مناصرو فلسطين في الجامعات الأميركية والنضال ضد تكميم الأفواه

حاتم بازيان*

تفاقمت في الآونة الأخيرة إجراءات القمع الواقعة على جهود المناصرة والدفاع عن الحقوق الفلسطينية في الولايات المتحدة، الموجه أساساً نحو الطلاب والهيئات التدريسية. العديد من الاعتداءات وقعت في الجامعات في السنوات الخمس الماضية، مستهدفة النضال الذي يخوضه الطلاب والأساتذة المدافعون عن الحقوق الفلسطينية في الجامعات الأمريكية. تلك الاعتداءات لا ترتبط فقط بتلك الحقبة الزمنية بل تمتد إلى ما يقارب من ثلاثة عقود.

تزامَنَ نمو حركة مناصرة الحقوق الفلسطينية في الولايات المتحدة مع نضالات عالمية أخرى، وتحديدًا النضال ضد نظام الأبرتهايد في جنوب أفريقيا، وضد التدخل الأمريكي في أمريكا الوسطى، والهجوم الأمريكي على العراق في حرب الخليج الأولى، وأيضا الحركات داخل أمريكا التي حاربت الحملات من الأحزاب اليمينة المحلية المستندة على محاولة المساس بمنظومة الحقوق والعدالة، مما أدى إلى إعادةَ الهيكلة الاقتصادية، التي قضت على شبكة الأمان، تحت غطاء إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية، وتسببت في إفقار وتشريد الملايين. إنبثقت من هذه الحملات حركاتٌ تقدميةٌ أولت اهتمامًا أكبر لقضية فلسطين، حيث تحدى الحِراك المناصر لفلسطين، والناشطون الفلسطينيون، التغيرات في الأولويات الوطنية، ودعموا النضال المناهِض للأبرتهايد، والحملة المناوئة لتوسع الولايات المتحدة في أمريكا الوسطى، والحركة المعارِضة للحرب على العراق. وفي المقابل، اتخذت المنظمات الموالية لإسرائيل موقفًا تاريخيًا مضاداً، إذ عارضت فرضَ عقوبات على جنوب أفريقيا، ودعمت صفقات الأسلحة مع نظام الفصل العنصري، وقدَّمت الدعمَ للجهود الحربية الأمريكية في الشرق الأوسط، باعتبارها مفيدةً لأمنها. وبعد أن كان اليسار السياسي في الولايات المتحدة في سجالٍ دائم حول السماح برفع علم فلسطين في نشاطاته وفعالياته، والسماح لمتحدث مناصرٍ لفلسطين بإلقاء خطاب، غدت فلسطين اليوم جزءًا من تأطير الحِراكات السياسية المحلية والعالمية.

عززت منذ سنوات جهود مناصرة فلسطين في الجامعات الأميركية، بفضل الجهود التي يبذلها الناشطون المناصرون للقضية الفلسطينية والمؤمنين بعدالتها، وساهمت تلك الجهود في تأسيس المنظمات الطلابية الداعمة لفلسطين وانتشارها، ومن بين تلك المنظمات على سبيل المثال، منظمة طلاب من أجل العدالة في فلسطين.

تأسست منظمة طلاب من أجل العدالة في فلسطين، بجامعة كاليفورنيا في بيركلي سنة 1992، بعد حرب الخليج الأولى. وقد ساهمت القيود التي مورست على الإتحاد العام لطلبة فلسطين، وقدراته المؤسسية، على أثر إبرام اتفاقات أوسلو، في تقلَّص الحِراك الفلسطيني المرتبط بالحركة الفلسطينية الأشمل، العابرة للحدود الوطنية، وذلك بعد موافقة منظمة التحرير، بموجب الاتفاقات، على الحد من جهود المناصرة الدولية التي تحشدها ضد إسرائيل.

وقدمت منظمة الطلاب من أجل العدالة في فلسطين طرقاً بديلة لمناصرة فلسطين، وتنظيم الفعاليات لدعم التحرر الفلسطيني، وحالياً هناك ما يزيد على 200 فرع للمنظمة الطلابية في الولايات المتحدة وكندا ونيوزيلندا، وانضم إلى هذه الحركة، طلابٌ كُثرٌ ممن دعموا نضالات التحرر ومناهضة العنصرية في جنوب أفريقيا وأمريكا الوسطى والولايات المتحدة، لإدراكهم بأهمية العلاقة والقاسم المشترك بين تلك النضالات جميعًا. وضمت المنظمة في إطارها، طلاباً أمريكيين من الديانة اليهودية، لم يستشعروا إسرائيل جزءاً أساسياً من هويتهم، ويناهضون الصهيونية على مستوى المبادئ، إذ أنهم يروا ما يجري في فلسطين كنموذج يُمثِّل ما يعتقدون بداهةً بأنه جائرٌ ومُجحف، ألا وهو الفصل العنصري الإسرائيلي.

وبفعل تبدُّد مكانةِ إسرائيل وموقعها في مؤسسات التعليم العالي وفي أوساط المثقفين الأمريكيين، دفعت وزارة الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلية وأنصار إسرائيل، إلى السعي لقَلب هذا الموقف، من خلال شن الهجمات على الجامعات والتشهير، وتشويه سمعة الطلاب والهيئات التدريسية، بالادعاء أن مناصرة فلسطين وحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات تُعادي السامية.

وتسعى هذه القوى إلى تعبئة مجالس الممثلين في الولايات المنفردة والكونغرس، بغية سنّ تشريعاتٍ تحمي إسرائيل من الحق في حرية التعبير عندما يتعلق الأمر بفلسطين، وتكميم الأفواه على نحو استباقي، يُحوِّل النقاش الدائر إلى نقاشٍ حول الحقوق التي يكفلها البند الأول من التعديل الدستوري.

وتنمُّ القوة غير المنضبطة التي تستخدمها الحكومة الإسرائيلية، عن قلقها وارتباكها، فالقوة الحقيقة تكمن في القدرة على ممارسة ضبط النفس، والإمتناع عن استخدام القوة، لأن الأفراد لديهم رفض مبدئي لتوظيفها. ومن هذا المنطلق، نجد أن إسرائيلَ يائسة، وتسعى جاهدةً لكبح انحدار منزلتها، لا سيما في المجتمع الأمريكي عمومًا، حيث تخلى كثير من أعضاء الحزب الديمقراطي، قاعدةً وقيادات، عن إسرائيل كجزءٍ محوري في برامجهم الانتخابية، كما أن محاولاتها لاستخدام القوة الفجة لإسكات المنتقدين، لم ترق للكثير من الديمقراطيين، حيث عبر المرشح الديمقراطي، بيرني ساندرز، أكثر من مرة عن معارضته لإسرائيل، ورفضه المشاركة في مؤتمر الآيباك الذي أعتبره "محفلاً للتعصب".

وفي كانون الأول/ديسمبر 2019، أصدر الرئيس الاميركي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً لمكافحة الخطابات والنشاطات المعادية للسامية في الجامعات، سُمح بموجبه بسحب التمويل من المؤسسات التي تنتقد إسرائيل. ،قد يترتب على إصدار مثل هذه القوانين في الأجل القريب، آثارٌ سلبية على الطلاب والهيئات التدريسية، كمساعي إغلاق الفصول التي تُدرس فلسطين، والمضايقة على شبكة الإنترنت، وهذا شبيه بما واجهه مركز الدراسات العربية المعاصرة بجامعة جورج تاون، ومنظمة طلاب من أجل العدالة في فلسطين، التي طالبت بسحب استثمارات جامعة كولومبيا من نظام الأبرتهايد.

ومع أن هذه الإجراءات قد تعود بالنفع على الحكومة الإسرائيلية وترامب في المستقبل القريب، إلا أنها ستجعل التغيرات في مكانة إسرائيل في الأجل البعيد دائمة، فلم يعد من الممكن تصوير إسرائيل في الجامعات والمجتمع المدني عمومًا كدولةٍ تحترم حقوق الإنسان والقانون الدولي. وبفضل ما تبذله منظمة طلاب من أجل العدالة في فلسطين، وغيرها من المنظمات داخل الجامعات بالولايات المتحدة وحول العالم، حيث لم يعد لإسرائيل حُجة تستند إليها فكريًا وأكاديميًا، فالتطور السياسي الحاصل، يبرر سلوك إسرائيل الحالي غير المضبوط من أجل استعادة الدعم بعدما انكشفت أكاذيبها واتضح تضليلها.

ولا بد من النظر إلى الهجمات على الأكاديميين والطلاب والناشطين المناصرين لفلسطين كجزءٍ من فترة تاريخية ممتدة، وبناءً على إدراك عميق للجهود المبذولة نحو إحقاق العدالة في الجامعات محليًا ودوليًا، كما ينبغي التصدي للجهود الإسرائيلية الممولة بسخاء، والمدعومة مؤسسيًا من أجل شيطنة الفلسطينيين ومناصريهم، ودعم النضال من أجل التحرر الفلسطيني وإنهاء الفصل العنصري.

وبالرغم من الصعوبات الهائلة، فإن مستقبل فلسطين يتحدد في المقام الأول داخل فلسطين التاريخية، ومن خلال حركات التضامن والمقاطعة حول العالم وفي الجامعات، ومثلما انتهى المطاف بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا في مخلّفات الماضي، فإننا نقترب من تحرير فلسطين.

-----------------------------------------------------------------------

* محلل سياساتي في شبكة السياسات الفلسطينية "الشبكة"، وكبير المحاضرين في قسم الشرق الأدنى في جامعة كاليفورنيا- بيركلي.