القــدس بيـــن اعمــدة البيــت العــربي... نظرةٌ شمولية لــواقع مــرّ

بقلم: القاضي فواز ابراهيم نزار عطية

ما بين مُسمى اسرائيل القديمة وتأسيس دولة اسرائيل حديثا في 14/5/1948، برزت عدة اقتراحات من دول اوروبا ممثلة بالمملكة المتحدة "بريطانيا" ومن بعض اليهود لتحديد موقع دولة الوطن القومي لليهود، ضمن ما يسمى دولة اسرائيل أو ارض اسرائيل الجديدة، أولى تلك المقترحات في عام 1820، حيث اقترح مردخاي بن مانويل بن نوح إيجاد وطن يهودي في جزيرة غراند على ضفاف نهر نياجارا الممتدة بين الولايات المتحدة الامريكية وكندا، المعروفة بأرض أو جزيرة "أرارات" نسبة لمكان رسو سفينة نوح عليه السلام حسب الاسطورة اليهودية، ورغم أن هذا الاقتراح مبني على اساس عقائدي، فتم تقديم اقتراح ثان بعد ذلك من بريطانيا في العام 1903 من خلال وزير المستعمرات البريطاني جوزيف تشامبرلين على المنظمة اليهودية وعلى رئيسها تيودور هرتزل، بأن تكون أوغنـــدا الواقعة شرقي القارة الافريقية وطنا بديلا لليهود نتيجة مذبحة اليهود في روسيا، ونتيجة رفض بعض السياسين الاوروبين لمشاركة اليهود في حق تقرير المصير لشعوب اوروبا، لذلك كانت فكرة التخلص منهم ولو على حساب شعوب اخرى، أفضل الحلول لإنشاء كيان لهم يعبرعن قوميتهم ودينهم.

دون التعمق في اسباب الاقتراحات ونتائجها، فمن وجهة نظري المبنية على الجزم واليقين، يعد الاقتراحان من الادلة الصريحة والمباشرة بأن جميع شعوب اوروبا بما في ذلك صناع القرار دون استثناء كرهوا اليهود وتم اعتبارهم عالة مجتمعية على جميع الشعوب الاوروبية، مما دفع ساستهم بأفكار تهدف للتخلص منهم لإعتبارات عديدة لا مجال لذكرها في هذا المقام، الامر الذي جعل من ايجاد وطن بديل تارة في القارة الأمريكية وتارة أخرى في القارة الافريقية، سببا في رفع التبعة القانونية عن الاقلية اليهودية كمواطنين وكشركاء للشعوب الاوروبية في قارتهم، ولمنع تلك الاقلية في تحديد مصير أهل أوروبا، وهذا بحد ذاته دليل آخر على أن اليهود لم يصونوا العِشرة وحسن المعاملة التي تلقوها من الدولة العثمانية خلال مدة حكمها للبلاد العربية والاسلامية لعدة قرون، كما ولم يصونوا ولم يراعوا حقوق الجوار للعرب الذين ساكنوهم وشاركوهم في الماء والطعام في السراء والضراء، ونسوا أن الدولة العثمانية سمحت لهم بالسكن والعمل والبيع والشراء دون قيد أو شرط ،كما وأذنت لهم بأداء طقوس العبادة وفق الشرعة اليهودية في كنسهم في مختلف بقاع الدولة العثمانية بما في ذلك الاقامة في فلسطين وعلى وجه التحديد في القدس.

إن ما نكتبه في هذه المقالة لا ينبع عن كلام انشائي، وإنما واقع سجلات المحكمة الشرعية ابان الدولة العثمانية المحفوظ نسخة منها في المكتبة الوطنية الاسرائيلية التابعة للجامعة العبرية في القدس الغربية، بعدد سجلات تزيد عن 426 سجلا، اصدق إنباءً من أية مقالة أو رأي أو مقترح أو صفقة تُكتب على نقيض لواقع يخالف تلك السجلات، تلك السجلات التي قدر الله عزوجل لي ولزميلي الباحث سعادة القاضي معاذ الطزيز "قدورة" الاطلاع عليها وقراءة محتوياتها لمدة عام ونصف، بجهد وبحث متواصل، من خلال التردد على موقع دائرة احياء التراث التابعة لوزارة الاوقاف الفلسطينية في بلدة ابوديس والمكتبة الوطنية غربي القدس، مما يستدعي في هذا المقام تكذيب ما ورد في وريقات ما يسمى بصفقة القرن الصادرة عن الادارة الامريكية، التي زعم كاتبها أن اسرائيل حافظت على المقدسات في القدس، في الوقت الذي انتهكت مقدسات اليهود سابقا، وهو ما يدعو للأسف في عدم تصدي بعض المسؤولين من العرب والفلسطينين للواقع المزيف في وريقات تلك الصفقة والرد عليها بأدلة تلك السجلات الرسمية التي تفصح عن عدم صدق وحيادية المقترحات في تلك الوريقات.

إذ واقع الاعتداء وتحويل الجوامع أو جزء منها لحانات كما هو الحال في عكا ويافا وغيرها من المدن الفلسطينية شاهد على جرائم مستمرة حتى اليوم، وكذلك اغلاق بعض الجوامع في القدس القديمة كجامع القلعة في منطقة باب الخليل المقابل للاوقاف الذرية لأجدادي كل من الشيخ ابراهيم السافوطي وابن عمه علاء الدين السافوطي من أولاد دبوس والوقف الذري الكبير للامير ناصر الدين بن عمر دبوس، وجامع الحريري وجامع النبي داود وغيرهم من المساجد مغلقة من سلطات الاحتلال بعد احتلال المدينة المقدسة في العام 1967 وما زال يحظر اقامة الصلواة ورفع الاذان فيها، فضلا عن احراق الكنائس من زمرة بعض المستوطنين سواء أكان في اللطرون أو غيرها والاعتداء بالتخريب على بعض الاديرة المسيحية دون محاسبة الفاعلين، واقع أليم زيفته تلك الوريقات، مما نسبت الباطل لأهل الحق، فيما نزعت صفة الحق من أهله وألصقته بأهل الباطل، فالشواهد كثيرة لا يتسع المقام لسردها على مدار 72 سنة من احتلال وبطش وتغيير في المعالم في القدس واكنافها.

لذلك تسلسل الاحداث بعد المقترحين في انشاء وطن بديل لليهود، منذ ما يزيد عن القرن من الزمان، ومحاولة اليهود البائسة في تقديم الرشى للسلاطين العثمانين لتكون فلسطين وطن بديل عن المقترحين، حيث لاقى دعما من بعض زعماء الحركة الصهيونة، كما أوجد بيئة حاضنة لذلك المقترح الثالث مدعما بأفكار عقائدية تحت مسمى أرض الميعاد واعادة بناء مملكة داوود عليه السلام وهيكل سليمان في القدس، رغم أن اليهود لم يوصفوا كما ولم ينسب دينهم للنبي داوود أو النبي سليمان عليهما السلام، وإنما ملتهم تتبع النبي موسى عليه السلام، الذي لم تطئ قدميه أرض فلسطين، كما وأن ادعائهم بحبهم للنبي داود والملك سليمان رغم انكارهم صفة النبي على سليمان، ما هو إلا تحريف وبُعدٌ عن حقيقة الشرعة اليهودية التي لم تنزل في ارض فلسطين، وكأن القدر أراد أن يُكّذب الرواية اليهودية ليوم تظهر فيه وريقات صفقة القرن الممسوخة، كما جدير ذكره أن الشرعة اليهودية جاءت قبل شرعة أنبياء كثر منهم: الياس واليسع و داود وسليمان بقرون، فكيف يستقيم التمسك بشرعة جاءت بعد شرعة موسى ولا ينسبوا لصاحبها كاليسع أو الياس أو يحيى أو حتى المسيح عليهم السلام جميعا.

ما يهمني في هذا المقال، هو أمر في غاية الدقة والاهمية، حيث يعاد لأذهاننا تقسيم المنطقة منذ أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها في العام 1918، وبعد أن انهيت الامبراطورية العثمانية وقُسمت البلاد العربية بين الاستعمار البريطاني والفرنسي والايطالي، وبعد أن نُهبت ثروات البلاد العربية على مدار 100عام مضت من الاستعمار الخاشم وما تزال، يطل علينا مشروع جديد يسير على نهج "سايكس بيكو" تحت مسمى وفكر جديدين لبرنارد لويس إنكليزي الاصل أمريكي الجنسية، وهو من اوائل الداعين إلى مشروع تقسيم وتجزئة البلاد العربية بنهج جديد، وهو تخريب أعمد البيت العربي الاربعة في العصر الحديث: بإنهاء الدول العربية الرئيسة: العراق وسوريا ومصر والسعودية، حيث تم تنفيذ مخطط انهاء الدولة العراقية منذ العام 1990، وتسارعت وتيرة انهاء الكابوس الأول للكيان الصهيوني عام 2003 بإنهاء دولة العراق وتفتيته، حيث تم تغذية الخلاف وزرع اعوان لهم في سبيل استباحة كل حرام بإراقة الدماء واستحياء النساء، كما تم تسريح الجيش العراقي ونهبت خيرات العراق وانتشر البؤس والفساد بصورة لا تطاق، مما زاد من هجرة العراقين لمختلف دول العالم ، نتيجة زراعة الطائفية بين العشيرة الواحدة، كل ذلك لرفض النظام السابق توطين مليون فلسطيني وفق المقترح الذي تبلور في العام 1995، فكانت الدعوات في العام 2003 لانهاء النظام، بينما الواقع هو انهاء الدولة وانهيارها بكامل اجهزتها.

وتم السير على ذات الدرب في سوريا التي تعاني من ويلات حرب وصفت بالأهلية، رغم معظم المقاتلين كانون من الاجانب والمرتزقة وليسوا من اهل سوريا، وسميت بحرب الكرامة والانتفاضة ضد النظام، وما زالت مستمرة منذ سنوات حرقت الاخضر واليابس وحصدت الارواح وشتت اهل سوريا في المهجر، وابتلعت البحار والمحيطات الكبار والصغار، ليس إلا لرفض النظام اقتطاع جزء من اراضيه لتكوين كيان فلسطيني ما بين الرمثا الاردنية ودرعا السورية.

أما دولة المملكة العربية السعودية العمود الثالث للبيت العربي أوجدوا لها حرب استنزاف مع قوات الحوثي الشيعية منذ سنوات والنتيجة لا غالب ولا مغلوب، لاستنزاف طاقة الجيش السعودي، كما خطط لإستنزاف خزانة المال السعودي بشراء معدات وادوات حربية بمظلة اسلحة بالغة التعقيد وبالغة التطور، في الوقت الذي تُزود قوات الحوثي بصواريخ باليستية تستهدف المنشآت الحيوية في المملكة السعودية.

بقي العمود الرابع للبيت العربي مصر الكبيرة، التي اشغلوها بحرب استنزاف في سيناء مع جماعات متشددة يصلها سلاح حديث من الغرب لقتال القوات المصرية، واستنزاف طاقة الجيش المصري من أية محاولة أو حتى التفكير في الاستعداد لمقاتلة الكيان مستقبلا بعد هزيمة الاخير في العام 1973، واضاف الغرب عبء اضافي على العمود الرابع مصر الابية، وهو سد اثيوبيا الذي سيؤثر سلبا على حصة مصر من المياه، مما سيشعل حرب عالمية ثالثة، لأن مصر تعلم علم اليقين أن التلاعب في حصص المياه سيؤثر على اكثر من مئة مليون شخص في ظل محدودية الحصة وتزايد التكاثر، كما وتعلم مصر أن تمويل السد كان بدعم تقني من الكيان الاسرائيلي، وبدعم سخي من الولايات المتحدة، هدفه تركيع مصر واجبارها على عدم التفكير في منازلة اسرائيلي مستقبلا.

إن زعزعة الاعمدة العربية الاربعة سالفة الذكر، والشروع بإنهائها على نهج انهاء دولة العراق والنجاح في تقسيم الاخير إلى دويلات كردية وسنية وشيعية، لا يقل نهجا عن تحقيق باقي الاهداف في تقسيم السعودية إلى كيانات قبلية، ليتم اعادتها إلى حالها قبل وحدتها سنة 1933، كما ويهدف إلى تقسيم مصر إلى دولتين على الأقل: إسلامية وقبطية، وفي النهاية تقسيم سوريا إلى ثلاث دويلات: درزية، وعلوية، وسنية، مع تثبيت جزء من شمال سوريا لنزعه وضمه لتركيا إلى جانب لواء اسكندرون، ليكون ذلك الجزء مصدر احتكاك وعدم استقرار بين الجارتين مستقبلا.

أما الركن الاوسط بين تلك الاعمدة "الاردن"، الذي يُراد من تقسيمه إلى كيانين: الدولة الهاشمية وتمتد إلى شمال السعودية وجزء من الدولة السنية في العراق، وثانيها: دولة فلسطينية (كيان يضم إلى الضفة الغربية، لكي تقوم دولة فلسطين عليها إضافة إلى الضفة الشرقية من البحر الميت)، وهو ما دعت له الادارة الامريكية في صفقتها للكيان الصهيوني بضم اجزاء من الضفة الغربية وغور الاردن لإسرائيل، الامر الذي دفع الملك الاردني حديثا لتوجيه رسالة واضحة للولايات المتحدة وعلى الملئ، بأن اتفاقية السلام على المحك، ولا ننسى موقف الاردن حديثا وخصوصا قبل شهر تقريبا، حيث اصر على اعادة الاراضي التي اجرها للكيان مدة 25 سنة في منطقة الغمر بعد توقيع اتفاقية السلام ابان الملك الراحل الحسين بن طلال في العام 1995، حيث راهن البعض على أن الملك عبد الله لا يقوى على استرداد اراضيه أو الوقوف بوجه عكس التيار، فكان رهانهم خاسر، مما اضطر سكرتير الخارجية الامريكية مايك بومبيو قبل ايام للوصول للكيان رغم ظروف الجائحة وتعطل الطيران العالمي، بالطلب من حكومة اسرائيلي للتريث في تطبيق الضم بعد تصريحات الملك الاردني.

من خلال السياق الوارد اعلاه، نلاحظ أن هدف تفتيت وتخريب الاعمدة العربية الاربعة، يدور في فلك وحيد وأوحد، وهو أن يتم التخلي عن القدس وأهلها، وسحب البساط من الركن الاوسط ليتخلى الاردن عن الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس الشريف، ليكون ذلك التخريب الزاوية الاخيرة في حشر أهل القدس، بسحب حق المواطنة التي حددت لمدة عشر سنوات، إما بطردهم عن طريق عدم تجديد مدة الاقامة، أو بزيادة النشاط الاستيطاني في محور القدس المانع من الامتداد العمراني لأهلها المثقل بالضرائب والتشديد في فرض المخالفات لأي سبب كان، مما سيضطر العديد منهم للتوجه لمناطق السلطة الفلسطينية، التي أُعد لها سيناريو ضمن خطة التقسيم سالفة الذكر – بحيث سيكون مثار بحث في مقالة جديدة إن شاء الله- بهدف عدم اسماع صوت العربي في القدس بشكل خاص، ونشره في البيت العربي ضمن الاعمدة العربية سالفة الذكر وليكون ذلك البيت بعيدا عن الحدث والاحداث في ظل التخريب، مغيبا عن القيمة الروحية للمدينة المقدسة، وليتم رويدا رويدا سلخ الفكر وتعلق الافئدة عن المدينة المقدسة العصية على هذا الاحتلال، بما يصب في النتيجة بمصلحة الكيان الاسرائيلي أولا واخيرا، لضمان بقائه واستمراريته في المنطقة العربية، في الوقت ذاته بعيدا ذلك الكيان عن المجتمعات الاوروبية والغربية، حيث لا يتحقق ذلك إلا بعاملين لا ثالث لهما، الأول: تخريب البيت العربي والثاني بتهجير أهل القدس، حيث لن يتحقق مبتغاهم ما دام قوله تعالى سيد الموقف : ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.