيلي الذي أدى لنزوح وهرب العائلات خوفاً من تكرار المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في عام 1948 .

قبل النكسة ..

في الحديدية، وكباقي العائلات الفلسطينية، كانت تعيش عائلة أبو صقر، التي تكونت من والديه و24 من الاشقاء والشقيقات، ويقول "طوال حياتي عشت أتحسر على الأيام الجميلة التي عشناها قبل النكسة، حياتنا رغم بساطتها كانت رائعة وجميلة، تتميز بالمحبة والتعاون والاخوة والمودة بين الجميع. رغم الظروف الصعبة خاصة عمل العائلات الشاق في الارض ورعايتها، لكن روح التعاون التي سادت بين الناس، جعلتهم يتجاوزن كل المعيقات ويوفرون أوضاع معيشية هانئة وسعيدة. والدي كان يملك ارضاَ ويعمل مع والدتي وبمساعدة العائلة في زراعة الارض التي اشتهرت بالقمح والشعير والحمص والعدس. شكلت تربية الثروة الحيوانية، مصدر الدخل الثاني، فكانت عائلتي تنتج الاجبان التي تعتبر مصدر عائلتي الأهم لتوفير احتياجاتنا ومصاريفنا".

ليلة لا تنسى ..

وسط هذه الظروف، ولد ونشأ وتربى بشارات في الحديدية، تعلم المرحلة الابتدائية في مدارس قرية طمون وأكملها في مدرسة طوباس حتى انقطع بعدما اغلقت المدارس بسبب الحرب التي تزامنت مع موسم الحصاد، حيث كان بسن 15 عاماً، ويقول لم نكد نسمع عن بداية الحرب، حتى فوجئنا حوالي الساعة الحادية عشرة ليلاً، بانتشار دبابات ومدرعات في المنطقة، كنا بمنازلنا نشعر بخوف رهيب، ولم نتمكن من مغادرتها ومعرفة لمن هذه الدبابات. عشنا لحظات لا تنسى وسط مشاعر القلق ودعوات والدتي وصلواتها، وفي حوالي الساعة الثامنة من صباح اليوم التالي، سمعنا هدير واصوات الطائرات التي تبين انها اسرائيلية. فجأة، سمعنا صوت انفجارات عنيفة، فقد قصفت طائرات الاحتلال الدبابات ودمرتها واحرقتها، وعندما توقف القصف، خرجنا لاستطلاع ما يجري، واكتشفنا بانها دبابات ومدرعات الملكية الاردنية، وقد استشهد بعض الجنود الاردنيين ومنهم من نجا من الموت بأعجوبة ".

النزوح والتشرد ..

يروي المواطن أبو صقر، أنه أمام المناظر المهولة التي سببها القصف، ومشاعر الخوف والقلق، اضطرت عائلته كباقي العائلات للهروب والنزوح من القرية حتى وصلت الى احد الكهوف القريبة، ويقول "انقطعنا عن العالم على مدار يومين، فقد لجأنا للكهف ولم يبقى لدينا طعام أو شراب، وبقيت تتكرر أمامنا مشاهد الذعر التي اثرت علينا كثيراً، عشنا لحظات معاناة مريرة من الخوف والرعب. توقعنا كل شيء أسوأ، وكان سلاحنا الوحيد التضرع لرب العالمين لكي تنتهي الحرب على خير، وان نبقى في اراضينا التي عشنا فيها. ما سمعناه عن التدمير والتخريب والهدم، دفع عائلتي للهرب الى منطقة عاطوف، عشنا هناك لمدة عام، بينما كان الاحتلال فرض قبضته وسيطرته واحتلاله على المنطقة التي اخضعها لحظر التجول".

صور أخرى ..

يقول المواطن أبو صقر "في عام 1967، كنا نسكن في بيوت من الشعر ومنازل مبنية من الطين، لكن الاحتلال هاجمها ودمرها، هدم البيوت والخيام، وشرد المواطنين مما أدى لتشتت وتقسيم العائلات، فالغالبية العظمى نزحت الى الاردن بعد انتشار شائعات عن قيام الاحتلال باعدام وقتل الشباب. لا يوجد كلمات تصف المشهد، عندما كانت تفر العائلات تاركة كل شيء خلفها خوفاً من الدعايات التي بثها الاحتلال واعوانه، وانقسم الناس، البعض هرب نحو طوباس، والبعض الاخر توجه من شارع الحديدية الى بلدة طمون، وطوباس الى الاردن. بعد النزوح والتهجير علمنا بان جيش الاحتلال اقتحم منطقة الحديدية وحمصة الفوقا ومكحول واعتبرها مناطق عسكرية مغلقة، فتابعنا حياتنا في عاطوف وسط ظروف معيشية صعبة".

حظر التجول ..

خلال تلك الفترة، أخضع الاحتلال الاراضي المحتلة لحظر التجول، وفقدت الكثير من العائلات مصدر عيشها ودخلها، وتدهورت أوضاعها المعيشية خاصة في ظل اغلاق مناطق واسعة في الاغوار واعلانها منطقة عسكرية مغلقة، ويقول الحاج أبو صقر "بعد فترة، أصبح حظر التجول يفرض ليلاً، فاستغل والدي كباقي المزارعين فترة النهار للعودة لارضنا في قريتنا عاطوف للزراعة ورعاية الماشية. كنا نتعاون ونعمل يدا واحدة كمن يسابق الزمن حتى الساعة السادسة مساء الموعد المحدد لفرض حظر التجول، فنعود لمنزلنا في عاطوف، وكلنا أمل بنهاية هذه المأساة والعودة لحياتنا الطبيعية".

خربة تل الفانور ..

يتذكر الحاج أبو صخر خربة "تل الفانور"، التي كانت من أوائل المناطق التي استهدفها الاحتلال في حرب حزيران، ويقول "كانت تعتبر تجمعا سكانيا كبيرا، عامرة بالناس والحياة، ونظراً لموقعها الاستراتيجي على الحدود، هاجمها الاحتلال، ودمرها وشرد سكانها الذين هربوا للاردن. الاحتلال صادر أراضي الخربة وسلمها للمستوطنين الذين يزرعونها حتى اليوم بالحمضيات، وقد كان أهم سبب لنزوح أهلها الخوف من المجازر الجديدة".

خربة تل الحمة ..

ورغم مرور السنوات، ما زال الحاج أبو صقر بتذكر خربة "تل الحمة"، التي كانت تضم آبار مياه معدنية دافئة، وعاشت فيها العائلات لعقود طويلة تعتمد على الزراعة لخصوبة تربتها، موضحاً انها تعرضت لهجمة اسرائيلية شرسة انتهت بتدميرها بالكامل، ويقول "بسبب الخوف والرعب وحصار الاحتلال والمستوطنين والسيطرة على الارض ومنابع المياه، اضطرت الكثير من العائلات للهرب بعدما تحولت الخربة لانقاض وقتها.باقي العائلات التي صمدت ما زالت تخوض معركة البقاء لغاية اليوم، فقد تمردوا على الاحتلال وتحدوه بوحدتهم وتلاحهم ويواصلون حياتهم معتمدين على الزراعة والثروة الحيوانية رغما عن انف الاحتلال ومخططاته".

عين البيضاء ..

يشير الحاج أبو صقر الى أن منطقة عين البيضاء كانت من المناطق الاكثر استهدافا في مخططات الاحتلال الذي مسح عن الوجود عددا من الخرب التابعة لها، فشرد اهلها ولم يتبقى منهم سوى القليل، وما زال سكانها يعانون الويلات ويعيشون ظروفا صعبة لغاية اليوم، ويقول "بعد نكسة حزيران عام 1967 اقام الاحتلال مستوطنة "محولا" على اراض صادرها من منطقة عين البيضاء، لكن أطماعه لم تقف عند ذلك الحد، فاستمر في بناء المستوطنات ومعسكرات الجيش خاصة في مناطق التجمعات في الاغوار التي لازال اهاليها بصمود وتحد يصارعون ويقارعون الاحتلال حتى اليوم. بعد النكسة، استخدم الاحتلال كل الطرق لفرض سيطرته والاستيلاء على اكبر مساحات ممكنة، وبعد الحرب بعام هدم الكثير من الخرب التي طرد سكانها، لكن العشرات منهم صمدوا ورفضوا النزوح، فعاقبهم الاحتلال، بمنعهم من اعادة بناء تلك الخرب".

في ذكرى النكسة ..

بعد المعاناة، عادت الكثير من العائلات للحديدية وبينهم أبو صقر وأسرته التي أكملت مشوارها برعاية الارض وحمايتها، ويقول "بدأنا من الصفر، لكن تحملنا كل شيء لنحافظ على ارضنا ونحميها، فالمخطط مستمر لطردنا ومسح وجودنا. تأتي ذكرى النكسة وما زالت المعركة مستمرة حتى اليوم، وبينما يعيش المستوطنون من خيرات اراضينا في مبان وظروف مميزة، فاننا أصحاب الارض نعيش في بيوت الشعر أو الخيش أو الزينكو ومحرومين من الكثير من متطلبات المعيشة، لكننا لن نتخلى عن ذرة تراب من أرضنا".