الباحث عبد الرازق لـ"القدس": الضم و"صفقة القرن" امتدادٌ للفكر المرتكز للاستيطان وتهويد الأرض

القدس- "القدس" دوت كوم- محمد أبو خضير- قال باحث ومحاضر في الشأن الإسرائيلي والقضية الفلسطينية: إن التلاحم (التكامل) التوراتي الإسرائيلي الأمريكي في صلب صياغة "صفقة القرن"، وهي صياغة إسرائيلية يهودية/ أمريكية للاستيلاء تدريجياً على كامل التراب الفلسطيني، وما الضم المنوي تنفيذه إلا جزء من خطة ذات أبعاد وانعكاسات خطيرة ليس فقط على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإنما أيضاً على المنطقة بأسرها.

وقال الدكتور عدنان عبد الرازق، المحاضر في جامعة القدس، لـ"القدس" دوت كوم: "الرؤية الإسرائيلية الأمريكية المشتركة للفلسطينيين لأهل الأرض الحقيقيين أن يحاصروا تدريجياً في تجمعات سكانية ضيقة تحت حكم العسكر والمستوطنين، إلى أن يحين الوقت لاقتلاعهم منها. فمن كان من الفلسطينيين يطمع أو ينادي بما يسمي حل الدولتين أو الدولة الواحدة ذات القوميتين، فعليه أن يعيد حساباته ويدرك عمق وخطورة ما يحاك ويخطط له قبل فوات الأوان.

ولفت عبد الرازق إلى أن العقلية التي يتعامل بها نتنياهو وقيادات اليمين المتزمت تشبه في التكوين والنظرة إلى حدٍّ كبيرٍ تلك التي يتعامل بها دونالد ترامب وفريقه في البيت الأبيض في التعامل مع الدول وحتى مع المتظاهرين حالياً، سواء مع السود أو الأمريكان من أُصول عربية وأفريقية ولاتينية.

وقال عبد الرازق: إن شكل وطبيعة الشراكة بين بنيامين نتنياهو وبيني غانتس، التي تشمل خطوات عملية لضم اجزاء كبيرة من الضفة الغربية للدولة العبرية ابتداء من تاريخ 1-7-2020 هي تنفيذ لما جاء في خطة الرئيس الأمريكي ترامب (التي يُشار إليها كصفقة قرن).

وأضاف: عندما وقّع الطرفان الاسرائيليان على ورقة التفاهم للاشتراك بتاليف حكومة ذات رأسين، اشترط نتنياهو على غانتس العمل على ضم المستوطنات في الضفة الغربية، وكذلك الأغوار، إلى الدولة العبرية في صيف 2020. وهذا الاتفاق يبدو للبعض كمفاجأة أو كخطوة فريدة واستثنائية، غير أن المتمعن والدارس للحركة الصهيونية ولأجندات القيادات الاسرائيلية يدرك أن هذه الخطوة هي امتداد لخطوات سابقة تدرجت تاريخياً من جوهر الاستراتيجية الصهيونية الإسرائيلية لإقامة دولة عبرية خالصة على كامل التراب الفلسطيني دون الالتفات إلى الأماني الوطنية للشعب الفلسطيني صاحب الحق التاريخي والشرعي والأخلاقي في هذه الأرض بكاملها، مؤكداً أن المشروع الاستيطاني في فلسطين يُدعم إسرائيلياً وأمريكياً بنصوص التوراة كمبرر علمي وغطاء تاريخي.

ولفت إلى أنه منذ منتصف القرن التاسع عشر ميلادي ظهرت دراسات أركيولوجية وتاريخية تشير إلى أن العهد القديم (بما فيه التوراة) كان كُتب ودُوّن من أُناسٍ ابتدعوا أساطير وقصصاً بعيدةً كلياً عن التاريخ التقليدي لما عُرف بنشأة التوراة. ومنذ انتشار هذه الدراسات تحولت دراسىة التوراة باعتبارها نصوصاً لنقل وتصوير حقائق واقعية ومتناقضة مع تاريخٍ علميٍّ مثبت. ففي شهر تشرين الثاني عام 1998 كتب المؤرخ والباحث الإسرائيلي التوراتي زئيف هرتسغ يقول في جريدة "هآرتس": "لا توجد أدلة ملموسة (ميدانية) على وجود العهد القديم، وإنه أصبح من الواضح لعلماء اليوم أن الشعب الإسرائيلي لم يكن تاريخياً قد سكن في مصر، وبالتالي لم يتركها تائهاً في الصحراء، ولم يحتل أرض كنعان عسكرياً، ولم يُورثها للأسباط الاثنى عشر".

وأضاف: "إن مملكة داود وسليمان التي وُصفت في التوراة كقوة مركزية في المنطقة كانت بأحسن الحالات مملكةَ قبيلةٍ صغيرة".

وقال عبد الرازق: إن هذه الاكتشافات والاستنتاجات العلمية الجديدة تم تأييدها ودعمها علمياً من الكثير من علماء الآثار والمؤرخين الإسرائيليين وغيرهم. ففي كتابه "الماضي الأسطوري- علم الآثار وأُسطورة إسرائيل" كتب العالم تومس ثومبسون عام 1999 مرتكزاً إلى أبحاثٍ ميدانيةٍ أن "ادعاءالشعب اليهودي بحقه بأرض فلسطين، الذي هو في صلب الإيمان اليهودي/ المسيحي لا يوجد له أساس من الصحة والواقعية، وتمت صياغته من خلال أدبيات أُسطورية وقصص خيالية".

وأكد أنه بعد إقامة الدولة العبرية ولغاية يومنا هذا لم تعترف قياداتها بالوجود القومي لسكانها العرب، وفي بدايتها تعاملت مؤسسات الدولة معهم خارج التكوين اليهودي للدولة، وغالباً اعتبرتهم عرقاً غريباً وأحياناً معادين للدولة. وحتى عندما فرضت هذه الأقلية القومية نفسها على مؤسسات الدولة، خاصةً بعد إلغاء الحكم العسكري المفروض عليها لغاية عام 1966 بقيت هذه المؤسسات تعتبرها مجموعة من الناس يجب التعامل معهم كغرباء لا يحق لهم التمتع بحقوق مدنية كاملة، وطبعاً هم مسلوبو الحقوق السياسية. فقامت بسن عشرات القوانين لسلب أراضيهم ومنعهم من أي نشاط من شأنه تمكينهم من النهوض الاقتصادي والاجتماعي، وحرمانهم من وظائف الحكومة المعتبرة، وانتقاص مجالسهم المحلية من حقهم في ميزانية الدولة، وحرمانهم من التوسع المعماري.

وقال عبد الرازق: إن فكر الترانسفير/ الطرد ما زال سائداً، فهناك أصوات تتعالى من حين إلى آخر بضرورة طرد العرب الفلسطينيين من البلاد.

وأضاف: إن هذا الفكر تُرجم من خلال قوانين وتشريعات عنصرية ضد الفلسطينيين، وقد تُوجت سياسة التفريق العنصري هذه قبل أكثر من عام بسن "قانون الجنسية"، الذي ينص على أن حق تقرير المصير هو حقٌّ يتاح فقط لليهود، معتبراً أن الدولة العبرية هي دولة يهودية حصرياً دون غيرها، ضاربة بعرض التاريخ الوجود العربي (وغير اليهودي)، ولعل ما حدث مؤخراً من النقاش الحاد حول رفض إمكانية إشراك "القائمة العربية المشتركة" بتأليف وزارة جديدة بديلة لحكومة نتنياهو والتفاوض معها لتشكيل توازن برلماني مؤقت لإسقاط حكومة نتنياهو لهو أكبر دليل على استمرار التعامل مع المواطنين العرب خارج التكوين والسيادة اليهودية للدولة.