مزارعون يطالبون في التماسٍ لـ"العليا الإسرائيلية" بتفكيك 6 كم من الجدار بالضفّة

القدس– "القدس" دوت كوم- زكي أبو الحلاوة- في الوقت الذي تستعدّ فيه حكومة إسرائيل لضم أجزاء من الضفّة الغربيّة في إطار ما تُسمى "صفقة القرن" التي أعلنها الرئيس ترامب، التمس سبعة مزارعين من قرى قفّين ونزلة عيسى وعقابا، التي تقع شمال غرب الضفّة، إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، مطالبين بتفكيك مقطع بُني قبل نحو 15 عامًا في جدار الفصل العنصري.

وبينما يرتبط موضوع غالبيّة الالتماسات التي جرى تقديمها حتى اليوم ضد الجدار بمسألة تخطيط مقاطع لم تُبنَ بعد، ومن شأنها أن تشكل مساسًا بنسيج الحياة الفلسطينيّ، يُعدّ الالتماس الجديد الأول منذ أكثر من عقد من الزمن، من حيث ارتباط موضوعه بمقطعٍ موجودٍ منذ سنوات، وهو يمثل إضراراً ثابتًا وخطيرًا بحياة ورزق سكّان القرى التي ظلّت شرقي الجدار. هذا، وقد تمّ تقديم الالتماس من قبل "هموكيد"– مركز الدفاع عن الفرد، وهي منظمة غير حكوميّة تعمل منذ العام 1988 للدفاع عن حقوق الإنسان في الأراضي المحتلّة من خلال المحامي ميخائيل سفارد.

ويتمحور موضوع الالتماس حول مقطع من جدار الفصل يمتد على نحو ستة كيلومترات، تبدأ من بوابة نزلة عيسى جنوبًا، وتنتهي بالطريق السريع رقم 161 شمالًا. ويمكن، من خلال الصور الملتقطة من الجوّ، رؤية قطاع الجدار مرسوما بخطّ أبيض ثخين، فيما يبدو من الغرب مرسومًا بالخطّ متقطّع المسمّى الخط الأخضر، الذي يشير إلى الحدود التي تم ترسيمها بين إسرائيل والضفّة الغربيّة منذ إعلان وقف إطلاق النار عام 1949، حتى حرب 1967.

في التماسهم، يقوم المزارعون بوصف كيف قام جيش الاحتلال على مدار السنوات التي مرّت منذ بناء هذا المقطع من الجدار سنة 2005 بتقليص عدد تصاريح المرور التي تم إصدارها لصالحهم لكي يتمكنوا من الوصول إلى أراضيهم التي ظلّت غربي الجدار. ويدور الحديث هنا عن نحو 4الاف و 500 دونم من الأراضي الزراعيّة التي ظلّت في المنطقة التي يطلق عليها اسم "منطقة التماس": وهي المنطقة الواقعة بين كل من جدار الفصل والخط الأخضر. يُذكر أنّ أحد المزارعين مقدمي الالتماس يشغل منصب رئيس مجلس قروي عقابا.

ومن ضمن ما يرد في الالتماس، توصيف المزارعين لكيفيّة قيام جيش الاحتلال بتقليص الفرص الزمنيّة التي أُتيحت لهم فيها فلاحة أراضيهم، وقيامه بحظر استخدام أراضيهم لأغراض المرعى، وحظره لإدخال المعدات الزراعيّة، والمبيدات والأسمدة، وقيامه بتقييد ساعات فتح البوابات الواقعة بين القرى والأراضي، إلى جانب اتسام عمل جيش الاحتلال بالتسويف والبيروقراطيّة لدى قيامه بمعالجة طلباتهم لاستصدار التصاريح، واستئنافاتهم بشأن القرارات التي تؤجل إصدار هذه التصاريح. ونتيجة للأمر، فقد تعرضت مناطق بأكملها للجفاف في هذا الحيّز، كما أُقفرت أراضٍ، وانخفضت إنتاجيّة الأشجار المثمرة المتبقية، ما أدى إلى إصابة الكثير من المزارعين باليأس، وتوقفهم عن الوصول إلى أراضيهم، إذ انخفضت المداخيل التي اعتاد المزارعون على استخلاصها من الأراضي في السابق بنحو 90%.

يصف الالتماس، أيضاً، كيفيّة تتعارض الخطوات التي اتخذها جيش الاحتلال من أجل فرض القيود والعوائق أمام قدرة المزارعين على الوصول إلى الأراضي التي يملكونها خلف مقطع الجدار، بشكلٍ تام، مع وعود جيش الاحتلال التي أطلقها على مدار السنوات، والقاضية بالسماح لهم بالوصول إلى هذه الأراضي. هكذا، ومع مرور السنوات، اتضح تحوُّل منظومة منح تصاريح الدخول لمنطقة التماس، وهي المنظومة التي تم تقديمها في البداية بوصفها طريقاً لضمان الوصول إلى الأراضي، إلى أداة رئيسيّة لنهب المزارعين. هذه القيود، والمحظورات والبيروقراطيّة التي فرضها جيش الاحتلال بشأن هذه التصاريح حوّل مسألة الوصول للأراضي إلى مسألة مستحيلة، في تعارض مع الوعود السابقة.

يشير الالتماس، على سبيل المثال، إلى أنّه وبينما جرت المصادقة سنة 2014 على 75% من طلبات استصدار تصاريح الدخول للمزارعين إلى منطقة التماس (3221 تصريحاً)، فقد تمّت المصادقة سنة 2018 على 26%، فحسب من طلبات استصدار التصاريح (1876 تصريحا)، في حين صدر في السنوات ما بين 2012- 2014 ما بين 1800 إلى 200 تصريح في كلّ عامٍ لسكّان قرية قفين وحدها، فإن عدد التصاريح قد انخفض إلى 350 تصريحاً في السنة، وهو ما يمثّل انخفاضاً بنسبة 85%. كما انخفض عدد تصاريح الدخول التي تم إصدارها لسكّان قرية عقابا من معدّل يتراوح ما بين 165-189 تصريحاً حتى العام 2014، إلى 65 تصريحاً فحسب.

وفي السياق ذاته، يشير المزارعون إلى أنّ جيش الاحتلال اعتاد على مدار السنوات الماضية منع وصولهم إلى الأراضي بناء على تبريرات تتعلق بعلم النبات والجدوى الزراعيّة، كما يفسرها مكتب الضابط المسؤول عن الزراعة في ما تُسمى "الإدارة المدنيّة" الإسرائيليّة. هذا، في تعارض خطير مع الادعاءات الصادرة عن إسرائيل على مدار السنوات أمام المحاكم، والتي تفيد بأنّ إنشاء الجدار يرتكز إلى دوافع أمنيّة فحسب.

وفي هذا السياق، ورد في الالتماس: "في نهاية المطاف، تبدو النتيجة واضحة: إنها التقليل من الحضور الفلسطينيّ ومن العمل الزراعي الفلسطينيّ في المنطقة المشار إليها بشكل خطير، وتقليص أنواع المزروعات التي يمكن زراعتها في منطقة التماس، والمساس الخطير بخصوبة الأراضي، وكسر إرادات المزارعين الذين ترتبط حياتهم بأراضيهم". كما ورد في الالتماس: "إن الحق في كسب الرزق، والحق في حريّة الحركة، والحق في الحياة الأسريّة، والحق في المشاركة في الحياة الاجتماعيّة والثقافيّة، والحق في المساواة، والحق في الكرامة الإنسانيّة. تداس وتتحطم تحت وطأة خرسانة السور وأسلاكه الشائكة، حيث يتمّ الدوس على كل حق أساسي من حقوق الإنسان الخاصة بالملتمسين، وببنات وأبناء مجتمعهم".

هذا، وتمّ إرفاق وجهة نظر مكتوبة من قبل الكولونيل احتياط شاؤول أريئيلي، وهو خبير إسرائيلي في الشؤون الأمنية وشؤون جدار الفصل. ويشير أريئيلي إلى أنّ تفكيك مقطع الجدار وإزاحته غرباً، نحو حدود الخط الأخضر، لن يمنع فحسب المساس بنسيج حياة سكّان قفين، ونزلة عيسى، وعقابا، بل إنه سيكون أكثر نجاعة من ناحية أمنيّة أيضًا، وذلك لأسباب طبوغرافية تجعل من الجدار على حدود الخط الأخضر يتيح إمكانيات كشف بصري أفضل للمناطق التي من شأنها أن تشهد محاولات تسلل إلى إسرائيل، عدا إبعاد هذا المخطط عن المناطق المبنية في القرى، ناهيك عن كون إزاحة الجدار ستتسبب بشكل كبير في تخفيف الاحتكاك وحاجة المزارعين الفلسطينيين إلى المرور عبره.

وتقول جِسيكا مونتيل، مديرة عامّة لهموكيد– مركز الدفاع عن الفرد: "يثبت هذا الالتماس أن الجيش الإسرائيلي يسعى إلى إبادة الزراعة الفلسطينية في المناطق التي قام جدار الفصل ببترها عن مناطق الضفة، في تعارض مع الوعود التي أطلقها الجيش بإتاحة استمرار هذه الزراعة. نحن نحاول أن نضع حداً للأمر في منطقة قفّين، وهي المنطقة التي لا يبدو أصلاً أنّ للجدار فيها مبرراً أمنياً. نتوقع من المحكمة العليا أن تصدر قراراً بتفكيك الجدار حيثما يتسبب هذا الجدار في نهب أراضي الفلسطينيين".