صَخب "طائفي" في لبنان... هل انتهت صلاحية "الصيغة" التي قامَ عليها؟

بقلم: محمد خروب

تتناسل الازمات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية وخصوصاً السياسية في لبنان, في ظل عجز النُخب السياسية المُمسكة بالمشهد منذ العام 1943، وهو العام الذي استولد فيه زعيما الموارنة والسُّنة.. بشارة الخوري ورياض الصلح النظام الطائفي الحالي, حيث تتوزع كعكة الحُكم ومغانِمه على الطائفتين الكبيرتين (حينذاك), ويُترَك لباقي الطوائف (عددها في لبنان 18 طائفة, بين كُبرى وأُخرى مُتوسطة ديموغرافياً وآخرها ميكروسكوبي),ما يمكن لـ"الكبار" مَنحه لها من وظائف ومراكز وامتيازات.

لا يكاد لبنان يخرج من ازمة او تنجح اطراف مُتحالفة في تبريدها حتى تندلع اخرى اكثر ضراوة وحِدّة في خطابها وارتفاعا في السقف الذي ترومه، على نحو ينسِف ما تبقّى من وشائج مُعيداً الجميع الى المربع الاول.. مُربع صيغة العام 1943 التي لا يختلف كثيرون على انها لم تنجح في تجنيب لبنان الازمات الدورية التي تعصف بها، لكنهم – وهنا لا تستنثي احداً – يرفضون مُغادرة جدران "الصيغة/الميثاق" التي تآكلت وثبت عُقمها، لأن الذين يقتسمون الكعكة اللبنانية المسمومة, يخشون على مصالحهم وأدوارهم التي دونها لن يكون لهم "التأثير" الذي يتوهّمون انهم يتوفرون عليه وإلا لكان اتفاق الطائف (1989) الذي انهى الحرب الاهلية (بصيغتها العسكرية وليس السياسية او الطائفية بالطبع) قد وجد طريقه الى التنفيذ, أقلّه الغاء الطائفية السياسية وتكريس قانون انتخاب عصري يجعل من لبنان دائرة واحدة...وصولا الى دولة مدنية، ما سيُضعِف التوجّهات الانفصالية ودعوات الفدرلة والكونفدرالية والكانتونات, وغيرها من تسميات يبرع اللبنانيون في اشتقاقها.

لكنهم في غالبيّتهم الغالبة سرعان ما يلوذون بالطائفة والمرجعية الدينية وخطاب رجال الدين, الذين يستردّون مواقعهم او يُواصلون الاحتفاظ بها, عندما يدّعون في خطاباتهم داخل الكنيسة كما منابر المساجد, الدفاع عن حقوق الطائفة والخطوط الحمراء التي لا يسمحون بتجاوزها,وخصوصاً حرصهم التذكير بضرورة المُحافظة على "العيش المشترك" الذي بات معظم اللبنانيين ومن مختلف الطوائف على قناعة بانه لم يتوفّر ذات يوم, اللهم إلاّ في سقوط غالبية اللبنانيين تحت خط الفقر وارتفاع معدلات البطالة والانتحار وازدياد جشع النخب السياسية وممارستها العلنية أبشع انواع الفساد وتكريس نظام الزبائنية والنفاق ونهب وهدر المال العام.

جديد الصَخب الطائفي والسياسي الذي لا ينتهي في بلاد الأرز, هو الدعوات التي خرجت خلال عطلة عيد الفطر عن مسؤولين سياسيين ورجال دين, بعضها يَستبطِن بحديثه عن اللامركزية الادارية والمالية الدعوة الى الفيدرالية المُقنّعة (كما وصَفَ البعض دعوة رئيس التيار الوطني الحر/صهر رئيس الجمهورية..جبران باسيل),وغيره تحدّث علانِية عن "انتهاء صلاحية" صيغة بشارة الخوري/رياض الصلح في العام 1943,وهو ما جاء على لسان المُفتي الجعفري احمد قبلان, الذي أكد ان أصل نشأة لبنان "تمّ على اساس طائِفي واستبدادي, بوظيفة خدمة المشروع الاستعماري والإحتكار، وهذه الصيغة – أضاف – قد انتهت, وما قام به بشارة الخوري ورياض الصلح, لم يَعُد يصلح لدولة إنسان ومُواطن، بل ايضا مرحلة انتهت، ليختم خطبة العيد بالدعوة "الى إسقاط الصيغة الطائفية لصالح دولة القانون واللاطائِفة".

للمرء تَخيّل حجم الهجمة مُتعددة الاحزاب والطوائف والتوجّهات السياسية التي تعرّض لها صاحب دعوة اللامركزية (جبران باسيل/الماروني) والآخر الذي نادى بسقوط صيغة الخوري/الصلح (المُفتي احمد قبلان/الشيعي), ما أعاد الجدل وخصوصا المَخاوف وربما (تمنيّات البعض) الى حكاية مجلس تأسيسي جديد يعيد ترتيب موازين القوى "الديموغرافية الجديدة" التي تطمس على توافق ٍ الخوري/الصلح, او الغاء الطائف وغيرها, مما أسهمَت وتُسهِم في تغذية الصراع, وصولاً الى حفر خنادق متقابلة واستدعاء التدخّلات الخارجية, في ظروف اقليمية ودولية عالية التوتر والاحتمالات, بان تُشكل حال لبنان الراهنة فرصة لإسرائيل والولايات المتحدة وحلفائِهما في المنطقة, لإشعال حرب ضروس يتمنّى هؤلاء, ان تُسفِر عن تغيير دراماتيكي في موازين القوى لصالح معسكر تصفية القضية الفلسطينية وتمرير صفقة القرن,بل إعادة المنطقة الى أجواء ومناخات قرن مضى برزت على رأس جدول أعماله..صفقة سايكس/ بيكو.

عن "الرأي" الأردنية