العلاقات الدولية.. ما بعد «كورونا»

بقلم: : محمد خلفان الصوافي

النقاشات هذه الأيام على الساحة السياسية والإعلامية تدور حول مستقبل العلاقات الدولية في فترة ما بعد أزمة «كورونا».

فترة ما بعد هذه «الأزمة» هي مرحلة جديدة في تاريخ العالم ولن تبقى كما كانت قبلها، خاصة في طبيعة العلاقة بين أكبر قوتين في العالم، وهما الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الصين الشعبية، اللتان تتنافسان على النفوذ الدولي، فهل ستكون أكثر تعاوناً، حسب ما ظهرت عليه المؤشرات بين قادة الدول بعد صدمة الأزمة، أو أنها ستشهد الكثير من الشد والجذب.

كما تشير إليه التصريحات المتبادلة بين الطرفين الأمريكي وحلفائه من الدول الغربية - والصين حول دور الأخيرة في الكارثة الإنسانية التي يعيشها العالم.

فجأة انفجر توتر بين الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، والقيادة الصينية من دون جدوى في محاولات تدخل بعض القوى السياسية الدولية للتهدئة من أجل إفساح المجال لتركيز الدول على التعامل مع أزمة «كورونا»، وهو ما بات يهدد تلك الآمال التي ترافقت مع بداية الأزمة وعقدت عليها الكثير من التفاؤل.

لاسيما أن الفترة التي سبقت الأزمة بوقت قصير كان فيها نوع من التوافق في المصالح التجارية والاختلافات فقط في محاولة كل طرف تحقيق أكبر استفادة من الأجواء المفتوحة تجارياً وفق مفهوم «العولمة» الاقتصادية وحرية الاقتصاد، إلا أن هذا الأمر يبدو أنه تغيّر وبدأت لغة التحدي والانتقام هي الأبرز من حديث التعاون.

راهن الكثيرون على أن العلاقة الاقتصادية القائمة على اعتماد الشركات الأمريكية الكبرى على المصانع الصينية وعمالتها الرخيصة يمكن أن تلعب دوراً أساسياً في خلق تفاهم سياسي بين القوتين، يدعمه أن الرئيس الأمريكي يأتي من بيئة اقتصادية تعتمد في تفكيرها السياسي على المدخل الاقتصادي ومفهوم «الصفقة» في كل خطوة يفعلها.

لكن في مرحلة «كورونا» لا يبدو أن العامل الاقتصادي لا يزال يحتفظ بنفس الأهمية وبريقه بعد الأزمة، أو يبدو لنا الأمر كذلك، فاللغة السياسية بين سياسيي القوتين باتت عدائية إلى درجة تذكّرنا بما كان يحدث بين المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة والمعسكر الشرقي أيام الاتحاد السوفييتي، بل إن العداء يصل إلى مسألة إثارة الحلفاء التقليديين للوقوف ضد الصين.

وبدأت لغة المحللين السياسيين ذوي الفكر الغربي تهيّج الرأي العام ضد الصين، في المقابل الصين تقوم بحملة علاقات عامة دولية لمحاولة عدم تشويه صورتها التي بنتها قبل الأزمة وعززتها خلال الأزمة من خلال «دبلوماسية» المساعدات الطبية التي اخترقت بها بعض حلفاء «الناتو» مثل إيطاليا.

حتى وقت قصير كانت هناك وجهتا نظر حول طبيعة التنافس الأمريكي - الصيني وأسبابه على النفوذ الدولي، وإلى أي مدى يمكن أن يصل. وجهة النظر الأولى: أن التنافس بينهما سيتركز حول تقاسم المصالح الاقتصادية وأن الأمر لن يتعدى حفاظ الولايات المتحدة على مراكز نفوذها الاقتصادية التقليدية في العالم.

وأن التنافس يمكن حسمه من خلال خلق آليات تعاونية بينهما، وأنه في ظل المنتج الصيني المشكوك في جودة بعضه فإن الولايات المتحدة يمكنها تحقيق استفادة كبرى في ظل نظام العولمة الاقتصادية.

أما وجهة النظر الثانية: أن طبيعة الخلاف بينهما يختلف كلياً عما كان أيام الاتحاد السوفييتي، والقائم على الخلاف الأيديولوجي، وبالتالي فلن يواجه العالم الخلافات التي كانت أيام المعسكرين، حيث كان لا بد لكل دولة أن تختار معسكراً محدداً وعليه يتم تصنيفه إلى أي طرف يميل، لكن ما يبدو من اللهجة الحالية التي طالت رئيس منظمة الصحة العالمية أن الأمر يشير إلى ارتفاع حدة اللغة السياسية بينهما.

هناك قاعدة تقليدية يُجمع عليها كل دارسي العلاقات الدولية بأن المشاكل السياسية تقل بين الدول كلما كانت العلاقات الاقتصادية أكبر، وأن العلاقات تتعمّق بوجود المصالح وتحديداً المصلحة الاقتصادية، بل أحد الاتهامات لضعف التعاون العربي هو ضعف التعاون الاقتصادي والتجاري.

السؤال الطبيعي هنا، هل لا يزال منظرو السياسات الدولية على موقفهم التقليدي بأن المتغيّر الاقتصادي يلعب دوراً في تحديد طبيعة العلاقات الدولية، أم أنها بعد أزمة «كورونا» باتت تحتاج إلى مراجعتها؟!.

* عن "البيان" الإماراتية