"عين قشقلة".. إرثٌ حضاريٌّ مُتدفقٌ في الخليل

الخليل- "القدس" دوت كوم- جهاد القواسمي- تعلو حي الشيخ علي البكاء، وسط الخليل، مجرى مياه عين قشقلة، ذات الأهمية والمصدر الحيوي لأهل حارة الشيخ، الذين كانوا يعتمدون عليها في الشرب والاستخدام المنزلي، وفي سقاية البساتين التي كانت تشتهر بها هذه الحارة، حيث كانت مهنة كثير من اهل الحي زراعة الاشتال وبيعها للمزارعين، ومن هذه العين، التي ترى بقربها مغر وقبور صخرية، ممر يؤدي الى رأس تلة حبايل الرياح.

قلعة الشتاء

وقال الأُستاذ موسى القواسمي: إن سبب تسميتها عين قشقلة، المحرفة عن الكلمة التركية "قشلة"، المركبة من كلمتين "قش"، وتعني بالتركية القديمة شتاء، و"له"، وهي اختصار من كلمة قلعة، ليصبح معناها "القلعة الشتوية أو المعسكر الشتوي"، مشيراً إلى أن الجنود الأتراك كانوا يقيمون في الشتاء معسكر بالقرب من هذه العين، فسُميت العين بهذا الاسم.

وأضاف: تقع العين في منطقة "خلة العيون"، إحدى مناطق حارة الشيخ علي البكاء، بالقرب من مقبرة الشهداء اليوم، موضحاً أنها سُميت خلة العيون لكثرة البيارات المائية فيها.

وبيّن القواسمي أنه في عهد المماليك، بالقرن السابع الهجري، تم إنشاء قناة أنابيب من الفخار لإيصال المياه إلى الحرم الإبراهيمي، وتحديداً إلى الميضأة (المتوضأ المملوكي) التي سُميت فيما بعد عين الطواشي، مشيراً إلى أنه أثناء مرور خط أنابيب الفخار بالقرب من مسجد الشيخ علي البكاء تم بناء حوض صغير تصب فيه المياه من هذا الخط، وأطلق عليها الناس عين المسجد وعين (القُرنة)، وسميت بهذا الاسم لأنها كانت تقع في زاوية الطريق (قُرنة)؛ لأنها على قرنة الطريق.

تغيرت الملامح

وأشار إلى أن هناك قناةً مائيةً تسير باتجاه بئر الحمص، وكانت هناك بئر ماء تأتي من قشقلة في الوجه الصاعد من منطقة بئر الحمص، حيث مكتبة بلدية الخليل حالياً، لافتاً أنه كانت هناك بئر الحمص وحمام للفقراء، موضحاً أن كل من كان بحاجة للوضوء ولم يستطع الذهاب إلى الحمامات التركية، أو لم يستطع أن يغتسل بمنزله كان يذهب إلى البئر، الذي كان عبارة عن مغارة محفورة، وكان يضع طربوشاً هناك، بمعنى أن هناك إنساناً عارياً في المكان، فلا يقترب أحد حتى يغتسل ويخرج ويعلق الطربوش في مكانه، مشيراً إلى أنّ ملامح العين تغيّرت، بفعل الزحف السكاني وتغير العادات والتقاليد.

فريدةٌ بجمالها

وتتميز حارة الشيخ، الفريدة بجمالها، عن غيرها من حارات الخليل باتساع أراضيها وامتدادها وكثرة عيونها وبساتينها وآبارها وكثافة أشجارها.

وقال المؤرخ عدنان أبو تبانة: إن "حارة الشيخ" سُميت بهذا الاسم نسبةً إلى مؤسسها وجذرها الأول الشيخ القوقازي العابد المتصوف علي البكاء، الذي قدم من بلاد القوقاز مع جيش صلاح الدين إلى فلسطين وسكن الخليل، مضيفاً أنه سمي "البكاء" لكثرته بكائه وَرَعاً وخوفاً من الله، ولهذه الخصلة الحسنة زوجّه أهلها إحدى كريماتهم فاطمة الجعبري كريمة أحد العلماء المشهورين.

وأضاف: إن الشيخ علي البكاء كان مقاتلاً في جيش صلاح الدين، وتدرّج في سلم العسكرية في العصر الأيوبي الأخير، والمملوكي الأول، حيث ساهم في قيادة عدة معارك ضد الصليبيين، أهمها معركة "أرسوف" على الشاطئ الفلسطيني بين حيفا ويافا والتي فتحها عام 658 هجري، مشيراً إلى أن "البكاء" كان صديقاً للسلاطين المماليك في عهده، خاصةً الظاهر بيبرس والسلطان قلاوون الذي بنى لـ"البكاء" زاويةً يتعبد فيها، لتصبح بعد ذلك مقراً ومكاناً ومسجداً له، وقد زاره السلطان قلاوون فيها.

حارة مملوكية

توفي الشيخ على البكاء في الخليل عام 1272م، ودُفن في زاويته التي باتت تُعرف المنطقة بها، لتسمى حارة الشيخ نسبة للشيخ البكاء، حيث تجمعت العائلات من نسله ومن العائلات الأُخرى حول الزاوية، إلى أن تكوّنت الحارة بأكملها.

وتُعدّ حارة الشيخ من الحارات المملوكية، كما يشير إلى ذلك الكاتب نضال بدر، صاحب كتاب "حارات الخليل العتيقة"، حيث يقول: حارة الشيخ تقع شمال البلدة القديمة وحرمها الإبراهيمي الشريف، بنيانها قديم وهي منفصلة عن البلدة القديمة من جهة الشمال، والحارة مبنيّة على سفحي جبلَي "بيلون" و"خلّة قشقلة".

نمط الحارة المعماري

وأضاف: حارة الشيخ مشهورة بقناطرها التاريخية، مثل قنطرة ناصر الدين، والقنطرة المسقوفة، وقنطرة الزاهد، وهناك عدة أزقة وأحواش بُنيت على النمط الإسلامي، مثل: حوش مسك، وحوش يغمور، وأبو هدوان والهيموني، موضحاً أن أزقة الحارة وبيوتها بُنيت على الطراز الإسلامي وانتشرت فيها الزوايا، كزاوية الشيخ على البكاء، وزاوية الشيخ عيسى نجم الدين الزاهد، وزاوية الشيخ الشريف وغيرها.

ويوضح المؤرخ أبو تبانة أنه وفي العهد المملوكي تم إكمال البناء ليصبح مسجداً شامخاً بمئذنته المميزة التي امتدت إلى خمسة عشر متراً، وقد أكمل البناء الأمير حسام الدين طرنطاي في دولة الملك المنصور بن قلاوون.