تحذيرات إسرائيلية من خطورة مواجهة دامية بالضفة ودعوات للتقارب بين واشنطن والسلطة

القدس- "القدس" دوت كوم- محمد أبو خضير– دعا تقدير موقف إسرائيلي، الخميس، إلى التمسّك الاستراتيجي بالعلاقات مع السلطة الوطنية الفلسطينية، وعدم الانجرار إلى مواجهة عسكرية فلسطينية إسرائيلية في الضفة الغربية بعد أسبوع من قرار القيادة الفلسطينية وقف التنسيق الأمني والمدني مع الاحتلال.

وشدد التقدير على "التمسّك الاستراتيجي" الراسخ لقيادة السلطة الفلسطينية بالمقاربة السياسية إزاء العلاقات مع إسرائيل والتجنب الجوهري للبديل المتمثل بـالعودة الى "الكفاح المسلّح" الذي بقي مطبقًا حتى عندما لم تُحرز المقاربة السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين أي تقدّم إذ جُمّدت العملية التفاوضية لمدة طويلة بين الطرفين.

ووفق تقدير الموقف الإسرائيلي الذي جاء تحت عنوان "هل يصبح الخطر الوهمي حقيقة هذه المرة؟ الأزمة في العلاقات الإسرائيلية-الفلسطينية وكيفية معالجتها" الذي قدمه الخميس رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز موشيه دايان للأبحاث الشرق الأوسطية والأفريقية مايكل ميلستين والمنسق السابق لأعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية يواف "بولي" مردخاي هناك مخاوف إسرائيلية حقيقية من انزلاق الأمور لمواجهة عسكرية بعد القرار الفلسطيني بوقف التنسيق الأمني والمدني بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.

ودعت الورقة التي حصلت (القدس) على نسخة منها إلى اتخاذ إسرائيل خطوات إضافية من أجل الحفاظ على الاستقرار في الساحة الفلسطينية:

1. الحفاظ بأكبر قدر ممكن على قنوات التنسيق في كافة المجالات، ولا سيما الأمن، والحوار على الصعيد السياسي (حتى لو حصل ذلك سرًا).

2. تزويد الشعب الفلسطيني بمؤشرات عامة على نية إسرائيل بالحفاظ على النسيج المستقر للحياة اليومية في الضفة الغربية.

3. التنسيق الوثيق مع الجهات الفاعلة الدولية والإقليمية، وبخاصةٍ مصر والأردن ودول الخليج العربي.

4. دراسة السبل الممكنة لتعزيز التقارب بين الإدارة الأمريكية والسلطة الفلسطينية. فالطلاق الحالي يطرح تهديدًا للفلسطينيين أيضًا لا سيما من خلال إضعاف أدوات النفوذ والضغوط المحتملة على السلطة.

وحسب الورقة الإسرائيلية، من شأن تطبيق التوصيات أعلاه أن يُكسب إسرائيل على الأرجح بضعة أشهر من الاستقرار المؤقت في الضفة الغربية، لا سيّما في ما يتعلّق بالرأي العام الفلسطيني. ومع ذلك، ستتراجع مع مرور الوقت فعالية مساعي إرساء الاستقرار هذه – وستخسر على الأرجح تأثيرها في حال تطبيق تدابير الضمّ فعليًا في أي من المناطق هناك.

وفي المجال الاقتصادي دعت الورقة الى ضمان تنفيذ العديد من التوصيات الفورية في مقدمتها:

1. ضمان الدعم المالي المنتظم لـ السلطة الفلسطينية (بخاصةٍ أموال المقاصة) حتى لو كان الأمر سيصبح أصعب من ذي قبل بسبب الأزمة السياسية الخطيرة في العلاقات.

2. النظر في إرجاء فرض أي عقوبات في هذا المجال، بغض النظر عن مبرراتها أو شرعيتها على غرار حجز أموال ذوي الاسرى والشهداء، من خلال إيجاد حل قانوني لهذه المسألة.

3. عودة العمال الفلسطينيين السريعة إلى إسرائيل.

4. التشجيع على حشد المساعدة الخارجية للسلطة الفلسطينية.

وجاء في مقدمة الورقة: "تسبّب التصريح الجديد الشديد اللهجة الذي أدلى به رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) والقاضي بإبطال التزامات السلطة بموجب الاتفاقات السياسية الموقعة مع إسرائيل، بما فيها التعاون الأمني، بإثارة قلق كبير في أوساط الإسرائيليين والفلسطينيين على السواء. ويتمثل جوهر هذه المسألة بالتالي: هل سيكون مجرد تهديد آخر يضاف إلى التهديدات الكثيرة التي أُطلقت خلال السنوات الماضية من دون أي نية فعلية لتنفيذها– أو هل سيصبح هذا "الخطر الوهمي" الأخير حقيقة؟

وقال القياديون العسكريون في جيش الاحتلال في الورقة: "ويأتي هذا التهديد الجديد الذي أطلقه أبو مازن – والذي يُعتبر حقيقيًا أكثر من أي وقت مضى ويعكس وضعه الاستراتيجي العويص– بعد عقد من الهدوء النسبي في الضفة الغربية رغم الأزمات الثنائية الخطيرة المتعددة التي اندلعت: ثلاث حروب في غزة (2008- 2014) و"انتفاضة السكاكين" التي بدأت في أواخر عام 2015، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس في عام 2018، إضافةً إلى كشف الرئيس ترامب في كانون الثاني الفائت خطته التي حملت اسم "صفقة القرن". ويركّز هذا التحليل على السلطة الفلسطينية والضفة الغربية، من دون التطرق إلى الوضع المختلف وإنما المقلق أيضًا لحركة "حماس" وغزة إذ سيعالَج الموضوع في إطار نقاش منفصل".

وأكدت الورقة انه خلال الأشهر القليلة الماضية، امتصت مكونات الاستقرار الاستراتيجي الأساسية هذه - التي تعرضت للضعف خلال السنوات القليلة الماضية - صدمات هائلة. وتُعتبر القيود الاقتصادية الأكثر تأثيرًا بعدما كان الاقتصاد حجر الأساس في النظام القائم في الضفة الغربية. فقد تسببت أزمة كورونا بالتراجع الاقتصادي الأكثر حدة في فلسطين (ولا سيما في الضفة الغربية) فيما يقرب من عقدين من الزمن.

وتتجلى هذه الأزمة من خلال عدد من الظواهر المقلقة في الورقة الإسرائيلية التي كتبها عسكريون إسرائيليون، واستندت الى العديد من المرتكزات، من بينها:

بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، توقفت نحو 100 ألف منشأة بشكل شبه كامل عن العمل من أصل 142 ألف منشأة عاملة في الأراضي الفلسطينية من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، ما تسبّب بتفاقم مشكلة البطالة في أوساط الشباب بشكل خاص. وفي الضفة الغربية، تضاعف حاليًا معدل مستوى البطالة وارتفع من 17 إلى 35 في المائة؛ كما سجل زيادة ملحوظة في غزة، ليرتفع من نسبة 45 في المائة العالية أساسًا إلى نسبة أسوأ حتى بلغت 52 في المائة.

وقالت الورقة إن هذه الإحصاءات تعني أنه من أصل نحو مليون فلسطيني ضمن القوى العاملة، انضم الآن نحو 300 ألف إلى العاطلين عن العمل: 200 ألف من القطاع الخاص الفلسطيني و100 ألف كانوا يعملون في إسرائيل. وحتمًا تسبب هذا الأمر بازدياد رقعة الفقر؛ فمنذ بداية أزمة فيروس كورونا ليس إلا، باتت 120 ألف عائلة إضافية تعيش دون خط الفقر الرسمي. وما يزيد الوضع سوءًا هو أن المؤسسات الإنسانية معرّضة للخطر بدورها – ويعزى ذلك جزئيًا إلى الضغوط الإسرائيلية على المصارف الفلسطينية لإغلاق الحسابات التي تحوّل الأموال إلى السجناء الفلسطينيين وعائلاتهم.

واعترف واضعو الورقة ان هذا التراجع الاقتصادي يتزامن مع قيود مدمرة سياسية وأخرى تتعلق بعملية السلام، اتشكّل جزءًا لا يتجزّأ من التزام السلطة الفلسطينية بالتقيد باتفاقاتها المبرمة مع إسرائيل. وفي هذا الإطار، يبرز حاليًا قلق السلطة الكبير حيال خطط الضمّ الإسرائيلية الجديدة في الضفة الغربية والتي من شأنها تغيير الوقائع على الأرض وفرض أمر واقع جديد في هذه المنطقة الفلسطينية المحتلة. وسيكون ذلك بمثابة محاولة لاستغلال انشغال العالم حاليًا بفيروس كورونا، إلى جانب العلاقات الوطيدة جدًا بين الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية الحالية لفرض أمر واقع جديد مرفوض فلسطينياً.

ورجحت الورقة أن تتطور مجموعة من التهديدات: بدءًا بالاشتباكات الناشئة عن جهود الفلسطينيين الرامية إلى منع دخول الإسرائيليين إلى مناطق السلطة الفلسطينية، كما حصل بشكل روتيني لغاية الآن؛ مرورًا بتراجع التحفيز في مكونات الأمن الفلسطينية للتحرك ضد الخلايا التي تخطط لشنّ هجمات على إسرائيل؛ ووصولًا إلى تعزيز المقاومة في أوساط بعض الكوادر الأمنية الفلسطينية (وحركة فتح).

وجاء في الورقة: "إن السلطة الفلسطينية تُدرك أن هذه التطورات قد تؤدي إلى تصعيد خطير، حتى أنها قد تسفر عن انهيار السلطة بذاتها، واعتمدت بالتالي موقفًا حذرًا للغاية في هذا الخصوص. لكن في الوضع الراهن، قد تكون الديناميكيات على الأرض أقوى من حسابات القيادة، إذ ينتج عنها تصعيد حتى لو لم ترغب فيه القيادة أو تخطط له. وتجلّت مؤشرات مبكرة على هذه الخطوة في الآونة الأخيرة في أوساط "التنظيم"، وهي الوحدات التابعة لـ حركة "فتح" وكوادرها العاملة على الأرض.

واعترف واضعو الورقة الإسرائيلية بخطورة المرحلة وقالوا: "نواجه اليوم واقعًا أكثر خطورة مما كان عليه الماضي قد يؤدي إلى تصعيد أشمل سيجد الطرفان صعوبة في السيطرة عليه، وقد يتطوّر على الأرجح ليتخطى خططهما أو رغبتهما أو حتى ليتضارب بشكل مباشرة معها. بعبارات أخرى، لا شكّ هذه المرة أن الخطر حقيقي، سواء بسبب تنفيذ تهديدات السلطة الفلسطينية كليًا أو جزئيًا، أو بسبب ديناميكية التصعيد غير المقصود التي قد تنبثق عن الوضع الراهن في الساحة الفلسطينية.

وختمت الورقة بالقول :"بغض النظر عن المسار السياسي الذي قد يختاره أي طرف –شرط ألا تطبق إسرائيل فعليًا تدابير الضمّ في الضفة الغربية– من المرجح أن تبقى إسرائيل قادرة على الحفاظ على درجة من الهدوء في المنطقة وعلى التمييز بين الأزمات السياسية الحادة والسلوك في الشارع الفلسطيني".