كردلة.. عروس الأغوار تخنقها سياسات الاحتلال وتستغيث لإسنادها وتطويرها

جنين- "القدس" دوت كوم- علي سمودي– في الجهة الشمالية الشرقية من الأغوار، تقع "عروس الأغوار" قرية كردلة التي تتبع لمحافظة طوباس وتبعد عنها 3 كيلو مترات، فيما تبعد عن محافظة جنين 22 كيلو متراً، ويحدها من الغرب بردلا، وعين البيضاء من الشرق.

وبحسب رئيس المجلس غسان فقها، يبلغ عدد سكانها 500 نسمة، نسبة قليلة منهم لاجئون ممن شردتهم العصابات الصهيونية في نكبة عام 1948، وتتميز القرية بالروابط الوطيدة والعلاقة المتينة التي تجمع الأهالي الذين يخوضون معركة الصمود والثبات في مواجهة الاحتلال وسياسات التطهير العنصري.

ويقول فقها لـ"القدس": منذ احتلالها وبسقوطها في نكسة حزيران عام 1967، أصبحت ترزح تحت نير قوانينه وقيوده وإجراءاته التي حولت حياة سكانها لمسلسل رهيب من المعاناة، ابتداء بتنصيف معظم أراضيها كمناطق عسكرية والسيطرة على المراعي وإغلاقها ومنع البناء، مروراً بنقص المياه وشحتها بالرغم من وقوعها على حوض مياه كبير يعد ثاني اكبر حوض في فلسطين.

ويضيف: "وليس انتهاءً بمصادرة أراضيها، فكل يوم يبتدع الاحتلال أساليب وسياسات ترمي لطرد الأهالي وتهجيرهم وتفريغ المنطقة من أهلها الصامدين، بالرغم مما تتعرض له من إهمال وتهميش على الصعيد الفلسطيني".

يوضح فقها لـ"القدس" أنّ الزراعة والثروة الحيوانية المصدر الرئيسي لمعيشة الأهالي الذين يعمل قسم منهم في الوظائف الحكومية، وقسمٌ عُمّال في الداخل، مبيناً أنّ المزراعين ونتيجة الخبرة والظروف يركزون على الزراعة النباتية، ويعتمدون بالدرجة الأُولى على الزراعة بأنواعها الثلاثة: المحمية والمكشوفة والأشجار المثمرة التي يبدأ موسمها منذ بداية تشرين الأول، وينتهي في أواخر نيسان، حيث يُسوّقون محاصيلهم في أسواق مدن الضفة الغربية، ويُصدّرون جزءاً منها إلى الداخل الفلسطيني.

ويبيّن فقها أنّ القرية تشتهر بزراعة "الجوافة"، وهناك توجُّهٌ كبيرٌ لزراعة الأراضي في كردلة بأشجار الزيتون لتعزيز الصمود والمحافظة على الأرض ضد الاحتلال، إضافةً إلى زراعة اللوزيات والعنب، وجميعها أصبحت من الأساسيات، وكذلك يستخدمون البيوت البلاستيكية التي تُعدّ ناجحةً جداً في القرية التي أصبحت مشهورةً بزراعة الخيار، وتحديداً "الصغير" الذي يُستخدم في المخللات، كونه ينضج خلال عشرين يوماً، وسعره مناسب وثابت،

ويقوم المزارعون بتوريده للمصانع، وكذلك الباذنجان وكافة أنواع الخضروات التي تنتج بكفاءة وطريقة معينة للحفاظ عليها وتسويقها.

ومن أهم الإنجازات في كردلة توفير بيوت تعبئة مشتركة مع قرية "عين البيضا"، يتم من خلالها تسويق المنتجات أو حفظها في الثلاجات حسب ظروف العمل، وبعدها يتم تسويقها إلى الداخل أو الضفة الغربية.

الاحتلال والزراعة

وبينما انتعش اقتصاد القرية بسبب هذه العوامل، ذكر فقها أنّ قيام الاحتلال بإغلاق المعابر وفرض إجراءات تعسفية، منها منع توفير احتياجات المزارعين وإدخال متطلبات الزراعة من أدويةٍ وأسمدةٍ بذرائع أمنية، وبحجة استخدامها في صناعة الصواريخ، أثّر على تطوُّر القطاع الزراعي في القرية والوضع المعيشي للأهالي والاقتصادي بشكلٍ عام، من دون أن تتحرك كافة الجهات المعنية لدعم المزارعين وإنقاذهم، ووضع خطط وبرامج لإفشال سياسات الاحتلال التي ترمي لتدمير القطاع الزراعي.

الاحتلال العائق الأهم

تُعدّ سياسات الاحتلال من أهم المشاكل التي يعانيها المزارعون في قرية كردلة، ويقول فقها: "الاحتلال يُصنف معظم الأراضي المحيطة بالقرية بأنها مناطق عسكرية مغلقة، ويحظر على الفلسطينيين الوجود فيها أو الاقتراب منها، فأصبحت مناطق رعي الماشي محدودة".

ويضيف: "من المشاكل الخطيرة تعمُّد الاحتلال إغلاق معبر مدينة بيسان المؤدي إلى الداخل، ويبعد عن كردلة نحو كيلومترين فقط، ما يُعيق تصدير منتوجاتهم الزراعية".

ويتابع: "في حال أراد المزارع تصدير محصوله الزراعي إلى مدينة بيسان، يضطر للتوجه إلى معبر الجلمة غرب جنين، الذي يبعد عن القرية نحو 70 كيلومتراً، وهذا يستغرق وقتاً طويلاً، ما يؤدي إلى تضرُّر المحاصيل وفساد بعضها، حيث لا تصل طازجة، ما يُسبب انخفاض سعرها وقيمتها وخسارة المزارع أرباحه".

ويقول فقها: "هذه العملية تُشكل عبئاً شاقاً على المزاعين من ناحية النقل والكفاءة، وتُكلفنا مصاريف نقل إضافية، إلى جانب تلف قسمٍ من المنتجات التي يدفع ثمنها المزارع، إضافة إلى أنّ عدم توفُّر نظامٍ للبيع والتسويق في الداخل يُرغم المزارع على بيع محاصيل بالصناديق لتتضاعف الخسارة".

معاناة المياه

على الرغم من وقوع كردلة على حوض مياه كبير يُعدّ ثاني أكبر حوضٍ في فلسطين، فإنها تعاني من نقصٍ كبيرٍ في المياه، والسبب كما يوضح رئيس المجلس، سيطرة الاحتلال بشكلٍ كاملٍ على مصادر المياه، وبينما يمنع المجلس القروي من حفر الآبار لاستخراج المياه، فانه يسرق نحو ألفَي كوب مكعب من المياه لمصلحة مستوطناته المنتشرة في الأغوار الشمالية وثكناته العسكرية، فيما يحرم أهالي القرية من الحصول على حصتهم الكاملة من المياه.

ويقول فقها: "الاحتلال منح السيطرة المطلقة على مصادر المياه لشركة "مكوروت" الإسرائيلية التي تنفذ سياساته التي تدمر القطاع الزراعي، فغالبية المحاصيل من بطيخ وشمام والبطاطا والخيار البلدي، على سبيل المثال، تحتاج لمياه غزيرة، وقد تراجعت زراعتها حالياً بسبب الكميات الضيئلة التي يحصل عليها الأهالي والمزارعون".

ويضيف: "من المشاكل التي نعاني منها صعوبة الحصول على استرداد الضريبة وعدم انتظامها، وأحياناً ننتظر عاماً أو عامين أو فترات طويلة، ما يؤدي إلى عدم التطور والتقدم ومواكبة الحداثة في الزراعة".

ويُتابع: "أدى تحكُّم الاحتلال في المعابر والسيطرة عليها وفرض القيود إلى صعوبة تسويق المحاصيل إلى الخارج، على رغم الجاهزية والاستعداد الكاملين لدينا".

ممنوعات لا تنتهي

يفرض الاحتلال على أهالي قرية كردلة قائمةً طويلةً من الممنوعات تؤثر على حياتهم وتحرمهم أبسط حقوقهم.

ويقول فقها: تصنيف القرية حسب اتفاقية أوسلو كمنطقة "ج" حرمها من التقدم والازدهار وتنفيذ مشاريع بنية تحية، ومن وجود مخطط هيكلي، فالمستوطنات تتوسع وتتطور، فيما البناء ممنوع من الاحتلال الذي وجّه إخطارات هدم للكثير من المنشآت والمنازل، وحتى اليوم فإنّ الأهالي محرومون من البناء وإضافة أي منزل جدبد فيها".

ويضيف: "المراعي تقع في منطقة جبلية، ومعظمها أُعلنت مناطق عسكرية، والمناطق المتبقية تخضع لتعليمات الاحتلال، فلا يسمح بدخولها والرعي فيها إلا بمواعيد محددة، ويحظر دخولها خلال التدريبات العسكرية، وأحياناً يتم تبليغ الأهالي بوجود مناورات وتدريبات، ويمنعوننا من التواجد في المنطقة حتى تنتهي".

ويُتابع: "الاحتلال صادر 11 ألف دونم من أراضي القرية الزراعية، وحوّلها لاستخدامات هندسية، وتم إنشاء خزان مياه كبير تابع لشركة "ميكوروت" الإسرائيلية، يستفيد منه بشكلٍ كبيرٍ سكان مستوطنة "ميخولا" التي تبعد عن القرية 4 كيلومترات، وبنسبة محدودة أهالي القرية".

وأشار فقها إلى تأثير جدار الفصل العنصري الذي يبعد 3 كيلومترات عن القرية على الأهالي وحياتهم ومزروعاتهم، موضحاً أن الاحتلال، وعبر الجدار، ينشر الخنازير البرية التي تثير الرعب لدى المواطنين وتهاجم المحاصيل وتدمر المزروعات.

احتياجات القرية

يوضح فقها أنّ القرية بحاجةٍ ماسةٍ لبناء مدرسةٍ كاملةٍ تُغطي وتلبي كافة المراحل، وتُخفف العبء عن الطلاب، كما تحتاج إلى عيادةٍ رسميةٍ وطاقمٍ طبيٍّ ومختبرٍ لتلبية احتياجات المواطنين الصحية، وفي الوقت نفسه فإنّ القرية بحاجةٍ إلى تعبيد وتأهيل شوارع داخلية، وإقرار مخطط هيكلي ليستطيع المجلس الحصول على الدعم والتمويل لتنفيذ هذه المشاريع بصورة سريعة.

ويذكر فقها أنّ هناك حاجةً ماسةً لمشروع خطوط مياه ناقلة جديدة، لأن الحالية قديمة وتالفة وعمرها أكثر من 25 عاماً، إضافةً إلى تأهيل شبكات الكهرباء، وزيادة القدرة لتغطية احتياجات السكان وتجديد الإنارات.

ويطالب فقها بدعم قرار الأهالي بالصمود والحفاظ على أرض الأجداد والآباء، وحمايتها من سياسات الاحتلال، ويقول: "لا يوجد أدنى اهتمامٍ بالقرية، ويجب أن يكون هناك تحرُّكٌ لدعمنا ومؤازرتنا ومساعدتنا لتعزيز الصمود والبقاء".

ويضيف: "نطالب الحكومة وكافة المؤسسات والهيئات بتوجيه الأضواء على القرية، وزيارتها، وإثارة أوضاعها، والتسريع بإقامة مشاريع تنموية وتطويرية لدعم الزراعة وكافة القطاعات، لنعيش حياة كريمة وحرة في ربوع أرضنا المهددة بالنهب والسلب والتهويد".