ماذا وراء طلب الدائرة التمهيدية للمحكمة الجنائية الدولية لبيان المركز القانوني لاتفاقيات أوسلو؟!

بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

إثر قرار الرئيس محمود عباس بأن فلسطين بتاريخ 19/5/2020 غدت في حل من الإتفاقيات المعقودة مع الولايات المتحدة وإسرائيل والإلتزامات المترتبة بموجبها، طلبت المحكمة الجنائية الدولية إيضاحات من فلسطين بخصوص ذلك القرار. وجاء الطلب مفاجئا حيث كان من المتوقع أن تصدر المحكمة التمهيدية ( الدائرة التمهيدية ) قرارها في نهاية هذا الشهر. فإذا بها تطلب إيضاحا من الدولة الفلسطينية قبل العاشر من حزيران 2020حول المركز القانوني لإتفاقيات أوسلو بشكل محدد.

ويبدو أن الدائرة التمهيدية Pre-Trial Chamber أرادت أن تنقذ نفسها من ورطة عبر رمي الكرة في الملعب الفلسطيني، من خلال هذا الطلب الغريب وفي هذا الوقت بالذات. فهذا الطلب ليس من اختصاص الدائرة التمهيدية وليس من صلاحياتها، ذلك أن هذه الدائرة عليها واجب الحسم في موضوع الضفة الغربية والقدس كأراض محتلة لحسم اختصاصها كمحكمة جنائية دولية، فهي هيئة قضائية تتكون من قضاة وليست جسما إداريا. ذلك أن المادة 12 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تقرر اختصاصها بشكل صريح لأن الدولة الفلسطينية وقع في إقليمها جرائم حرب إسرائيلية. وما كل هذا الضجيج والمذكرات الأسترالية والألمانية والنمساوية والتشيكية حتى الأوغندية من أن فلسطين ليست دولة، سوى خدمة للصهيونية وجيش الإحتلال الإسرائيلي. وكان من الممكن أن تحسمه المدعية العامة فتيمة بن سودا لوحدها ايضا دون اللجوء للدائرة التمهيدية لتعزيز رايها. ففلسطين من عام 2015 طرف في معاهدة ميثاق روما وقبلت اختصاصها من عام 2009.

طلب الدائرة التمهيدية يحفل بالسموم، أو يبطن غير ما يظهر، فهو كلمة حق قصد بها باطل، هذا إذا أسأنا بها الظن. وقد يكون طلبا استيضاحيا بريئا عملا بالمادة 17 من ميثاق روما. فظاهريا هي تستوضح حول اتفاقيات أوسلو ووضعها القانوني، وباطنيا هي قد تسعى لاصطياد الدولة الفلسطينية من خلال تصريحها وجوابها الذاتي وإقرارها. بكلام آخر، هي اي الدائرة التمهيدية في المحكمة الجنائية الدولية، يمكن أن تجر فلسطين إلى اعتراف قائل وقاتل بأن اتفاقية أوسلو التي عقدت بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل كانت قانونية ومطبقة وشرعية طيلة الفترة السابقة أي من تاريخ 1994 وإلى نهاية أيار 2020. وعليه فلا اختصاص للمحكمة الجنائية الدولية في الحالة الفلسطينية قبل هذا التاريخ، لأن القانون الجنائي وميثاق روما لا يسريا باثر رجعي.

كم انتقدنا الأمور القانونية الواردة في اتفاقيات أوسلو وصيغها، والفكر القانوني القابع خلفها، وكم نوهنا لأهمية القانون في المعاهدات الدولية ومفرداته. وها نحن نقع في شر اعمالنا، لأن القانون ليس فهلوة ولا لعبة سياسية بل قواعد ملزمة. فالإقليم الفلسطيني محتل ، ولا يستطيع المحتل إجراء أية تغييرات أو تعديلات على الإقليم المحتل لآنه بدون سيادة شرعية وإن ملك السلطة والسيطرة الفعلية على الإقليم المحتل . على اية حال، فعمليا وواقعيا لقد قبل الفلسطينيون وللأسف، عبر أوسلو نزع اختصاصهم الإقليمي عن الجرائم الإسرائيلية التي تحدث في الأراضي المحتلة سواء أكانت جرائم قانون عقوبات أو جرائم الحرب حينما حصنا الإسرائيليين من اية ملاحقة أو محاكمة،ومن ضمنها المستوطنات، أو أن يكون لهم تمثيل دولي أو علاقات دبلوماسية أو سفارات. وتقرر ذلك بنصوص صريحة وواضحة في أوسلو من تاريخ عقدها. فالفقرة الخامسة من المادة التاسعة من الإتفاقية الإسرائيلية الفلسطينية المرحلية حول الضفة الغربية وقطاع غزة الموقعة في واشنطن بتاريخ 28/9/1995 تقرر صراحة ودون لبس " لن يكون للمجلس صلاحيات ومسئوليات في مجال العلاقات الدولية والتي تشمل تأسيس سفارات أو قنصليات أو ممثليات أو ملحقيات في الخارج، أو السماح بتأسيسها في الضفة الغربية أو غزة أو تعيين أو قبول موظفين دبلوماسيين أو ممارسة مهام دبلوماسية ". كما أن الفقرة السابعة من المادة السابعة عشر تقرر صراحة أن لا "ولاية وظيفية أو إقليمية للمجلس على الإسرائيليين " .

وعليه فالمنطق القانوني الأجنبي والإسرائيلي إذا استعمل اتفاقية أوسلو لوحدها سيخرج بنتيجة واحدة، وهي أنه لا يجوز للفلسطينيين ايا كان شكل كيانهم، سحب هذا الإمتياز الإسرائيلي بعدم اتهامهم وعدم محاكمتهم وملاحقتهم، وبخاصة أنه لم يحاكم أو يلاحق أو يقبض على اي إسرائيلي خلال هذه الحقبة الزمنية الطويلة، فهو لم يحدث لمرة واحدة سابقة، ولم ينكر قانونيا من قبل الجهات الرسمية الفلسطينية. وعليه، فهذا المنطق القانوني الإسرائيلي والأجنبي سيقرر أن الإتفاق الخاص الذي يسمى أوسلو وذيوله يحجب معاهدة ميثاق روما العامة لسنة 1998. فالقانون الخاص يقيد العام. وكأن الدائرة التمهيدية ستقول بملء فيها، أنه مادامت فلسطين قد قبلت طيلة الفترة السابقة طوعا واختيارا عدم ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين عبر معاهدة خاصة، فهي اي فلسطين قد قبلت التنازل أو عدم اللجوء لهذا الخيار الذي منحها إياه ميثاق دولي عام، بل ذهبت إلى تطبيقه عمليا طيلة الفترة السابقة وإلى تاريخ 19/5/2020. من هنا قد تنحو الدائرة التمهيدية للزعم بعدم وجود اختصاص في الجرائم الإسرائيلية للمحكمة الجنائية الدولية.

بالمقابل، لا تستطيع ان تنكر الدائرة التمهيدية صفة الدولة عن فلسطين، فهذا أمر حسم وتقرر في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012. ولا تستطيع أن تنكر أو تتجاهل سيلا من قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة تؤكد فيها حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، من بداية السبعينيات إلى يومنا هذا. ولا تستطيع أن تنكر صلاحية تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 والتي غدت جزءا من القانون الدولي العرفي على الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس وما قررته من جرائم حرب ومخالفات وخروقات جسيمة. وأن اكتساب ملكية الإقليم لا يمكن أن يكون من خلال الغزو أو القوة المسلحة، وهذا ما قررته طائفة من الوثائق القانونية في القرن العشرين مثل بريان كيلوج، ومونتفيديو، وميثاق بوجوتا. وفي رأيي ان الدائرة التمهيدية لن تستطيع إنكار السيادة الفلسطينية على الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، ذلك أن هذه السيادة وجت منذ أيام العثمانيين واستمرت أيام الإنتداب، والحكم الأردني، والإحتلال الإسرائيلي، وأيام السلطة الفلسطينية. فالسيادة للشعب الفلسطيني كما قررت اتفاقية مونتفيديو لعام 1933. صحيح أن السيادة معلقة أو موقوفة بسبب الإحتلال أو الإنتداب لكنها باقية للشعب الفلسطيني على مر الوقت، ولا أدل على ذلك من ان حكومات المنفى في الحرب العالمية الثانية بقيت تمثل بلادها وسيادتها رغم الإحتلال الألماني، وأن ما يعيق تطبيق السيادة الفلسطينية على الأراضي المحتلة هو العدوان الإسرائيلي واحتلال الأرض الفلسطينية.

وبرأيي أن الرد على طلب الدائرة التمهيدية يجب أن يكون مهنيا حذرا قانونيا مصاغا من خبراء متعمقين في القانون الدولي العام والإنساني وحقوق الإنسان والمنظمات الدولية، فاتفاقية أوسلو اتفاقية باطلة ومنتهية الصلاحية. فهي باطلة لأنها تتعارض مع حق الشعب الفلسطيني وتقرير المصير والقواعد الأساسية للقانون الدولي، فضلا عن أنها غير متكافئة. والمادة 53 من اتفاقية فينا للمعاهدات الدولية لعام 1969 تقرر بطلان أية معاهدة تخالف قاعدة قانونية آمرة. ولا جدل في أن الحق في تقرير المصير قاعدة آمرة وقد خالفتها اتفاقية أوسلو. فضلا عن أن اتفاقية أوسلو محدودة بخمس سنين وتنتهي في عام 1999. بل إن المادة 47 من اتفاقية جنيف الرابعة تؤكد عدم حرمان الأشخاص المحميين الذين يوجدون على أي إقليم محتل كفلسطين، من الإنتفاع بهذه الإتفاقية لأي سبب نتيجة لاحتلال الأراضي أو بسبب اتفاق يعقد بين سلطات الإقليم المحتل ودولة الإحتلال أو بسبب ضم كل أو جزء من الأراضي المحتلة. وتجدر الإشارة إلى أن المعاهدات الجماعية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان لا تقبل التحفظ لعدم التطبيق. فضلا عن أن فلسطين لم تفقد شخصيتها القانونية على مر الزمن ومارستها من خلال الجامعة العربية. فضلا عن أن المستوطنات الإسرائيلية جريمة حرب وفق اتفاق جنيف الرابع والبروتوكول الأول لعام 1977. اضف إلى كل ذلك إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 1970 الخاصة بالعلاقات الودية بين الدول وحق تقرير المصير. يضاف إلى كل ماسبق أن إسرائيل انضمت وصادقت على ميثاق منع التعذيب لعام 1984، وميثاق الحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 ، وميثاق الحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية لعام 1966. كما أن هناك أكثر من 138 دولة اعترفت بالدولة الفلسطينية اعترافا قانونيا. وأعتقد أن قرار 181 ما زال قائما وتستند إليه شرعية الدولة الفلسطينية ويجب أن يكون كذلك. ومن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية جرائم العدوان، وقد صادقت على هذا التعديل دولة فلسطين حديثا.

فلسطين دولة احتلت أراضيها بالقوة المسلحة العسكرية، وإقليمها محتل، وجيش الإحتلال ليس له حصانة في الملاحقة أو في المحاكمة . وإن عجزت العدالة الفلسطينية عن ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين، فإن يد العدالة الدولية ستلاحقهم وتحاكمهم عما اقترفت أيديهم، دون التوثق أمام إجراءات شكلية تتعلق بالمركز القانوني لاتفاقيات أوسلو حاليا، فلولا الأمل لانفطر الفؤاد!!!