الهداف الناعم منير بنورة ...نغم كروي من الزمن الجميل

بيت لحم"القدس"دوت كوم -فايز نصّار- أعتبر نفسي واحداً من الشهود على تألق الأرثوذكسي في السبعينيات ، يوم كان الفريق الساحوري واحداً من خيرة الأندية ، التي تقدم كرة قدم قوية ومدروسة ، ولا تمنعه امكانيات البلدة التلحمية المحدودة من رفع التحدي ، وإسالة العرق البارد لكبار اللعبة في بلادنا .

وشاهد الشارع الفلسطيني أفضل نسخة ساحورية مميزة ، يوم اعتزال المعلم رجب شاهين ، في مهرجان كروي منقطع النظير ، احتضنه ملعب الحسين ، إذ لا يبدو ان أبا الرائد اختار فرقة تلاميذ المشني صدفة ، بل لمّا لهذا الفريق من إمكانيات كبيرة في ذلك الوقت .

ورغم أن الأيام عضت الكتيبة الساحورية بنابها ، بعد هجرة خيرة النجوم ، بحثاً عن العلم والعمل في بلاد الآخرين ، إلا انّ الذكريات الكروية الساحورية تبقى خالدة ، وتذكرنا بمحطات تألق عنتر ، وهلال ، وجريس ، وماهر ، وواكيم ، ونديم ... ومعهم أيضاً قناص الخطوط الامامية منير بنورة .

لم ترحم ظروف الاحتلال لاعبينا ، فهاجر المنير إلى بلاد العم سام ، ليعود بعد قيام سلطاتنا إلى بيته الأول ، ويعيش على ذاكرة الأيام الملاح في الملاعب العتيقة ، دون أن يفهم لماذا لا تعود الروح لملاعب السفوح الشرقية لعاصمة المهد ؟

بصعوبة تواصلت مع أبي طوني ، الذي فرضت عليه الكورونا حجراً وحشراً في الولايات المتحدة ، وبسهولة فتح لنا ابن بنورة قلبه ، فكانت هذه المحطات من ميسرته الكروية في الملاعب .

- اسمي منير عيسى ميخائيل بنورة " أبو طوني " من مواليد بيت ساحور يوم 26/2/ 1955 ، ولقبي صاحب الرجل الذهبية .

- نشأت يتيماً بعد وفاة والدي ، وعمري سبع سنوات ، لكن الرياضة كانت تجري في عروقي ، حيث كنت أجيد معظم الألعاب الرياضية ، وخاصة الجمباز ، وكرة الطاولة ، وجميع الرياضات الأخرى .. وفي المدرسة كنت الأول في جميع المسابقات ، وكنت أجيد لعب كرة الطاولة ، وحصلت على بطولة التنس في الواي .

-وكانت أول مباراة لي أمام شباب أريحا مع الاستاذ المرحوم نصر الأطرش .. يومها طلبت من الكابتن جريس المشني أن يشركني لأحلّ له مشكلة العقم التهديفي ، فقال لي : انت ما زلت صغيراً ، فذهبت إلى رئيس النادي الأستاذ نصر الأطرش ، وتوسلت إليه أن يتدخل لإشراكي ، وفعلاً هذا ما حصل ، فدخلت وسجلت ثلاثة أهداف في مرمى شباب أريحا ، علماً بأنّ عمري كان 15 سنة ، ومن يومها أصبحت ألعب مع الفريق الأول ، وصرت هداف بيت ساحور الأول ، وكان المدافعون يحسبون حسابي .

-ألعب في حياتي إلا لأرثوذكسي بيت ساحور .

-الأستاذ الراحل طوني عبود هو من لقبني " صاحب القدم الذهبية " عندما لعبنا آخر مباراة على ملعب المطران ، في بطولة الدوري ، ‏وكانت آخر مباراة لي ، حيث سجلت هدفاً مؤثراً ، بحضور كلّ أهلي وأصحابي .. يومها تنقل كلّ أهالي بيت ساحور إلى القدس ، بما في ذلك الجنس اللطيف ، وكلهم ساهموا في تشجيعي ، وبروزي كلاعب ، وأذكر يومها ان زميلي جريس البطل مرر ليّ كرة قاتلة ، فتجاوزت المخضرم عبد الله الكرنز ، وسجلت هدف المباراة الوحيد في الوقت القاتل .

-بالنسبة لي المدرب الذي له فضل كثير علي ، والذي شجعني كثيرا هو المرحوم جريس المشني ، الذي كان يحثنا على التدريب ، وبالفعل أثبتنا له جدارتنا ، فكنا يد واحدة ، وكان الفريق بالنسبة لنا كالأسرة ، كنا نذهب إلى الملعب بالأسبوع خمس مرات ، نلعب معاً ، ونضحك معاً ، ونسهر مع بعض ، كما دربنا الحارس اميل هلال ، ودربنا الأستاذ هاني سرور ، شقيق الراحل سهيل سرور ، ودربنا لفترة محدودة الكابتن عمر موسى ..ولا أنسى فضل كل من جمال بنورة ، وميشيل طناس ، وعدنان برهم .

-‏ أفضل من شكلت معه ثنائي فكتور الحايك ، الذي كان يفهمني ، ويقرأ تحركاتي ، ويقشر ليّ كرات الأهداف المؤثرة ، كما أنّ أخي ماهر منورة - الذي غادر إلى الولايات المتحدة - كان يفهمني ، دون أن أنسى التعاون مع كلّ الزملاء ، حيث كنا نلعب مع بعض ، وشكلنا فريقاً قوياً .

-كل لاعبي فريق بيت ساحور كانوا نجوماً ، وأذكر منهم اميل هلال ، وأميل عنتر ، والراحل إياد بنورة ، وماهر واميل وواكيم ونديم بنورة ، وعيسى وجريس وجورج البطل ، وادوارد غانم ، وخضر رفائيل ، وفكتور اسمري ..وغيرهم

-‏مع الأسف لا أتذكر كل نجوم الضفة لتلك الأيام ، ولكن من ينسى موسى الطوباسي ، وعارف عارفي ، وأبو السباع ، وحاتم صلاح ، وناجي عجور ، ورجب شاهين ، وزكريا مهدي ، وابراهيم نجم ، وعمر موسى ، ونقولا زرينة ، ويوسف الدلياني ، وخليل بطاح ، وعيسى كنعان ، والمرحوم زكش ، ..وغيرهم .

-لم تنظم لي مباراة اعتزال بسبب مغادرتي إلى الولايات المتحدة ، وهناك عرض عليّ اللعب مع جامعة JW في منطقة واشنطن ، ولكن الأمر لم يكن سهلاً ، لأن هجرتنا كانت من أجل العمل ، وليس من أجل اللعب .

-كان طبيعياً أن يتراجع مستوى فريق بيت ساحور ، لأن معظم النجوم كانوا من المرحلة الثانوية ، ومعظمهم سافر بحثاً عن العلم والرزق ، وتشتتوا في الولايات المتحدة ، وأوروبا ، وتركيا ، وروسيا .. وغيرها

-‏ بالنسبة لمباريات الديربي التلحمي ، بين بيت ساحور وبيت جالا كانت قليلة ، ولكن عندما كنا نلعب ، كانت المباريات حماسية ، وتشهد حضوراً جماهيرياً كبيراً ، من كلّ أبناء محافظة بيت لحم ، ومع ذلك لا أذكر أن أيّ مشكلة حصلت بين الفريقين ، وكانت نتائج المباريات فوز وخسارة وتعادل ، والكلّ يقبل النتيجة بروح رياضية عالية ، فبيت جالا كان فريقاً قوياً ، ونحن كنا فريقاً قوياً ، والمباراة بيننا تمثل ديربي بيت لحم .

-لن أسمي لاعبي المفضل محلياً ، ولاعبي المفضل عربيا محمد صلاح ، ولاعبي المفضل دوليا ميسي ورونالدو .

-أفضل مدرب عالمي بالنسبة لي زين الدين زيدان ، لأنه أعاد الروح ، وجلب الألقاب لريال مدريد .

- جورج غطاس ، وجورج قسيس من أنبل رجال الحركة الرياضية ، وقد خدما محافظة بيت لحم كثيراً في عدة مواقع رياضية ، وساهما في تطور كرة القدم في مدن بيت لحم وبيت لجالا وبيت ساحور ، وكان عمل الراحل جورج قسيس في أرثوذكسي بيت جالا ، فيما عمل جورج غطاس كرئيس للنادي الثقافي مدة طويلة .

-اللاعب عيسى كنعان نجم متكامل لعباً وخلقاً ، وهو صديق شخصي ، كثيراً ما يحضر عندي في بيت ساحور ، ونتحاور في شؤون وشجون الكرة ، نتذكر أيام الكرة الجميلة ، واللعب البريء .

-الفرق كبير بين اللاعب اليوم واللاعب زمان ، كنا نشتري أحذية اللعبة من مصروفنا ، وكنا نلعب على أرضيات ترابية مليئة بالحصى ، وكنا نتنافس بانتماء وبروح رياضية ، أما اليوم فكل الامكانيات المادية والمنشأت الرياضية متوفرة ، والرواتب كبيرة ، دون توفر الانتماء والوفاء للعبة وللأندية .

-كانت هناك علاقات رياضية وثيقة بين جمعيتي الشبان المسيحية في القدس وبيت ساحور ، وكثيراً ما كان الكابتن الهندي ، والكابتن زبانة يحضران إلى بيت ساحور لتدريبنا في عدة رياضات .

-أذكر في احدى مبارياتنا مع الجمعية على ملعب المطران ، كان أحد اللاعبين يلعب بقسوة وخشونة ، فأصاب عدداً من لاعبينا ، فطلب منه الكابتن جريس المشني - وكان مدرباً ولاعباً - أن يلعب بدون خشونة ، فأصرّ على مواصلة الخشونة ، ليفقد الكابتن جريس أعصابه ، ويشبعه ضرباً ، بعدة ركلات متتالية !

-مرة يا اخ فايز لعبنا عندكم في الخليل على كأس مناسبة ما ، وبعد تسجيلنا الفوز ، رفض الجمهور النتيجة 2/1 فهجموا علينا ، ورشقوا الحافلة بالحجارة ، ولكن رئيس بلدية الخليل ، ورئيس النادي ، والإدارة حضروا في اليوم الثاني إلى نادينا ، وطيبوا خواطرنا بكل شهامة .

-أخيراً ، أشكرك أخ فايز على مجهودك ، لأنك تعيد لنا شريط الذكريات الجميلة ، التي ستخلد للأجيال القادمة ، والشكر موصول لكل وسائل الإعلام الفلسطينية ، آملاً أن يزول هذا الوباء ، ونعود للوطن ، لأنني الآن محشور في الولايات المتحدة .