قرية دير القاسي في الجليل.. بيوت جميلة تنتظر عودة أصحابها

جنين– "القدس" دوت كوم- علي سمودي– رغم القتال العنيف والمعارك التي خاضها أبناء قرية " دير القاسي " الواقعة في الجليل الفلسطيني مدعومين بقوات من جيش الإنقاذ العربي، لكنها سقطت بيد العصابات الصهونية بتاريخ 30 من شهر تشرين الأول عام 1948، ومن هنا بدأت رحلة التشرد والمعاناة لأهلها.

وفي اطار حرصه على أرشفة التاريخ الفلسطيني، وفي ذكرى النكبة، أعاد الباحث والكاتب في المجال التاريخي مفيد جلغوم، تسليط الضوء على هذه القرية، إذ تمكن من جمع روايات شفوية من بعض ممن عاشوا طفولتهم الأولى بها، ومنهم والدة زوجته التي ما زالت على قيد الحياة، وهي لاجئة في الشتات.

قرية قديمة

معلم مادة التاريخ في مديرية تربية جنين، مفيد الجلغوم، والذي أصدر عدة مؤلفات في التاريخ الفلسطيني تستند لروايات أصحاب البلاد قبل احتلالها وتشريد سكانها، يوضح أن دير القاسي تبعد عن مدينة عكا 26 كم وهي قرية قديمة، وجد بها آثار كنعانية ورومانية، وإستمر السكن بها خلال القرون الخمسة الأخيرة بلا انقطاع، موضحاً أنه في عام 1569 كان يسكنها 132 نسمة، وفي عام 1800 تقريباً وصل عددهم إلى 200 نسمة، وتزايدوا إلى 1320 نسمة عشية الاحتلال عام 1948، ومن ثم احتلت وهجر سكانها إلى لبنان.

الموقع والأرض

بحسب الموسوعة الفلسطينية تقع دير القاسي الى الشمال الشرقي من مدينة عكا، على مقربة من الحدود اللبنانية، على قمة جبل صخري يصل ارتفاعه الى 675 متر. يحيط بها قرى فسّوطة من الشمال وترشيحا من الجنوب.

ويوثق جلغوم مستنداً لما أورده الباحث وليد الخالدي في كتابه كي لا ننسى(1997) ، إن مساحة أراضي القرية كانت واسعة جداً، حيث بلغت نحو 34011 دونماً، جميعها ملكاً للعرب، لم يبع منها شبر لليهود، موضحاً أنه من هذه المساحة نحو 26 ألف دونم أراضي "بور" أو مكسوة بأشجار البلوط، والباقي أراضي زراعية، زرعت بأشجار التين، والزيتون، والحبوب، والخضروات المروية، والتبغ ، كما ربوا الماعز والنحل.

وكان في القرية بركة لتجميع مياه الأمطار، كان لها دوراً واضحاً في تطور زراعة الخضروات من البعلية إلى المروية.

الطريق الرئيسي

وبالعودة لوقائع التاريخ، يذكر الجلغوم أنه خلال الحرب العالمية الثانية شقت سلطات الإنتداب البريطاني طريقاً رئيسيةً معبدةً بالإسفلت، واتجهت شمالاً حتى الحدود اللبنانية، سمتها القوات الصهيونية بطريق "القاوقجي"، لأنها كانت خط الإمداد الأهم لجيش الإنقاذ العربي في الجليل الأعلى، مشيراً إلى أن هذه الطريق المعبدة أصبحت الشارع الرئيسي في دير القاسي، وبالتالي قسمها إلى قسمين أو حارتين؛ الأولى شرقية وهي أكثر إرتفاعاً، والثانية غربية، وفي كل حارة منهما مسجداً. كما بنوا لهم مدرسة ابتدائية، فيما كان يكمل الطلاب دراستهم في مدن صفد وعكا القريبتين، أو في مدينة القدس، مذكراً أنه كان يوجد بالقرية مقامين؛ الأول باسم أبو جوهر، و الثاني الشيخ أبو حليون.

المباني تقليدية

يبين الباحث جلغوم، أن بيوت القرية بنيت بطريقة بسيطة وتقليدية من الحجر واللبّن، لكن خلال القرن العشرين اتجه السكان لبناء بيوتهم بطريقة أجمل من خلال استخدام الحجر الأبيض الصلب، فبنوا مساكن ريفية في غاية الجمال، تكون بعضها من أكثر من طابق، ويشهد على ذلك عدة بيوت ما زالت قائمة حتى الآن، ومنها بيت مختار الحارة الشرقية السيد عبد المجيد صادق، وكان أحد الشخصيات في المنطقة، ومن كبار ملاك الأراضي بالقرية، ويظهر ثرائه في جمالية البيت الذي شيده بالحجر الأبيض، وزين سقفه برسومات وزخارف ونقوش فنية ملونة تضاهي جمال القصور، وما زالت باقية حتى الأن بعد 72 عاماً على النكبة.

ويذكر أنه بحسب تعداد المساكن، كان بالقرية 169 بيتاً عام 1931، وفي عام النكبة احتوت على 491 بيتاً، مازال قائماً منها حتى الان بيت عبد الله الصادق، وبيت خالد العلكي، وبيت محمد البوليس، وبيت سليم حمادي، وبيت محمود حمادي.

احتلال القرية

يفيد الباحث الجلغوم، أن العصابات الصهيونية شنت هجوماً عسكرياً برياً مدعماً بالقصف الجوي على القرية في 29 تشرين أول عام 1948، من خلال عملية "حيرام" التي هدفت لاحتلال ما تبقى من الجليل، وطرد أكبر قدر من سكانه، وقد نجحت العملية التي قادتها الألوية العسكرية كرميلي وعوديد وجولاني، فتم احتلال القرية في اليوم التالي 30 تشرين الأول، على الرغم من الدفاع الذي أبداه بعض المدافعين المحليين مدعومين بقوات من جيش الإنقاذ.

ويشير الجلغوم إلى أن احتلال القرية نجم عنه تهجير نصف سكانها نحو الحدود اللبنانية القريبة منها.

ويشير إلى ما كتبه المؤرخ الاسرائيلي بني موريس، بأن 700 شخص بقوا في منازلهم، في القرى الثلات المتجاورة دير القاسي، وترشيحا، والبصة، ولكنهم طردوا بعد ذلك بشهرين. حيث تشير الوثائق الإسرائيلية لنقاشٍ داخلي حول عملية الطرد تمت بتاريخ 9 كانون الثاني 1949، بين مؤيدٍ ومعارض لعملية الطرد لأسباب دفاعية وليست إنسانية، حيث رأى فريق منهم أن بقاء بعض العرب في هذه القرى قد يمنع العرب من مهاجمة المستوطنين فيها، خاصة وأنها قريبة جداً من الحدود اللبنانية.

التهويد والاستعمار

بحسب الروايات والمشاهدات التي جمعها الباحث جلغوم، فإن الاحتلال أقام على أراضيها مستعمرتين؛ هما: "ألقوشي" و"نطوعه"، كما أقيمت منشآت أخرى هي "متات" و"أبيريم" على أراضي القرية، واستقدم للسكن فيهما مهاجرين يهود من اليمن والعراق، سكنوا بهما منذ 27 أيار عام 1949، في مبان جديدة خاصة بهم، باستثناء منزلين سكنها مستوطنين.

ويقول جلغوم: "اليوم انهدمت بيوت القرية الطينية، وتحولت إلى ركام، أما البيوت الحجرية فما زالت قائمة، رغم الإهمال وعدم الاعتناء بها"، ويضيف " بل أن كثير من هواة الطبيعة والمصورين يصطحبون أفواجاً من المتنزهين العرب لزيارة أطلال القرية، وينشروا منها صوراً تحكي قصة قرية جميلة ووادعة، كانت تعبق بحياة نشطة، ومكانة مرموقة في محيطها، إلى أن جاءها غرباء أوقفوا عجلة الزمن بها منذ عام النكبة حتى الان".

عائلات القرية

سكن القرية عائلات متعددة، وهي حسب الترتيب الهجائي: أورفلي، بقاعي، حمادي، حمود، حوراني، خشان، الخطيب، الزللي، الساعي، صادق، طه، ظاهر، عثمان، عنيس، عودة، كساب، مكية، ملك، معروف، ناصر، صبحة، الحاج، درويش، شولي.

من الذاكرة

اللاجئة نورا الظاهر " أم علي السيد"، (78 عاماً) وهي من مواليد دير القاسي، وتقيم الآن في الأردن، تستذكر بعضاً من ذكريات طفولتها في قريتها دير القاسي، التي ولدت بها بداية أربعينيات القرن الماضي، فتقول: أن أكثر ما بقي في ذاكرتي هو بركة تجميع مياه الأمطار، حيث كانت قريبة من بيوتنا، وكان حجمها كبيراً، استخدم مياهها أهالي القرية لري مزروعاتهم"، وتضيف " كان الناس يزرعون الزيتون والحبوب، وبعض البقوليات، لكنهم تحولوا لزراعة التبغ بشكل كبير، فكانت أغلب أراضيهم تزرع بالتبغ، ويعمل بقطف أوراقة كل أفراد العائلة، فيما يذهب بالمحصول إلى مدن عكا وحيفا وصفد لفرمه آلياً، وبيعه. وقد استفاد أهالي القرية من ناتج عملهم بزراعة التبغ الذي كان يدر عليهم مداخيل نقدية مهمة، استثمروها ببناء بيوت جميلة وواسعة من الحجر".

أمل العودة

وتعتبر اللاجئة أم على واحدة من مئآت اللاجئين الذين تركوا قريتهم واتجهوا إلى الشمال هرباً من بطش القوات الصهيونية، فعاشت سنين طويلة من عمرها لاجئة في مخيمات لبنان، واليوم تسكن في الأردن، وما زالت تتذكر أيام طفولتها الهانئة في مسقط رأسها، وتعلن عن حنينها الدائم لقريتها الجميلة، وتقول " لن تفارقني صورها وحياتنا الأجمل في رحابها وخيراتها، ومهما مر الزمن، لن أنساها، فالحنين يكبر ويزداد، وأملنا بالله كبير أن نعود يوماً ويجتمع شملنا من جديد ".