وراثة الرئاسة الأمريكية

بقلم: الدكتور ناجي صادق شرّاب

ترامب متمسك بمنصبه لدرجة أنه يضع نفسه في منزلة الرئيس السادس عشر للولايات المتحده إبراهام لينكولن وهو أكبر القادة الأمريكيين شعبية.

من البديهيات، أن الرئيس الأمريكي الذى يفوز بالرئاسة أول ما يفكر فيه في اليوم التالي كيف يبقى رئيساً للفترة الثانية، إلا في حالة الرئيس ترامب الذي لا يفكر في الرئاسة الثانية بل كيف يورثها لابنته أو زوج ابنته. هذه هي المشكلة الكبرى التي تواجه ترامب. فعينه ليست على الانتخابات القادمة بل على انتخابات 2024 وترشح ابنته أو زوج ابنته، وهكذا تبقى الرئاسة محصورة في أسرته. وهذا يتوافق مع النزعة السادية التي تحكم سلوكه، وهي التي تفسر لنا كل محاولاته من أجل البقاء. وقد تفوق ترامب على الرؤساء السابقين في تبرير كل أساليبه من أجل البقاء، حتى لو اللجوء للكذب لتبرير تصرفاته. وكما يقال المحب لا يرى في كلام من يحب إلا الصدق. وهذه هي علاقة ترامب بقاعدته الانتخابية التي أوصلته للرئاسة من الطبقة البيضاء العنصرية، ونجح في شحنها وحشدها، وتصوير الرئاسة أنها حق طبيعي لهذه الطبقة.

إن قوله بأن كورونا نشأ في الصين، وأن هناك مؤامرة كبرى وراءها الصين للصعود إلى قمة النظام العالمي، فإن في ذلك مستوى من الكذب غير مقبول، ويصل إلى حد اتهام العراق بأن لديه أسلحة دمار شامل لتبرير العدوان عليه واحتلاله، رغم تقرير الاستخبارات الأمريكية بأن الفيروس لم يكن من صنع الإنسان أو معدلاً وراثياً. والغرض هنا ليس الإقناع بل الهيمنة على المعلومة والأخبار وتوظيفها كما يريد. وهذه الإستراتيجية مفيدة في وقت الأزمات. والهدف هنا هو تفعيل نظرية المؤامرة لبقاء ترامب في البيت الأبيض لرئاسة ثانيه.

واليوم لا يتوانى الرئيس الأمريكي من أجل البقاء في منصبه، في تعميق الانقسام الأمريكي، والتلويح بحرب أهلية لو خسر، وبأن أمريكا ستفقد مكانتها العالمية وستجوع، وسينهار الاقتصاد الأمريكي إذا لم يعطه الناخب الأمريكي صوته.

لم يترك ترامب وسيلة من أجل البقاء، ولديه هنا نظرية الغاية تبرر الوسيلة، فاعتمد على نظرية أو إستراتيجية الأرض المحروقة لتشويه سمعة منافسه بايدن. ولا يستبعد الكاتب موزيس نعيم رئيس التحرير السابق لمجلة «فورين بوليسي» من قيام حملة الرئيس ترامب بشن هجوم قضائي مكثف ضد النظام الانتخابي، يضمن عدم تصويت أولئك الذين لا يعتزمون التصويت له من خلال جعل العملية الانتخابية بطيئة، وبآليات تصويت غير صالحة حتى إذا فاز بايدن بأكثرية محدودة، حيث يمكن الطعن في نتيجة الانتخابات وعدم ترك البيت الأبيض حتى لو كان الثمن حرباً أهليه.

جاءت «كورونا» لتقلب كل معايير الانتخابات الرئاسية الأمريكية، فقبل «كورونا» كان الرئيس يتباهى بأنه أعظم رئيس يحقق معدلات نمو اقتصادي عالية، وازدياد في الوظائف، ومع «كورونا» كل هذه الإنجازات تبخرت مع أكثر من مليون إصابة وأكثر من مئة ألف حالة وفاة، وارتفاع نسبة البطالة وأكثر من عشرين مليون فقدوا وظائفهم، هي معايير أساسية لكسب أية انتخابات رئاسية. ماذا يفعل ترامب؟ إنه ليس السبب رغم تهاونه في بداية «كورونا» والاستخفاف بها، وتحميل المسؤولية لعدو خارجي هو الصين.

والتحدي الأكبر الذي يواجه ترامب ورئاسته، كما قال الكاتب روس دوتان في مقالة له، «إن فيروس كورونا قادم إلى الرئاسة، فإما أن ينتصر عليه وإما أن يهزمه». والمفارقة في ارتفاع نسبة التأييد لترامب بعد انتشار الوباء رغم ارتفاع الإصابات، ومع ذلك هناك تهديدات حقيقية مع ارتفاع نسب البطالة.

ترامب متمسك بمنصبه لدرجة أنه يضع نفسه في منزلة الرئيس السادس عشر للولايات المتحده إبراهام لينكولن وهو أكبر القادة الأمريكيين شعبيه، وقوله: «أتمتع بصفات رئاسية أكثر من أي رئيس آخر بهذا البلد باستثناء إبراهام لينكولن»، واليوم يرفع شعاراً جديداً وهو «أمريكا معاً» بدلاً من «أمريكا أولاً».

ومن منظور الأزمة التي بدأ يدرك خطورتها على وجوده السياسي أنه أخذ يهتم أكثر وأكثر اليوم بالمال والبورصة والاقتصاد، ونتيجة لذلك بدا يخرج بمؤتمرات صحفيه أسبوعية محاطاً بفريق طبي ليوجه الاتهام للصين وينفي عن نفسه عدم الاستجابة المبكرة للوباء، وتبنّيه حزمة مساعدات غير مسبوقه لدعم الاقتصاد والحفاظ على سلم الوظائف من الانهيار.