فلسطين أرض المساومات الخاسرة

بقلم: رامي منصور

"إنّ البلاد التي نقترح احتلالها ستضم (بحسب الترتيبات التي تراها فرنسا مناسبة) مصر السفلى، بالإضافة إلى منطقة تمتد حدودها على خط يسير من عكا إلى البحر الميت، ومن الطرف الجنوبي للبحر الميت إلى البحر الأحمر... إن هذا الموقع المتفوّق على ما عداه والمتميّز عن سائر المواقع في العالم سوف يجعلنا حين نمخر عباب البحر الأحمر، أسياد تجارة الهند والجزيرة العربية أو جنوب أفريقيا وشرقيها والحبشة... وإنَّ قربَ حلب ودمشق سيسهّل تجارتنا مع بلاد فارس... من طريق البحر الأبيض المتوسط، نستطيع إقامة اتصالات مع فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وسائر أنحاء القارة الأوروبية... سوف نعود إلى بلادنا ونعيش في ظل قوانيننا ثم نشاهد تلك الأماكن المقدسة... أيها الإسرائيليون! ها قد دنت نهاية بؤسكم ومصائبكم، فالفرصة مواتية فلا تدعوها تفوتكم...".

هذا الاقتباس يتكرر في كتب التاريخ عن فلسطين والصهيونية، وهو من رسالة كتبها يهودي في العام 1798 يُرجّح أنه فرنسي أو بريطاني. وليس هدف استحضارها اليوم هو نشر "الأساطير" عن الحركة الصهيونية وإنما السياق التاريخي لنشأة الحركة الصهيونية، وهو سياق استعماري ديني يستهدف المشرق العربي بوضوح، ويسعى للهيمنة على سواحله وبحاره من خلال القوة أو الاتفاقيات الموقعة مع زعماء عرب أو مع دول الاستعمار.

فهذه السطور المقتبسة تؤسس لفكرة تكرّرت في الأدبيات الصهيونية لاحقًا - ولا تزال تتكرر حتى اليوم - لتؤكد أن مطامع الحركة الصهيونية لا تتوقف عند حد إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وإنما إلى حد الهيمنة على الإقليم العربي وصولا إلى اليمن، والهيمنة التجارية وصولا إلى أفريقيا والهند وأوروبا. وهذه ليست رؤية لمشروع تحرير اليهود من بؤسهم في أوروبا، وإنما رؤية لمشروع استعماري إقليمي كبير لا تقل طموحاته عن طموحات القوى العظمى لاحقًا مثل بريطانيا وفرنسا.

وهذا يقودنا إلى استنتاج بسيط لكنه مؤكد، وهو أن الوجود العربي القومي المُنظم والمستقل في المنطقة، بنظر الصهيونية، يعني نفي الوجود الصهيوني. أي أن نشوء كيان قومي عربي مستقل يعني بالضرورة نفي الكيان الصهيوني المهيمن، أي أن العلاقة بين الطرفين هي علاقة نفي أو علاقة سالبة. وحتى تبقى هذه العلاقة سالبة لصالح الصهيونية، فيجب ضرب الهوية العربية لشعوب المنطقة من خلال التجزئة والتفتيت وعقد اتفاقيات مع أطراف عربية تعزز هذا التوجه وتمنع قيام كيان سياسي قومي عربي مستقل وقوي. أي ما خلاصته، إن إنشاء وطن قومي لليهودي في فلسطين قابل للحياة يعني بالضرورة منع إنشاء كيان سياسي قومي عربي في المنطقة، وأن تقوية الهوية العربية للمنطقة تعني بالضرورة نفي المشروع الصهيوني في فلسطين، لذلك يجب الهيمنة على الإقليم كله والتحكم في حركة التجارة فيه برًا وبحرًا، وفي البحر الأحمر والمتوسط، من اليمن إلى سورية هذا هو جوهر المشروع الصهيوني، وعلى هذا الأساس قام في فلسطين. الصهيونية تتطلب بالضرورة نفي الهوية العربية.

***

"تقترح المنظمة الصهيونية أن ترسل إلى فلسطين لجنة من الخبراء لتقوم بدراسة الإمكانيات الاقتصادية في البلاد وأن تقدم تقريرًا عن أفضل الوسائل للنهوض بها، وستضع المنظمة الصهيونية اللجنة المذكورة تحت تصرف الدولة العربية بقصد دراسة الإمكانيات الاقتصادية في الدولة العربية، وأن تقدم تقريرًا عن أفضل الوسائل للنهوض بها، وستستخدم المنظمة الصهيونية أقصى جهودها لمساعدة الدولة العربية بتزويدها بالوسائل لاستثمار الموارد الطبيعية والإمكانيات الاقتصادية في البلاد".

ليس الاقتباس أعلاه بندًا في "صفقة القرن"، واسمها الرسمي "السلام من أجل الازدهار – رؤية جديدة لتحسين حياة الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي"، بل هو البند السابع في اتفاقية الأمير فيصل مع الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان الموقعة في عام 1919، ويقدّم فيها وايزمان وعودًا بدعم اقتصادي ودبلوماسي لطموحات العرب القومية بإقامة مملكة عربية مستقلة في المشرق بعد انهيار الدولة العثمانية، مقابل القبول العربي غير المباشر أو المباشر بحق اليهود بإقامة وطن قومي في فلسطين، أو على الأقل عدم مكافحته. بل أكثر من ذلك، تظهر بنود الاتفاقية أن وايزمان يتصرف كممثل لفلسطين في الاتفاق، إذ جاء في الاتفاقية أن الرجلين "يدركان القرابة الجنسية والصلات القديمة القائمة بين العرب والشعب اليهودي ويتحققان أن أضمن الوسائل لبلوغ غاية أهدافهما الوطنية، هو في اتخاذ أقصى ما يمكن من التعاون سبيل تقدم الدولة العربية وفلسطين، ولكونهما يرغبان في زيادة توطيد حسن التفاهم الذي بينهما فقد اتفقا على المواد التالية: 1- يجب أن يسود جميع علاقات والتزامات الدولة العربية وفلسطين أقصى النوايا الحسنة والتفاهم المخلص وللوصول إلى هذه الغاية تؤسس ويحتفظ بوكالات عربية ويهود معتمدة حسب الأصول في بلد كل منهما". فالاتفاقية، التي قيل إن الأمير فيصل ضُلل قبل التوقيع عليها لجهله بمطامع الصهيونية ولعدم إجادته اللغات الأجنبية، تنص بشكل واضح على طرفين، الأول الدولة العربية ممثلة بالأمير فيصل، وفلسطين ممثلة بوايزمان، وعلى هذا الأساس يتفق الطرفان على تأسيس لجنة مشتركة لترسيم الحدود بين المملكة العربية وفلسطين.

هذا كله بالإضافة إلى استخدام مصطلح "الشعب اليهودي" مقابل مصطلح "العرب" في الاتفاقية عند الحديث عن الشعوب العربية، أي أنهم ليسوا شعوبًا أو أمة لها تطلعات قومية بنظر الصهيونية، بل "عرب" وهو مصطلح مفتوح على التأويل ولا يعني بالتأكيد اعترافًا بالقومية العربية أو الأمة العربية، بل ربما بـ"قبائل عربية" دون الشعوب أو القومية.

لكن اللافت أيضًا، أن الوعود التي يقدمها وايزمان للأمير فيصل، وهي وعود فضفاضة وليست تعهدات واضحة، تنحصر أساسًا في قضية "الازدهار" و"النوايا الحسنة" مقابل ترسيم الحدود بين الطرفين والتزامهما بتطبيق وعد بلفور من العام 1917. ومن شأن هذه الوعود الاقتصادية بالازدهار أن تعزز الصورة النمطية العنصرية عن اليهود في تلك الفترة بكل ما يتعلق بـ"المال اليهودي".

كانت هذه الوعود الصهيونية حبرًا على ورق وبلا أي رصيد حقيقي، ولم تحقق ازدهارًا للعرب ولم تدعم طموحاتهم القومية السياسية، وهدفت أساسًا إلى إحباط أي معارضة عربية لاحتلال فلسطين لإقامة وطن لليهود، فيما كان هدف الأمير فيصل الحصول على دعمِ أيٍ كان لطموحات العرب بإنشاء كيان سياسي قومي عربي في المشرق، بعد تنكر بريطانيا لتعهداتها للشريف حسين، والد الأمير فيصل، بإقامة دولة عربية واحدة تمتد من الجزيرة العربية إلى سورية بما فيها فلسطين.

وقد سبقت هذه الوعود الصهيونية للأمير فيصل، وعود صهيونية ممثلة بهرتسل إياه للسلطان عبد الحميد مقابل السماح لليهود بالاستيطان في فلسطين، ولاحقًا بوعود صهيونية للـ"الأقليات" في المنطقة العربية بدعم طموحاتها الانفصالية، سواء الأكراد أو القيادات المسيحية في لبنان، أو في دعم التمرد في السودان، وصولا للحديث الإسرائيلي في الثمانينيات عن تحالف "المال العربي والعقل اليهودي" كما عبر عنه لاحقًا شمعون بيرس في كتابه "شرق أوسط جديد"، وصولا إلى "صفقة القرن".

المهم، أن مئة عام مرت على تلك الاتفاقية ولم يحقق العرب ازدهارًا اقتصاديًا مستدامًا ولا استقلالا قوميًا حقيقيًا. مئة عام مرت، وما زال حكام العرب ذاتهم بطموحاتهم بإنشاء ممالكهم المصطنعة وتثبيت حكمهم، وما زالت الصهيونية عند طموحاتها كما عبر عنها ذاك اليهودي في رسالته المقتبسة، الهيمنة على المنطقة العربية، من خلال ذر الوعود بالازدهار وتثبيت الحكام العرب بالتوسط لدى القوى الغربية، مقابل تحقيق الطموحات الصهيونية. كأن العرب همهم وطموحاتهم دون طموحات "الشعب اليهودي"، ولا تتجاوز الطموحات الاقتصادية بـ"الازدهار".

مئة عام من المساومات في فلسطين، فيما الأمير فيصل خسر دولته ولم يؤسس والده مملكته (انقلبت بريطانيا على الشريف حسين لرفضه "سايكس بيكو" ووعد بلفور ورجحت كفة إقامة المملكة السعودية)، ولا زالت إسرائيل تتمدد وتقيم التحالفات وتنثر الوعود ذاتها في المنطقة، "الازدهار" و"اللوبينغ" لدى القوى الغربية، لنيل الرضا الأميركي عن أمراء عرب. التجربة التاريخية على مدار مئة عام أثبتت أن أيًا من الوعدين لم يتحقق للعرب.

الصهيونية مشروع هيمنة استعماري له هوية قومية واضحة قائمة على نفي وجود هوية عربية مقابلة، أما العرب فظلوا مشاريع حكم تشتت الهوية. والمشروع لا يواجه إلا بمشروع.

عن "عرب ٤٨"