عيد الفطر وذكرياته في حياة اللاجئة أُم معين الغزاوي: منذ النكبة والاحتلال يُشرّدُ فرحتنا

جنين - "القدس" دوت كوم - علي سمودي - منذ سنوات بعيدة، لم تعرف اللاجئة ليلى محمد خليل الغزاوي، والدة شهيد انتفاضة الحجارة مفيد الغزاوي، طعم العيد وأفراحه، فمنذ شرد الاحتلال عائلتها في النكبة عام 1948، من حي العجمي بمدينة يافا، عاشت مختلف المآسي والويلات في كافة محطات حياتها، وحتى في أيام طفولتها، فالعيد ترتبط ذكرياته بالمعاناة والفقر.

وتقول الغزاوي: "النكبة أثرت على حياتنا كثيراً، بالرغم من كفاح والدي الذي كان يعمل في مِهَن عدة، ليوفر لنا حياة كريمة، إلا أننا عشنا الحرمان والبؤس والشقاء، ولم نعرف طعم الفرح حتى في العيد".

وتضيف: "أول عيد عشته في حياتي، كنتُ طفلةً صغيرةً وسط عائلةٍ كبيرةٍ وفقيرةٍ تعيش في خيمة، لم تتوفر لعائلتنا النقود لشراء الملابس وحلويات العيد، وكانت والدتي ككل الأمهات تُجهز لنا ملابس العيد من الطبقة الأولى في الخيمة، حيث كانت تقص الطبقة الرقيقة وتُحيكها على يديها، وتُحوّلها إلى ملابس لنا، لم يكن أمامنا خيار سوى القبول بها، فلم نكن نملك حتى أبسط مستلزمات الحياة".

النكبة والتشريد

في حي العجمي، أبصرت اللاجئة ليلى النور، وعاشت وسط أُسرتها مع أهالي الحي حياة جميلة كما تصفها، وتقول: "بالرغم من الظروف الصعبة، كانت تتوفر لنا كل مقومات الحياة من خيرات مدينتنا يافا، وتميزت العلاقات بين الناس بالأخوة والمحبة والتكافل، كانت هناك نهضة وتطور وتميز للمدينة، حتى بدأت العصابات الصهيونية تنفيذ المؤامرة التي ما زلنا ندفع ثمنها حتى اليوم، حيث شنت العصابات الصهيونية هجماتها، وارتكبت المجازر التي انتهت بتشريد أهلنا حفاةً عراةً من منازلهم، ومن شدة الرعب والقلق لم يتمكنوا من إخراج أي شيء معهم، وقد انتهى مصير عائلتنا في مدينة غزة".

وتضيف: "بالرغم من صغري ما زلتُ أتذكر حياتنا في يافا، وكل زاوية وشبر في المدينة التي تسكن أعماقي، ومهما مرت السنوات لا يمكن أن ننسى منازلنا وأرضنا، وكلنا ثقة برب العالمين بأننا سنعود يوماً، ونتخلص من الاحتلال الظالم بتحرير أرضنا".

من الذاكرة

في السنوات التي أعقبت نكبة عام 1948، عاش اللاجئون حياة الجحيم والحرمان والمآسي بين فقدان وطنهم ومنازلهم وممتلكاتهم، والفقر المدقع الذي لم تعوضه مساعدات وكالة الغوث الدولية الشحيحة.

وتقول الغزاوي: "تبدد حلم العودة عندما اكتشفت حقيقة ضياع وتسليم فلسطين، فلم يكن أمامنا خيار سوى الاستقرار في غزة، حيث واصل والدي رحلة كفاحه، وصبرنا لنكمل حياتنا، ومما ميز الأوضاع في تلك المحطة، العلاقات الجميلة والوطيدة بين الناس، فعلى الرغم من الفقر، فإننا عشنا ببساطة وتعاون ومحبة، عشنا في الخيام ولم يتوفر لنا سوى القليل، وبعدما كنا نعيش بعزة وكرامة، تحوَّلنا إلى لاجئين، لكننا كبرنا، ولم نتخلَّ لحظةً عن حق العودة".

العيد بعد النكبة

مرت السنوات وتتالت الأعياد في حياة اللاجئة أم معين، التي تروي أنه رغم ظروف الحياة القاسية ، كان للعيد طقوسه وذكرياته الجميلة ، وتقول "كنا نستقبل العيد بفرحة، ونُجهز احتياجاتنا بفضل دَور والدتي التي كانت مدبرة منزل ممتازة ، تتفنن في طهي الطعام وتجهيز الخبز والكعك على البابور، وتتعاون مع نساء الحي. وقبل العيد كنا نتبادل توزيع ما تصنعه كل أم في منزلها مع الجيران ونخصص جزء كبير منه للفقراء والمحتاجين. كانت قلوبنا بيضاء وموحدة وتجسد أجمل صور التكافل والتراحم والمودة".

وتضيف "بعد صلاة العيد، وارتداء الملابس التي تحيكها الأمهات، كنا نرافق والدي في جولته لمعايدة الأهل والجيران، كنا نعيش حياة الفرح بالزيارات، والجميع يتفقد أهله وجيرانه ويشعر بهم. كانت عيدياتنا كصغار عبارة عن حلويات بسيطة وكعك العيد، والمحظوظ يحصل على بعض قروش ليشعر بتميزه في العيد ويشتري بعض الألعاب".

الزواج المبكر

ألقت ظروف الحياة القاسية بظلالها على حياة العائلات اللاجئة التي كانت تحرص على تزويج بناتها في سن صغيرة (بين 13-15 عاماً)، وكان نصيب اللاجئة ليلى الزواج هي الأُخرى في مثل هذه السن، وتقاسمت مع زوجها الأوضاع الصعبة وساندته بعدما رُزقا بالأبناء، وتقول: "حياتنا المليئة بالصعاب كانت تُجبر الأهالي على الموافقة على زواج البنت وارتباطها، بالرغم من كونها قاصراً، وكان هذا قدري، فتحملت المسؤولية ووقفتُ إلى جانب زوجي، وبدأنا بتكوين حياتنا، لكن حياة الفقر لم تتوقف ونغّصت علينا أفراحنا، فلم يكن هناك عمل أو مصدر دخل دائم، ونتحسر عند قدوم العيد لعدم قدرتنا على توفير احتياجاته لأطفالنا، فكنا ننتظر وكالة الغوث حتى توزع التموين على الناس، حتى نستطيع أن نجهز كعك العيد قبل حلوله بيومين، حيث كنا نتجمع ونتعاون في تصنيع المعمول بكافة أصنافه وأشكاله مع حشوه بما يتسير من عجوة، ونرش عليه السكر المطحون، كما كنا نُجهز القهوة لتقديمها مع الحلوى المتواضعة للضيوف، كانت أجواء العيد جميلة بفضل المحبة والألفة بين الناس، التي نتحسر عليها اليوم، حيث تغيرت الأحوال وفي أحيان كثيرة لم الجار يعد يعرف جاره أو يزوره حتى بالويلات".

الهجرة إلى جنين

في ظل هذا الواقع، انتقلت عائلة أم معين في مطلع سبعينيات القرن الماضي الى الضفة الغربية، واستقر الحال بها في مدينة جنين.

وتقول: "عشنا أياماً سوداء بعدما أصبحت لدينا أُسرة دون مصدر دخل، وبعد تعب وبحث توفرت فرصة عمل لزوجي في جنين، فلم نتردد، فحزمنا أمتعتنا واستقرينا فيها وما نزال فيها حتى اليوم".

وتضيف: بفضل العمل، أصبح زوجي قادراً على توفير متطلبات معيشتنا، وتعلمتُ مهنة الخياطة، وعملت بها، وتساعدنا في تربية ورعاية الأبناء الذين كبروا في جنين، وبالرغم من بؤس الحياة بسبب الاحتلال، إلا أننا تأقلمنا مع الواقع ، ومارسنا طقوس العيد التي كانت تتميز بقدرتنا على تجهيز كافة متطلباته وفق إمكاناتنا، وأصبحت أشعر بسعادة، لأن ملابس العيد نشتريها لأطفالنا من المحلات، ولم تغادرني ذكريات الخيام ".

صور مؤلمة

"العيد وجع وجرح نازف لا يتوقف".. وصفت اللاجئة ليلى العيد في هذه الأيام، بعد رحيل رفيق دربها أبو معين واستشهاد ابنها مفيد في كمين للاحتلال الذي طارده منذ بداية انتفاضة الحجارة بأنه "وجع وجرح نازف".

وتقول: "لم تدم تلك الحياة طويلاً، فالاحتلال صادر أفراحنا وسلبنا أعيادنا منذ ملاحقة ابني مفيد، الذي حمل راية النضال وقاوم في أزقة جنين، فاستقبلنا الأعياد بذعر ورعب بسبب تكرار دهم منزلنا والتنكيل بنا وحرماننا من ابني. أعياد عديدة عشتها وسط الدموع والرعب على حياة ابني الذي تعرض للإصابة، ونجا من الموت بأُعجوبة، فكنت أفتقده على كل موائد رمضان وأيام العيد التي تحولت إلى حزن بعدما تمكن الاحتلال من اغتياله".

أوجاع مستمرة

تنهمر دموع اللاجئة أم معين، مع حلول عيد الفطر السعيد الذي تستقبله طريحة الفراش بعدما نالت منها الأمراض، خاصة بعد استشهاد حبيب قلبها مفيد، وتقول: "كلما مر الزمن، تزداد معاناتنا وأوجاعنا المستمرة، خاصة في عيد الفطر السعيد، فكيف لقلبي أن يفرح وأغلى الناس على قلبي غيّبه الاحتلال عني للأبد؟ رغم اعتزازي باستشهاد مفيد في ريعان شبابه إلا أن اعيادنا أصبحت بلا فرح ، حيث تبدأ لحظات العيد الاولى بزيارة ضريحة وتزيينه بالزهور، وقراءة الفاتحة على أرواح الشهداء. طوال العيد، ورغم اجتماع الابناء والبنات والأحفاد حولي، لا أُغادر منزلي، أجلس قبالة صور مفيد أتذكره وأتضرع لله أن يتقبل شهادته، وما يخفف عني صور بطولاته وكونه شهيداً".

وتضيف: "المرض هدّني ودمر حياتي، ورغم صبري، فإن ما يؤلم أن المؤلم أن العلاقات بين الناس تغيرت، ونسي البعض حتى عائلات الشهداء، والمؤسف في هذا الزمان أنه لم يعد يسأل أحد عن جيرانه وحتى عن أهله. في هذه الايام التي نفتقد فيها المعنى الحقيقي للعيد، نتمنى من رب العالمين أن نعود لقيم الاسلام في التكافل والتراحم، وإحياء طقوس وشعائر العيد الحقيقة، لكن أمنيتي الأكبر أن يكرمني رب العالمين بالعمر لأعيش لحظات تحرير فلسطين والعودة لحيفا ويافا".

وتختتم حديثها لـ"القدس" بالقول: "وصيتي لشعبنا ولأحفادي التمسك بأحلام وأهداف الشهداء والأسرى واللاجئين، والوفاء لتضحياتهم حتى يعود الحق إلى أصحابه".