ملهاة الضم

بقلم: عوض عبد الفتاح

ستتحول الخطة الصهيونية الأميركية المعروفة بـ"صفقة القرن"، إلى ملهاة جديدة تضاف إلى ملهاة حل الدولتين، من خلال اختزال ردّ الفعل في ممارسة فولكلورية مألوفة، مثل التنديد والإدانة وتستمر لسنوات أخرى طويلة، كبديل عن الفعل الحقيقي، إلا إذا جرت مراجعة جذرية لمجمل النهج الذي أوصلنا إلى هذا الدرك. ولا نرى حاليًا أي مؤشر لدى الطبقة السياسية الرسمية، يبعث على الاعتقاد بأن هذه المراجعة ستحصل.

هناك من يحب أن يتكهّن بردِّ فعل شعبي عارم على خطوة الضم، بما يتجاوز السلطة، ولكن خطوات عدوانية أخطر بكثير حصلت، وآخرها تلك التي قام بها حليف المستعمر الأكبر، الإدارة الأميركية، بنقل سفارتها إلى القدس، دون أن تهتز الأرض من تحت أقدام هذا المستعمر، والأخطر من كل ذلك هو ما يقوم به المستعمر على الأرض على مدار الساعة. والسبب ليس تقاعس الشعب، بل غياب الإرادة والقرار لدى السلطة الفلسطينية، بل الأدق لأن وظيفة هذه السلطة كما تراها إسرائيل هي جزء من منظومة السيطرة الاستعمارية، المتمثلة في إسكات المقاومة الشعبية الشاملة، والحفاظ على الوضع القائم.

للخطاب السياسي الدور المحوري في النضال، لأنه يشكل الوعي ويُحرّك الإرادة نحو الفعل باتجاه الهدف. واللغة التي استخدمت بالتنديد بقرار إسرائيل بضم غور الأردن، وربما كل الضفة الغربية، رسميًا، توحي بغياب الوعي المستمر بالواقع الحالك القائم في جميع مناطق الضفة الغربية والقدس. فالرد الفلسطيني، يكرر الجمل القديمة نفسها، بأن خطوة الضم إذا ما تمت ستنهي حل الدولتين. ثلاثون عامًا من المفاوضات العبثية، بل المُهينة، لا يبدو أنها كافية لإعادة النظر بكل هذا النهج.

لقد طغت المقولات العامة على الخطاب السياسي والإعلامي، وجرى تصنيم شعار الدولتين، حيث كل خطوة تقوم بها إسرائيل يصاغ الرد عليها بأنها تهدد هذا الحل، لدرجة أن انتهاك حقوق الناس، والمعاناة الشديدة التي يخضع لها الفلسطينيون بسبب الزحف المستمر للمشروع الاستيطاني والفصل، ليست إلا مسائل تفصيلية.

لكن السؤال، هو ماذا لو اضطرت الإدارة الأميركية للتراجع بسبب غضب الأردن، أو لأي سبب آخر يتعلق بحسابات دونالد ترامب الانتخابية، هل ستواصل إغفال ما جرى ويجري على الأرض من ضم فعلي، وتمزيق الضفة وتهويد القدس، والذي لم يبدأ مؤخرًا بل هو متواصل بوتيرة خيالية منذ التوقيع على اتفاقية أوسلو؟ هل ستنزوي، انتظارا لنتائج الانتخابات الأميركية في تشرين الثاني المقبل، أو تعويلاً على حصول تبدل في الخريطة الإسرائيلية للعودة إلى المفاوضات؟

ليست الكارثة الوحيدة في قرار الضم المزمع ترسيمه، أوائل تموز المقبل، ولا في استكمال المشروع الاستعماري على ما تبقى من فلسطين، فالمشروع العدواني منطلق منذ سنين طويلة في وضح النهار. إن الكارثة الأكبر هي تغييب الوعي وتدمير البنية المؤسسية الثقافية التي انتجت الوعي الوطني، وتحديدًا منظمة التحرير الفلسطينية، وكل ما مثلته من قيم تحررية أصيلة، وخطابًا أطّر الصراع منذ البداية كصراع استعماري استيطاني

هذا الانحراف عن الهدف وعن منظومة القيم، التي وجهت كفاح الشعب على طول الطريق، هو الذي مهّد للانقسام الكارثي المستمر، الذي وضع الشعب الفلسطيني بين قطبين رئيسيين، في أتون صراع داخلي، كان ولا يزال خدمة مجانية للمستعمر. وهو الذي سهل ترسيخ الاستعمار.

لقد سالت دماء كثيرة سدىً جراء هذا الشرخ الغائر في الجسم الفلسطيني، السياسي والشعبي، وسكب الحبر الكثير، وكُتبت وثائق لا تُحصى، ضاقت بها مراكز الأبحاث، حول المخرج من هذه المأساة دون جدوى. واحتار الكثيرون إزاء هذه الحالة السريالية التي تتسم بالتبلد وفقدان الحس بالمسؤولية، وإزاء توجيه معظم حروبنا الى داخلنا أكثر مما هي موجهه إلى الذي يحتلنا ويستعمرنا ويتفنن في تعذيب أبناء شعبنا. ولهذا، تكاثرت المبادرات والحراكات التي تنشط خارج إطار هذا الانقسام الممأسس، والتي يمكن البناء عليها كمحور شعبي أصيل يؤسس لطريق ثالث.

يتفق كثيرون من الناقدين لهذه الحالة الفلسطينية، على أن الظرف الدولي والعربي والإسرائيلي، هو من أسوأ الظروف وأخطرها التي مرت بها القضية الفلسطينية، منذ انطلاق الثورة في الستينيات في القرن الماضي. ولا يحمل هؤلاء أي وهم بإمكانية إحداث اختراق في هذا الجدار في المدى المنظور، غير أنه بإمكان توحيد الحركة الوطنية وإعادة بناء مؤسساتها التمثيلية، واستعادة الرواية الفلسطينية والخطاب التحرري الذي يسترد فكرة فلسطين كجغرافية واحدة، وكشعب واحد، كما من شأن ذلك أن يعيد إلينا الحلفاء على مستوى العالم.

لا يجوز أن تكون استعادة الوحدة محكومة بميزان القوى الخارجي، بل بإرادة داخلية. هذا هو الشرط الأولي والأساسي لإحداث التغيير في ميزان القوى. لن يتغير ميزان القوى بالشجب وبالإدانه، بل يتغير من خلال الفعل السياسي الحقيقي، الذي يُخاض على الأرض وفق رؤية واضحة وإستراتيجية محكمة. إن أبسط رد، أولي، وهو استعادة الوحدة الوطنية، لكن هل توجد إرادة لذلك؟

عن "عرب ٤٨"