حزنٌ ووجعٌ ومعاناةٌ لا تتوقف، الحرية ولمّ الشمل أُمنيات أهالي الأسرى المتجددة بالعيد

جنين– "القدس" دوت كوم- علي سمودي– خلف قضبان سجون الاحتلال الإسرائيلي يستقبل الأسرى أيام العيد، وسط حزن ووجع عائلاتهم التي تتمنى حريتهم ومشاركتهم لحظات الفرح، لكن هذا العام يبدو الوجع أكثر في ظل الخشية على الأسرى مع تفشي فيروس كورونا المستجد.

في العيد تتفتح مواجع عائلة الأسير مراد أبو الرب

في العيد تتفتح الجراح وعائلة الأسير مراد محمد رضا أبو الرب المعتقل منذ 31 آب 2006، تشعر بالحزن والألم على فراقه القسري وظلم الاحتلال الذي تسرق سجونه أعمار الأسرى وزهرة شبابهم، وفق ما يؤكده والده في حديث لـ"القدس"، الذي يشير إلى أن مراد حُرم من فرحة العيد بين أسرته، فهو يقضي العيد الـ27، بعيداً عن أسرته التي تتمنى حريته وخلاصه من المعاناة المريرة.

وعلى رغم اجتماع الأبناء والأحفاد حول عائلته، فإن والده يؤكد أن "لا طعم أو معنى لكل المناسبات، والألم مضاعف اليوم، بعدما منع الاحتلال الزيارات، في ظل الخوف من تفشي فيروس كورونا وسياسات الاحتلال التي حرمت الأسرى من كل تدابير الوقاية والسلامة".

ويتساءل الوالد المكلوم: "من أين تأتي فرحة العيد وحياة الأسرى مهددة بالخطر؟".

ويقول: "قضينا حياتنا على بوابات السجون بصبر، لم ولن نفقد الأمل، فما يصبرنا صموده ومعنوياته وإيمانه الكبير أن فجر الحرية اقترب، لكن لن يكون في حياتنا عيد ما دمنا محرومين منه، يؤلمنا كثيراً غيابه الذي أثر على حياتنا، خاصة أنه الوحيد بمنزلنا لأن باقي إخوانه خارج الوطن، ولكن نصلي ونتضرع دومًا لرب العالمين ليكون بيننا في العيد القادم".

مراد المثقف والمناضل

ينحدر الأسير مراد من قرية جلبون شرق جنين، عاش وتربى وتعلم في القرية حتى حقق النجاح في الثانوية العامة، وأكمل دراسته في جامعة النجاح الوطنية وتخرج وحصل على شهادة البكالوريوس تخصص الفنون الجميلة.

يقول والده: "منذ صغره، تمتع مراد بروح وطنية ونضالية عالية، يعشق وطنه وغيور عليه، انتسب لصفوف حركة فتح، وخلال دراسته الجامعية برز دوره النضالي في الجامعة، ثم شارك في انتفاضة الأقصى، وأصبح مطارداً لمدة 3 سنوات، لدوره في كتائب شهداء الأقصى الذراع العسكرية لحركة فتح، منذ تأسيسها، وبسبب حملات الدهم والملاحقة والاستهداف، اضطر للتنقل بين عدة أماكن حتى لا يتمكن الاحتلال من اعتقاله".

اعتقلت قوات الاحتلال مراد أبو الرب في عملية خاصة، وبعدما أخضعه الاحتلال للتحقيق حوكم بالسجن المؤبد 4 مرات، لكنه صمد وأكمل حياته ودراسته حتى حصل على شهادة الماجستير في العلوم السياسة ودبلوم في الاقتصاد، وحالياً يشرف على تدريس الأسرى الطلبة في جامعة القدس المفتوحة في رسالة تحدي كبيرة للاحتلال وسياته.

زينة العيد بصور الشيخ الأسير جمال أبو الهيجاء

مع حلول العيد، زينت الأسيرة المحررة أسماء أبو الهيجاء، جدران منزلها بمخيم جنين، بصور زوجها الأسير الشيخ جمال عبد السلام أبو الهيجاء المحكوم بالسجن المؤبد 9 مرات إضافة لـ80 عاماً، وتزين الجدران كذلك صور نجلها الشهيد حمزة.

وتقول أسماء أبو الهيجا لـ"القدس": "منذ زواجنا لم تدخل الفرحة حياتنا بسبب استهداف الاحتلال للشيخ جمال الذي قضى حياته مطارداً وجريحاً وأسيراً، وازداد الألم بمرور السنوات وأبنائي واحداً تلو الآخر يغيبهم الاحتلال في سجونه".

بالنسبة لأسماء أبو الهيجا، لا وجود للعيد في حياتها، وتقول: "في إحدى السنوات، كنت وزوجي وأبنائي في وقت واحد موزرعين بين السجون وسط ظلم وعقاب وانتقام الاحتلال الذي تسبب ببتر يد زوجي خلال ملاحقته في انتفاضة الأقصى إثر إصابته بعيار ناري".

منذ أكثر من 20 عاماً، لم يجتمع شمل عائلة الشيخ جمال أبو الهيجا كأسرة كاملة في رمضان أو أعياد ومناسبات، فالاحتلال للعائلة بالمرصاد، ينغص عليها حياتها ويتفنن في جرائمه التي طاولت ابنها الشهيد حمزة الذي طاردوه خلال انتفاضة الأقصى حتى استشهد خلال اشتباك مسلح في مخيم جنين عام 2013.

عائلة لم يتكرها الاحتلال تهنأ بعيدها

يستقبل الأسير الشيخ جمال عيده الـ33 خلف قضبان سجون الاحتلال، ولم تعرف العائلة لسنوات سوى المرارة والعذاب والمعاناة المتجددة والمستمرة ، فالاحتلال لم يترك العائلة تعيش حياة طبيعية، ولم يكتفِ الاحتلال بحكم الشيخ جمال، ليتكرر اعتقال أبنائه مرات عديدة حتى أصبحت العائلة تتمنى العيش يوماً كباقي الناس، توضح زوجته أسماء.

حتى خلال زواج ابنتها البكر وأبنائها، فقد لازم أسماء وأُسرتها الوجع، وتقول: "بكيت لعدم حضور والدهم، الذي أصبح له أحفاد لا يعرفونه إلا من خلال الصور، وحتى الأحفاد أنفسه معاقبون بالمنع الأمني".

العيد الجديد كما تصفه أسماء، فيه الكوابيس المروعة لقلقها والعائلة على حياة الأسرى بسبب فيروس كورونا، "لكننا متوكلون على رب العالمين، ليحميهم ويمنحنا المزيد من القوة والصبر، حتى نعيش فرحة العيد الحقيقي يوم حريتهم التي نتمنى أن تكون قريبة".

الحاج علي الصفوري ..المحب الحنون في سجون الاحتلال

لا تختلف مشاهد ومشاعر العيد، في منزل وحياة عائلة الأسير الحاج علي سليمان سعيد السعدي "الصفوري"، المحكوم بالسجن المؤبد 5 مرات، وعائلته تفتقده دومًا، خاصة في المناسبات السعيدة والأعياد، فقد كان حنوناً ومحباً لعائلته، صاحب قلب طيب وكبير، وحتى في السجن ، يهتم ويرعى الأسرى ويسعى لخدمتهم ومساعدتهم دوماً، توضح زوجته "أم محمد"، في حديث لـ"القدس".

تأمل "أم محمد" أن يكون العيد الجديد هذا العام، عنواناً لحرية زوجها وكل الأسرى والخلاص من الاحتلال وسجونه، وأن يكرمها رب العالمين بالصبر حتى تفرح وعائلتها من أعماقهم، ولا يفترق شملهم من جديد للأبد.

تقول "أم محمد": إن هذا العيد هو الـ35، الذي تعيشه العائلة محرومة من الحاج علي، الذي كبر أطفاله وبناته في غيابه، وعاشوا حياتهم على بوابات السجون، فكبروا وتخرج بعضهم من الجامعات وتزوجوا ورزقوا بالأبناء الذين لا يعرفون جدهم إلا من خلال الصور.

محطات نضالية في حياة الحاج علي الصفوري

في مخيم جنين وُلد وعاش وتربى الحاج علي الصفوري، تزوج وتغرب في السعودية، ثم عاد للوطن، وعندما اندلعت انتفاضة الأقصى، أصبح مطلوباً لدوره النضالي في سرايا القدس، الذراع العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي.

تقول زوجته "أم محمد": "رغم حبه لعائلته وأطفاله، فإن حب الوطن كان أكبر من كل شيء في حياة الحاج علي، الذي لبى نداء الأقصى، وانضم لحركة الجهاد الإسلامي ثم سرايا القدس، ولدوره ونشاطه الكبير أدرجه الاحتلال ضمن قائمة المطلوبين".

شارك الحاج علي الصفوري في مقاومة الاحتلال، فاشتدت ملاحقته وتكررت عمليات الدهم لمنزله، والتهديد باغتياله، لكنه استمر وشارك بمعركة مخيم جنين عام 2002، حتى اعتقل في اليوم الأخير من معركة نيسان.

بعد رحلة تعذيب قاسية، حوكم الحاج علي بالسجن المؤبد، لكنه صمد ولم تنل سجون الاحتلال من عزيمته، وعاشت العائلة الكثير من المحطات الصعبة والقاسية، وفق زوجته، التي تقول: "لكن برعاية رب العالمين ودعم زوجي الذي كان يرفع معنوياتي ويسلّحَني بالعزيمة والإرادة في كل زيارة، صبرت وأكملت المشوار".

أمل "أم محمد" بلم الشمل رغم الألم

رغم مرور السنوات، فإن الزوجة الوفية والصابرة "أم محمد"، لم تفقد الأمل باجتماع الشمل، وتتمنى أن تهل بشائر الفرح بحرية زوجها وكل الأسرى، لتعود السعادة وأجواء الأعياد لحياتهم ومنزلهم، "فقد طالت الغيبة، والكل ينتظر اللحظة التي تتحطم فيها القيود ونكمل مشوار العمر معاً".

هذا العام، العيد صعب على العائلة، تقول "أم محمد": "حتى الزيارات توقفت، ولا توجد اتصالات وأخبار من سجون الاحتلال منذ انتشار فيروس كورونا، وكل لحظة نفكر بحياة زوجي والأسرى أمام هذه المحنة وممارسات الاحتلال الذي ما زال يمارس سياسة القتل البطيء بحقهم، في هذه الأيام المباركة، سلاحنا الوحيد الصبر والصلاة والدعاء لرب العالمين ليكرمنا بحلاوة اللقاء وعيد الحرية الذي مهما تأخر فإننا نراه قريباً".