دراسات لمؤسسة فيصل الحسيني حول مدارس القدس: مستقبل طلبتنا في خطر إن لم تؤخذ التدابير المناسبة

الطواقم التعليمية والطلبة بحاجة إلى 7,000 جهاز حاسوب و150 دورة تدريبية

القدس- "القدس" دوت كوم- بينما لا يزال الحديث يدور حول احتمالية عودة الطلبة إلى مدارسهم خلال شهر آب المقبل، فإن التخوّف القائم من استمرار انقطاع التعلم الوجاهي في حالة تفشي فيروس كورونا المستجد والعودة إلى الحجر المنزلي خوفاً من جولة جديدة؛ يدفعنا للتساؤل حول جودة التعليم الإلكتروني عن بعد في مدارسنا الفلسطينية في مدينة القدس، وتحدياته، وكيف تأثرت هذه المدارس مالياً وأكاديمياً خلال الشهور المنصرمة في إطار استجابتها لهذا المتطلب الجديد.

مؤسسة فيصل الحسيني التي تدعم قطاع التعليم في القدس، وتعمل مع المدارس عبر برنامج شامل يخدم مختلف مناحي العملية التعليمية من بنية تحتية وأجهزة وأدوات وبرامج تدريبية؛ أعلنت، وبناءً على ما طوّرته من دراسات خلال فترة الجائحة، عن قلقلها حول مستقبل طلبتنا التعليمي اذا استمر الحال على ما هو عليه ولم تؤخذ التدابير المناسبة في الحالتين؛ حالة الاستمرار في التعليم عن بعد أو حالة إعادة فتح المدارس.

في لقاءٍ مع فدوى الحسيني المديرة التنفيذية لمؤسسة فيصل الحسيني، أشارت إلى أنه رغم ما لمسته المؤسسة خلال متابعاتها عبر مختلف تدريباتها ومشاهداتها خلال فترة الجائحة، من اجتهادات في أداء العديد من المعلمين والمعلمات وتضافر الجهود والعطاء المتميز الذي قدمته أطراف العملية التعليمية التعلُّمية المختلفة من طواقم تعليمية وأهالي وطلبة، إلا أن هناك خطران رئيسان أشارت لهما دراسات المؤسسة في حال استمر الوضع على ما هو عليه.

وتوضّح الحسيني: "يكمن الخطر الأول في عدم تمكن المدارس من الوصول لما يقارب 35% من الطلبة بالشكل المناسب لأسباب تتعلق إما بعدم توفر الأجهزة أو ضعف الأجهزة المستخدمة أو عدم رغبة الطلبة بالتواصل، فيما تكمن الخطورة الثانية في الخشية من تراجع جودة التعليم المقدم للطلبة بسبب تركيز غالبيته على التعليم التلقيني أو استخدام الأنشطة البسيطة بعيداً عن الحوار والتفكير الناقد والبحث العلمي".

كما أشارت الحسيني إلى مخاطر العودة إلى المدارس في ظل الجائحة، خاصة مدارس القدس التي لا تتوفر فيها المساحات الكافية لتحقيق شرط التباعد، ولا يتوفر فيها ما يكفي من مرافق صحية أو نقاط مشربيات، الأمر الذي يتطلب تطوير البدائل وإيجاد حلول مناسبة.

عن جهوزية المعلمين وتفاعل الطلبة

وحول مدى الجهوزية التقنية للمعلمين والمعلمات؛ قدرت مؤسسة فيصل الحسيني بناء على دراستها التي تضمنت عينة من 17 مدرسة ، حاجة ما نسبته 54% من المعلمات والمعلمين إلى تدريبات على استخدام التكنولوجيا في التعليم، و45% إلى مهارات أُخرى خاصة بالتعليم عن بعد، ما يعني الحاجة إلى ما لايقل عن 150 دورة تدريبية لتغطية المجالين. كما قدرت الدراسة حاجة 36% من المعلمات والمعلمين في مدارس القدس إلى أجهزة و8% إلى خدمات الإنترنت، ما يعني أن حاجة الكادر التعليمي لأجهزة حواسيب إضافية تقدر في المدارس الفلسطينية في القدس بـحوالي 1,015 جهاز حاسوب، فيما قُدرت حاجة ما نسبته 12.3% من طلبة المدارس لأجهزة إلكترونية بشكلٍ ملحٍّ، وبناءً عليه يقدّر أن هناك حاجة لنحو 5,640 جهازاً للطلبة.

وعن مدى جهوزية الطلبة للتفاعل مع مثل هذا النوع الجديد من التعلم غير الوجاهي، قالت بسمة قرش، مديرة مدرسة الأميرة بسمة في القدس: إن التفاوت بين مستوى تفاعل الطلبة ارتبط بعدة عوامل أهمها العامل النفسي للطلبة، حيث سادت أجواء من القلق والتوتر في بداية الأمر، إلى جانب توفر جهاز حاسوب واحد لدى معظم العائلات، ولكن تجاوب الطلبة مع المعلمين والمعلمات بدأ منخفضاً ثم أخذ بالازدياد، حيث بلغت نسبة المشاركة ما يقارب 60-70%.

فيما أشارت الدراسة أنه على الرغم من تمكّن جزء كبير من المعلمين/ات من التعامل مع البرامج المتاحة للتعلم الإلكتروني، والجهود المبذولة لا سيما من المعلمات اللاتي اتخذن من البحث العلمي والتجربة أسلوباً للتعلم والتقييم؛ لكن آليات تنفيذ التعلم عن بعد لم تمر بسهولة مطلقة، فقد واجهت المعلمات صعوبات عدة، أبرزها ما ذكرته معلمة العلوم في مدرسة نور القدس آلاء ريان حول عدم توافر مواد بين يدي الطلبة مثل أدوات القياس والأوزان، بيد أن ما يدعو للتفاؤل أن الطلبة استطاعوا الوصول لحلول ونتائج غير متوقعة وقضايا علمية غير واردة في المنهاج عن طريق التعلم الذاتي.

وحول إمكانية مواصلة سير التعليم عن بعد بنفس الوتيرة، ترى ريان أن العمل مع الطلبة المدربين على تطوير الأبحاث العلمية سيستمر بقوة ونجاح، ولكن الأمر سيواجه تعقيداً أكبر مع الطلبة غير المدربين والذين يحتاجون للتدريب والاتصال الوجاهي في المدرسة، وإلا فإن نسبة تفاعل الطلبة الحقيقي لن تتجاوز أكثر من 20% وفق تقديرها.

وفي واحدة من قصص نجاح التعلم عن بعد التي شهدها الحجر المنزلي، نفّذت معلمة مادة العلوم في مدرسة الروضة الحديثة هبة خليل أبحاثاً علمية مع طالباتها المدربات على إعداد البحوث، حيث لم تلجأ خليل إلى تقييم الطالبات من خلال الامتحانات التقليدية، وتضيف: "أبدت الطالبات تفاعلاً رائعاً وناجحاً وذكياً مع تجربة الأبحاث العلمية، وذلك على الرغم من صعوبة توفير الأدوات والمواد المخبرية، حيث سعت الطالبات إلى استبدالها بأداوت متوفرة في المنزل، ولكن تكرار التجارب العلمية في حال فشلها لم يكن ممكناً أبداً للسبب نفسه".

وعن تجربتها مع التعلم عن بعد كأم، قالت ريم حماد، وهي أُم لطالبتين في مدرسة الروضة الحديثة وطالبين في مدرسة ذكور إيلياء الأساسية، إن التجربة كانت ممتعة ومفيدة، على الرغم مما واجهتها من صعوبات، لا سيما في بداية الأزمة، حيث أن أولادها وهم في صفوف (الثالث والخامس والثامن والتاسع) لم يكن لديهم أجهزة إلكترونية شخصية، كما اضطرت العائلة إلى زيادة سرعة الإنترنت في البيت من أجل تمكين أبنائها من متابعة حصصهم الإلكترونية.

وتضيف حماد: "على الرغم من الجهود المشكورة التي بذلها المعلمون/ات في فترة الأزمة إلا أن التعليم الإلكتروني لا يُغني عن التعلم الوجاهي داخل صفوف المدرسة".

التعلم الإلكتروني وصعوبات التعلم

أشارت دراسة مؤسسة فيصل الحسيني إلى عدم توفر الأدوات والألعاب والقرطاسية الكافية لدى الطلبة، ما صعّب تنفيذ فعاليات مع الطلبة بشكل عام ومع الطلبة الذين يعانون من عسر تعلم بشكل خاص. وأوضحت مستشارة عسر التعلم في مؤسسة فيصل الحسيني السيدة كفاية بيضون، التي عملت على تدريب الأهالي والطواقم التعليمية خلال الجائحة، أنه رغم وجود قصص نجاح عديدة، وتفوق التدريب الفردي مع المعلمات ومع الأهالي عبر وسائل التواصل الاجتماعي على التدريب الوجاهي، فإننا فقدنا التواصل مع مجموعة من الأمهات لعدم توفر أجهزة لديهن. ومن ناحية أُخرى، تحسّسنا حاجة الأمهات -اللواتي تحمّلن المسؤولية الأولى في عملية متابعة تعلم أولادهن- للتدريب في مجال كيفية التعامل مع التكنولوجيا وكيفية حماية أطفالهن من الإنترنت غير الآمن، وكيفية التواصل داخل الأسرة والتعامل مع الضغط، إضافة إلى حاجتهن إلى توعية حول العلاقة داخل الأسرة وكيفية مساعدة أطفالهن من النواحي النفسية.

وأضافت بيضون: "من جهة أُخرى، ولضمان جودة التعليم، لا بد من إيجاد إطار مهني عالٍ لمتابعة ما يتم تعليمه للطلبة عن بعد للتأكد من المصداقية التعلمية".

الخسائر المالية

وفي إطار الحديث عن الخسائر المادية بيّنت الدراسة معاناة المدارس الخاصة من خسائر في الدخل وصلت بالمعدل إلى ما نسبته 28 % من الدخل السنوي للمدارس الخاصة، وترتفع هذه النسبة في بعض المدارس الخاصة لتصل لما يقارب 50%. وبلغ معدل الخسائر المتوقعة حوالي166,000 دولاراً للمدرسة الواحدة.

وفي سياق هذا الموضوع، تؤكد ولاء مشعل، مديرة مدرسة جمعية نور القدس النموذجية، أن مدرستها خسرت قرابة 50% من دخلها السنوي، بسبب عدم تمكنها من تحصيل الأقساط المدرسية التي تسدد عادة خلال الفصل الثاني، إضافة إلى عدم تحصيل الشيكات بسبب الظرف المالي الصعب الذي مر به كافة الأهالي.

البنى التحتية لمدارس القدس غير مهيأة لاستقبال الطلبة

وذكرت المهندسة دانة العارف، مديرة الدائرة الهندسية في مؤسسة فيصل الحسيني، أن نتائج الدراسة المتعلقة باحتياجات مدارس القدس لبنية تحتية مهيئة للوقاية في حال فتحت أبوابها، عكست عدم قدرة المدارس على تغطية معظم متطلبات الوقاية من فيروس كورونا. وأضافت العارف: إن مدارس مدينة القدس في معظمها عبارة عن مبانٍ سكنية تمت مواءمتها لاستخدامها كمدارس، ولا تتمتع بجميع المواصفات التي يجب توفرها من تهوية وإضاءة وتوفر المساحات المناسبة، فمعدل المساحة المتوفرة للطالب/ة هو 1.5 متر مربع، في حين يجب أن تكون مترين مربعين، وفق المقاييس العالمية.

إضافة إلى ذلك، لا يتوفر عدد كافٍ من الوحدات الصحية والمشربيات، حيث يتوفر في مدارس القدس التي يتوفر لدى مؤسسة فيصل الحسيني معلومات كافية عنها 1,825 وحدة صحية، في حين يجب أن يتوفر وفق عدد الطلبة 2,200 وحدة صحية، كما يتوفر 1,623 نقطة شرب، في حين يجب أن يتم توفير 2,292 نقطة.

من ناحيتها، طوّرت مؤسسة فيصل الحسيني دليلاً حول التدخلات الأساسية الواجب العمل على توفيرها داخل المدارس في حال عودة الطلبة، وتتضمن توفير غرفة خاصة للحجر المؤقت في حال اكتشاف ارتفاع حرارة أحد أفراد الطواقم أو الطلبة، وموازين حرارة وكمامات وقفازات. إلى جانب إيجاد قواطع شفافة بين الطلبة داخل الغرف الصفية، أو توفير طواقي مع حاميات شفافة للوجه لكل طالب/ة.

كما يذكر الدليل ضرورة إيجاد خطوط التباعد في الصفوف، وخطوط للوقوف في الساحات والقاعات والمداخل وأماكن التجمع والانتظار، بالإضافة إلى توفير حاملات للمطهرات في الممرات والغرف الصفية والساحات، وماكنات محارم تجفيف الأيدي التي تعمل عبر المجسات في الوحدات الصحية والمطابخ وغرف المعلمين/ات، وحاويات تفتح بالقدم، وحنفيات تفتح عبر كبسة بالقدم أو عبر المجسات، ومراحيض أوتوماتيكية تعمل بالمجسات، وغير ذلك من الأدوات التي يجب أن تعمل بواسطة المجسات مثل وحدات الإنارة والأبواب. هذا بالاضافة إلى ضرورة تطوير برنامج دراسي يضمن ألا يزيد عدد الطلبة في الغرفة الصفية الواحدة عن 15 طالب/ة لضمان الحفاظ على مسافة الأمان بين الجميع، وأقل من ذلك في حالة كانت الغرف الصفية صغيرة.

وتقدر مؤسسة فيصل الحسيني التكلفة لضمان توفر كل ما يتعلق بجوانب البنية التحتية بـ9.5 مليون دولار. وذكرت بسمة قرش مديرة مدرسة الأميرة بسمة أن توفير الأجهزة التكنولوجية والحواسيب للمدرسة بالإضافة إلى تعيين معلمين/ات لمادة التكنولوجيا، تعتبر من أهم مطالب المدرسة للمرحلة المقبلة، بالإضافة إلى الحاجة إلى دورات لتأهيل الطاقم التعليمي والطلبة على استخدام التكنولوجيا المساندة في التعلم.

الأمر ذاته ذكرته منال الشاعر، مديرة مدرسة بنات عثمان بن عفان، حيث أكّدت أهمية مواصلة تهيئة الطالبات والمعلمات على استخدام وسائل التكنولوجيا والتدرب عليها من خلال الدورات المختلفة، مطالبة وزارة التربية والتعليم بإلزام المعلمات والمعلمين بتطوير مهارات التواصل والتعلم عن بعد.

أبرز التوصيات

وتضمنت أبرز توصيات مؤسسة فيصل الحسيني ضرورة تطوير نظام يحكم التعليم عن بعد، ويوفّر له ما يلزم من احتياجات تدريبية وأجهزة، ويطور آليات لمراقبته وتقييمه، إضافة إلى ضرورة تطوير المدارس لنظام دوام ملائم يضمن عدم تجمع الطلبة في حال افتتاح المدارس، مثل تقسيم ساعات اليوم إلى دوام صباحي وآخر مسائي، وتوفير كل ما تطلبة البنية التحتية من تطويرات تضمن حماية الطلبة والطواقم التعليمية، والتي تم سردها ضمن دليل إجراءات الحماية الذي طورته لأغراض استخدام المدارس.

وأوصت المؤسسة أيضا باستخدام التدريب عن بعد ليدعم التدريب الوجاهي مستقبلاً، خاصة مع الأهالي والتدريب الفردي للمعلمات، كما أوصت بتطوير منهجيات البحث العلمي والتفكير الناقد في المقررات التعليمية وتدريب المعلمات على تدريب الطلبة على تطوير مهارات التعلم عبر البحث العلمي والتفكير الناقد والحوار، وذلك من أجل ضمان تطوير مهارات التعلم الذاتي لدى الطلبة.