والدة الأسير أشرف علاونة.. منذ 33 عاماً وهي تُقبّلُ صوَرَهُ وتُعايده على طريقتها الخاصة

جنين– "القدس"- علي سمودي- زينت المواطنة افتخار علاونة صُور نجلها الأسير أشرف حسني محمد علاونة (42 عاماً) بالورود، ووزعتها في كافة أرجاء منزلها في بلدة جبع، جنوبيّ جنين، بمناسبة عيد الفطر السعيد، لتخفف ألمها وحزنها الكبير بحلول العيد، وهي محرومة من زيارته بعدما أُلغيت زيارات السجون منذ جائحة كورونا.

وتقول الأُم: "الاحتلال يصادر حرية وحياة وأعياد أبنائنا، وكورونا تشاركه في حرماننا من زيارتهم التي ننتظرها على أحر من الجمر، فلا شيء يوقف دموعي ويزيل أحزاني سوى رؤية اطلالته الجميلة التي تكسر القضبان وتزرع في قلبي الأمل. هذا هو العيد الـ 33 الذي يستقبله أشرف خلف قضبان الاحتلال، حيث قضى حتى الآن 17 عاماً ، ففي العيد تكبر معاناتي من شدة شوقي لحبيب عمري ولا أعرف على من أبكي، على ابني الذي قُيد كعصفور داخل سجن الإحتلال مع السجان، أم على زوجي الذي قيده المرض وتوفي قبل ان يتحقق حلمه بعناقه والفرح بعودته وزفافه، لكن وبالرغم من ذلك، نصلي لرب العالمين ليحمي كل أسرانا الذين نعيش على أمل حريتهم وعودتهم إلى أحضان أحبتهم، وعيدنا الحقيقي سيكون بهدم السجون واجتماع الشمل، لنشطب من ذاكرتنا وحياتنا كل محطات العذاب التي عشناها في غيابهم عنا، خاصةً في المناسبات، وفي مقدمتها رمضان والأعياد".

الصمود والبكاء

تُخيّم أجواء الحزن في منزل عائلة الأسير محمد على مدار أيام شهر رمضان والعيد، فلا توجد تحضيرات أو زينة، ولا تتوقف دموع الوالدة أم محمد وهي تستعيد كل صور الذكريات، خاصةً اليوم الأسود الذي اعتقل الاحتلال فيه أشرف، وتقول: "كل لحظة عشتها محرومة من مهجة قلبي تساوي مليون سنة من الحسرة والمرارة بكل صورها، وبالرغم من صموده واعتزازي ببطولاته، أبكي وأنهار كلما تذكرت تفاصيل اليوم الحزين عندما انتزعوه من فراشه وهو نائم، وما زال مُغيّباً عني".

وتضيف: "لديّ عشرة أبناء وبنات وأحفاد، لكن لا يمكن لاأد أن يسد مكانه أو يعوضني عنه، في غالبية الليالي لا أنام من شدة التفكير به والقلق على وضعه في سجون الموت والظلم، خاصة بعد تفشي فيروس كورونا، فحياة كل الأسرى في خطر، والاحتلال يتحدى كل قرارات العالم ويرفض الإفراج عنهم، بالرغم من أن سجونه سرقت سنوات كبيرة من أعمارهم، لكن لن أتخلى عن حلمي برؤيته قريباً عائداً ومنتصراً على السجن والسجان، وأتمنى أن يكون ذلك في العيد المقبل".

الأسير في سطور

يعتبر الأسير أشرف الثالث في عائلته المكونة من 10 أنفار، ولد في 30-7-1978، وعاش وتربى وتعلم في جبع، وخلال دراسته التحق بصفوف حركة "فتح"، وشارك في مقاومة الاحتلال، وبالرغم من نجاحه في الثانوية العامة لم يُكمل دراسته الجامعية بسبب ظروف عائلته، فعمل في مجال البناء في الداخل الفلسطيني.

وتقول والدته: "تحمَّل المسؤولية في ريعان الشباب بعدما ضحى بدراسته من أجل العائلة، ابني عاش حياته باراً وحنوناً ومثالاً للأخلاق والتضحية والشهامة والكرامة والشجاعة، وبالرغم من مسؤولياته وانتظامه في عمله، لم يتأخر عن القيام بواجبه الوطني والمشاركة في الفعاليات الوطنية بشكل سري، ولم نعلم بدوره البطولي في انتفاضة الاقصى إلا بعد اعتقاله".

لحظات لا تُنسى

تروي الوالدة أم محمد أنه في فجر تاريخ 28/ 4/ 2003 اقتحمت قوات الاحتلال منزلها في بلدة جبع، واحتجزت العائلة، وبعد التفتيش انتزعت أشرف واعتقلته واقتادته إلى أقبية التحقيق في سجن الجلمة، وهناك تعرض لصنوف التعذيب على مدار 3 أشهر، وتقول: "عاقبنا الاحتلال وحرمنا من رؤيته، وأخضعه لظروفٍ صعبةٍ في العزل والتحقيق، ومنع الزيارات، وبعد رحلة معاناة بين المحاكم، حوكم أشرف بالسجن الفعلي لمدة 20 عاماً، بتهمة مقاومة الاحتلال والانتماء لحركة "فتح"، مشيرة إلى أنه تعرض للعزل عدة مرات، وفرضت بحقه العديد من العقوبات، وتنقل بين السجون حتى استقر في سجن النقب الصحراوي.

المرض والإهمال

قبل اعتقاله، خضع أشرف لعملية جراحية، وتعرض لمضاعفات خلف القضبان بسبب إهمال علاجه، وتقول الوالدة أم محمد: "المحطة الأصعب خلال اعتقاله هي إهمال علاجه حتى انهار وضعه الصحي، حيث كان قبل اعتقاله يعاني من وجود أكياس مياه على الكبد، وأجرى عملية لازالتها في مشفى رفيديا، وقبل انتهاء فترة العلاج تم اعتقاله، وبسبب ظروف التحقيق والأوضاع غير الإنسانية التي احتجز فيها، ظهرت الأكياس مرة أخرى نتيجة الإهمال الطبي، وأُصيب بمضاعفات، وأصبح يعاني من حصوة في المرارة، ما أدى في محصلته إلى انهيار حالته الصحية وبلوغه مرحلة الخطر، وعندها نقلته إدارة السجون إلى مستشفى مئير في كفار سابا، وهناك خضع لعملية جراحية لإزالة المرارة، لكنه ما زال يتألم ويعاني من الأكياس".

رحيل الوالد

تنهمر دموع الوالدة أم محمد، وتقول: "أكبر كارثة حلّت بحياتنا وأثرت على ابني أشرف هي وفاة والده خلال اعتقاله، ففي 15/ 10/ 2013 تُوفي نتيجة مرض السرطان الذي كان أقعده عن زيارته، فكانت آخر زيارة له في شهر تموز عام 2013. حزن ابني لحرمانه من وداع والده، ودموعي لم تجف بعد رحيل زوجي (أبو محمد)، وبسبب استمرار اعتقال ابني أشرف، فالجراح مازلت تنزف، ونحن نبكي محرومين من أبنائنا، وكلنا أملٌ أن ترتسم الابتسامة على شفاهنا بالإفراج عنه وعن جميع الأسرى.

متى يزورنا العيد؟!

صبيحة اليوم الأول من العيد، تبدأ الوالدة أم محمد طقوس العيد بعناق صور ابنها ومعايدته من خلالها، وتقول: "لم أفرح لحظة منذ اعتقاله، وحتى عندما تزوج أبنائي كنت أبكي، إضافة إلى ذلك فإن الاحتلال يعاقب أبنائي بحرمانهم من زيارة شقيقهم، ولكن بالرغم من معاناته والعقوبات ضده وضد الأسرى في سجون الاحتلال، فإن أشرف تابع دراسته خلف القضبان، وحصل على شهادة الثانوية العامة، وانتسب لجامعة القدس المفتوحة".

وتضيف: "لقد تحدى السجن والسجان بسلاح العلم، ابني فخرٌ لي ولكافة أبناء الشعب الفلسطيني، لكن الغياب مؤلم، ووجعه أكبر في العيد الذي أقضيه حزينة حتى زيارته ورؤيته، فأشعر بالفرحة التي ستبقى منقوصة حتى تتكسر القيود، وأُعانقه وأفرح إلى الأبد".